حكايات منال على 3

“طارق المنشاوي” ضحك ضحكة عالية رجت القاعة، وتقدم بخطوات بطيئة لغاية ما وقف قدام الكرسي اللي أنا واقفه وراه. سحب كرسي من بتوع أعضاء مجلس الإدارة، وقعد وحط رجل على رجل، وسند عصايته الأبنوس على التربيزة بكل ثقة وهو بيقول:

— السجن؟ هههه.. كلامك كبير أوي يا نور، وواضح إن صدمة خيانة عريس امبارح مأثرة على تفكيرك. أنا مش “زين سلطان” اللي يسيب الـ IP بتاعه مكشوف عشان شوية عيال في المباحث الإلكترونية يمسكوه، ولا أنا “شاكر” اللي غرقان في ديونه ومستني ورقتين ينجدوه. أنا طارق المنشاوي.. يعني نص السوق بيتحرك بإشارة من صابعي ده.

عمي “عاصم” اتدخل بسرعة ونبرته كانت كلها خنوع:

— طارق بيه.. نور لسه صغيرة ومش فاهمة الأصول، إحنا جاهزين للتفاوض، ومجموعتك تهمنا نـ…

قاطعته وأنا برفع إيدي في وشه من غير ما أبص له أصلاً، وعيني لسه مثبتة على طارق:

— اقعد يا عمي، ووطي صوتك لإن مالكش صوت في القاعة دي من اللحظة دي.

بصيت لطارق والابتسامة مرسومة على وشي بمنتهى الهدوء:

— المنشاوي بيه بيتكلم عن الحجم والسوق.. بس نسى يتكلم عن البند رقم 7 في النظام الأساسي لشركة “إحسان للصناعات”.

طارق حواجبة عقدت وعينه ضيقت، والابتسامة بدأت تختفي من على وشه بالتدريج.

شاورت للأستاذ عاصم المحامي، فطلع ورقة تانية خالص من شنطته وحطها قدام طارق. قلت وأنا بميل عليه:

— “مجموعة الغد” الوهمية اللي إنت أسستها في لندن عشان تشتري بيها أسهم عيلتي الطماعين في الخفاء.. دي شركة أجنبية. وبموجب البند رقم 7 اللي جدتي إحسان حطته من عشر سنين، يُحظر تماماً بيع أو نقل ملكية أي سهم في الشركة لجهات أو مستثمرين أجانب، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا بموافقة كتابية من المالك الحائز على حصة الأغلبية.. اللي هو أنا.

طارق مسك الورقة بسرعة، وملامح وشه بدأت تتخشب وهو بيقرا البند.

كملت كلامي وصوتي بيعلى في القاعة بكل قوة وثقة:

— وبناءً على خرقكم للبند ده.. كل الأسهم اللي “مجموعة الغد” اشتريتها من عمي وأولاده تعتبر “باطلة بطلان مطلق” بحكم القانون، والفلوس اللي إنت دفعتها لهم راحت عليك وعليها غرامة كمان، والأسهم دي رجعت تاني لخزينة الشركة باسمي أنا.. يعني من اللحظة دي، حصتي في الشركة اتنططت من 51% وبقت 78%!

عمي عاصم وقف مصدوم ووشه اتقلب لونه أزرق:

— يعني إيه؟ الفلوس اللي أخدناها راحت؟ الأسهم رجعت لها؟

بصيت لعمي وقلت له:

— يعني إنت وأولادك بره الشركة، ومطالبين بترجيع كل مليم أخدتوه من المنشاوي كتعويض، وإلا هتحصلوا “زين” في نفس الزنزانة بتهمة الإضرار العمدي بأموال المنشأة.

طارق المنشاوي وقف على حيله، وعروق رقبة ظهرت وهو بيضغط على العصاية الأبنوس بغل، وبصلي بنظرة كلها توعد وشر حقيقي:

— لعبتيها صح يا بنت إحسان.. قفلتي اللعبة القانونية. بس السوق مبيتحكمش بالورق بس. مصانعك دي قايمة على مواد خام بتستورديها من بره، والخطوط الملاحية والموردين كلهم تحت جيب طارق المنشاوي. أنا هقفل الحنفية دي من بكره الصبح، وخلّي الورق والبند رقم 7 ينفعوكي لما مكنك يقف وحديد مصانعك يصدي!

سابني ومشي، وخبط الباب وراه بقوة هزت المكان، وعمي وأولاده جريوا وراه وهم بيعيطوا ويترجوه يحل مشكلتهم مع القانون.

القاعة فضيت.. مبقاش فيها غيري أنا والأستاذ عاصم المحامي.

سندت بإيدي على التربيزة وأنا باخد نفسي بصعوبة، الحمل كان تقيل، والضربات بتيجي من كل حتة.

عاصم قرب مني وقال بقلق:

— نور.. كلام المنشاوي صح، لو منع المواد الخام، المصانع هتقف في ظرف أسبوعين، والشرط الجزائي بتاع العقود الجديدة هيدمرنا. هتعملي إيه؟

بصيت لحلق جدتي في المراية الزجاج الكبيرة بتاعة القاعة، وافتكرت صندوق قديم كانت شايلاه في بيتها القديم في طنطا.. صندوق ملوش مفتاح، بس فيه سر صفقات “إحسان” القديمة قبل ما تيجى القاهرة.

قلت لعاصم وعيني بتلمع بشرار التحدي:

— جهزلي العربية يا عاصم.. إحنا مسافرين طنطا حالاً. الحوت فاكر إنه قفل المية، وميعرفش إن جدتي هي اللي حفرت البحر كله.

 

الطريق من القاهرة لطنطا كان طويل، وشريط ذكرياتي مع جدتي “إحسان” كان بيمر قدام عيني مع كل كيلومتر بنعديه. افتكرت بيتها القديم، ريحة خشب الدولاب، وصوت ماكينة الخياطة السنجر اللي بدأت بيها كل حاجة.

وصلنا البيت القديم في طنطا مع أذان المغرب. بيت من الطوب الأحمر القديم، محاط بجنينة صغيرة فيها شجرة ليمون عجوزة. نزلت من العربية، والأستاذ عاصم المحامي ورايا وهو شايل شنطة أوراقه. فتحت الباب بالمفتاح النحاس الصديان اللي كان دايماً في ميداليتي.

البيت كان هادي، مليان بتراب الزمن، بس روحه لسه موجودة. دخلت أوضة جدتي، وتحت السرير النحاس، كان فيه الصندوق الخشب اللي مبينفتحش بمفتاح.

— “عاصم.. هاتلي العتلة اللي في شنطة العربية.”

عاصم جاب العتلة الحديد، وبكل قوتي ضغطت على قفل الصندوق لغاية ما اتقطم وطلع صوت قوي. انفتح الصندوق، وفاحت منه ريحة ورق قديم ونفتالين. مكنش فيه دهب ولا فلوس.. كان فيه حاجة أغلى بكتير.

كان فيه دفتر حسابات قديم مكتوب بخط إيد جدتي، وتحته “ملف الشراكة المنسية”. فتحت الملف، وعيني برقت وأنا بقرا الأسامي والمستندات. التفت لعاصم وقلت له وصوتي بيرتعش من الفرحة الذهول:

— طارق المنشاوي افتكر إنه قفل عليا حنفية المواد الخام من الموردين الدوليين.. وميعرفش إن أكبر مناجم ومحاجر المادة الخام دي في أسوان مرخصة باسم شركة قديمة لجدتي من تلاتين سنة، والشركة دي ليها عقد احتكار وتوريد محلي مبيتجددش، لكنه “ممتد” بقوة القانون!

عاصم خطف الورق وبدأ يقرا وعينه بتوسع:

— مش ممكن! يا نهار أبيض.. الست إحسان كانت بتمتلك 40% من أرض المحاجر اللي طارق المنشاوي نفسه بياخد منها المواد الخام لمصانعه! يعني المنشاوي مش بس مش هيقدر يقطع عننا المادة الخام.. ده إحنا اللي نقدر نوقف خطوط إنتاجه هو شخصياً لو لغينا عقد التوريد بسبب إخلاله بشروط الشرف التجاري ومحاولة ضرب السوق!

في اللحظة دي، تليفون عاصم رن. رد، وملامح وشه اتقلبت تماماً وهو بيسمع اللي بيتقال له. قفل الخط وبصلي بوش خطفه الدم:

— نور.. المصيبة حصلت. طارق المنشاوي مسبناش نوصل لطنطا. رجالته هجموا على المخازن الرئيسية لشركة “إحسان” في القليوبية وولعوا فيها! النار بتاكل شقى عمر جدتك حالاً، والمصانع هتتحرم من التصنيع من اللحظة دي لأن الشحنة الأخيرة اللي كانت متبقية ولعت!

وقف قلبي لثانية.. حسيت إن الأرض بتلف بيا. النار بتاكل المخازن؟ الطمع وصل بيه للحريق العمد وتدمير الأرواح؟

مسكت تليفوني وبصيت لملف المحاجر اللي في إيدي، والدموية رجعت لوشي تاني بس المرة دي بغضب يعمي. اتصلت بالرقم الغامض اللي كلمني الصبح، والخط فتح، وجالي صوت طارق المنشاوي وهو بيضحك بانتصار وشماتة:

— سمعت إن الجو حر شوية في القليوبية يا بنت إحسان؟ قلت لك السوق مبيتحكمش بالورق.. مكنك هيقف من بكره!

رديت عليه بصوت بارد لدرجة تخوف، وأنا بضغط على دفتر جدتي:

— النار اللي ولعتها في مخازني يا منشاوي.. هتحرق قلبك على مصانعك كلها من بكره الصبح. إنت فاكر إنك حاصرتني؟ إنت حفرت قبرك بإيدك. ورق المحاجر بتاع أسوان في إيدي حالاً.. وشحنات المادة الخام اللي داخلة مصانعك بكره، أنا أصدرت أمر بوقفها فوراً بناءً على صيغة العقد التنفيذية اللي في إيدي.

صوت طارق المنشاوي اختفت منه الضحكة فجأة وحل محلها الصمت.. صمت مرعب.

كملت كلامي:

— المخازن بتتعوض بالـ 75 مليون جنيه بتوع التأمين اللي جدتي كانت دافعاه.. لكن مصانع المنشاوي لما تقف يوم واحد، خسارتها هتكلفك اسمك وسمعتك في البورصة. أنا مش في طنطا عشان أستخبى.. أنا هنا عشان أخد توكيل دفنك التجاري.

وقبل ما يرد، قفلت السكة في وشه، وبصيت لعاصم وقلت له:

— كلملي وزير الصناعة.. وبلّغ النيابة بملف الحريق وعقد المحاجر. الليلة دي مش هتعدي غير وراس الحوت الأكبر تحت رجلينا.

بحلول الساعة الرابعة فجراً، كان مقر النيابة العامة في القاهرة يضج بالحركة. النار التي أشعلها طارق المنشاوي في مخازن القليوبية لم تحرق بضاعتي، بل أضاءت للمحققين الطريق نحو نهايته.

الأستاذ عاصم كان يقف وسط الساحة محاطاً بملفات المحاجر وعقود التأمين الشامل التي كانت جدتي تجددها بانتظام، بينما كانت كاميرات المراقبة المحيطة بالمخازن المحترقة قد التقطت أرقام السيارات التابعة لشركة أمن يملكها المنشاوي نفسه. الأدلة كانت دامغة، والضربة كانت قاضية ومحكمة.

في تمام السادسة صباحاً، ومع أول خيط لشمس يوم جديد، رنّ هاتفي مجدداً. لم يكن طارق المنشاوي هذه المرة، بل كان الأستاذ عاصم الذي قال بصوت يملؤه الفخر والنصر:

— مبروك يا نور هانم.. صدر قرار رسمي من النيابة العامة بضبط وإحضار طارق المنشاوي بتهمة الحريق العمدي والإضرار بالأمن الاقتصادي، وبناءً على جنحة الغش التجاري وإخلاله بعقد محاجر أسوان، تم الحجز التحفظي على الشحنات المتجهة لمصانعه، البورصة فتحت من دقائق وأسهم “مجموعة المنشاوي” تهبط للقاع كالحجر.

أغلقت الخط، ونظرت إلى نفسي في مرآة غرفتي القديمة بطنطا. خلعت الفستان الأسود، وارتديت بدلة عمل رسمية وأنيقة. وضعت حلق جدتي “إحسان” الألماظ في أذني، وربطت شعري للتعامل مع معركتي الجديدة كملكة تجلس على عرشها لا كفتاة مكسورة من ليلة عرسها.

عدت إلى القاهرة، وتوجهت مباشرة إلى مقر شركة “إحسان للصناعات”. هذه المرة، لم تكن هناك همسات خوف أو ترقب، بل وقف جميع الموظفين والمهندسين يصفقون بحرارة واحترام للمرأة التي أدارت أعتى أزمة في سوق التصنيع خلال ثماني وأربعين ساعة فقط.

دخلت مكتب جدتي الكبير، وجلست خلف مكتبها الخشبي العتيق. على المكتب، كان هناك طرد صغير وصلني قبل دقائق. فتحته لأجد بداخله دبلة “زين” الفضية، وساعته الفاخرة، مع رسالة قصيرة من سجن ليمان طرة كتبها بخط يده المرتعش: “سامحيني يا نور.. أنا وأبويا وأمي خسرنا كل شيء، والفيلا بيعت في المزاد العلني لتسديد الديون.. أرجوكِ تنازلي عن قضية الخلع وسأوقع لكِ على طلاق ودي بشرط أن تسقطي قضايا التعويض”.

ألقيت بالرسالة والدبلة في سلة المهملات ببرود تام، والتفت للأستاذ عاصم الذي دخل مبتسماً:

— لن نتنازل عن مليم واحد يا عاصم. القضايا تستمر، والخلع سيصدر بحكم المحكمة ليكون وصمة عار في تاريخهم، والتعويضات سنبني بها المخازن الجديدة بأحدث النظم العالمية.

نظر عاصم إليّ بذهول ممزوج بالاحترام وقال:

— الست إحسان الله يرحمها لم تترك وراءها شركة بـ 75 مليون جنيه فقط يا نور.. الست إحسان تركت وراءها نسخة ثانية منها، أشد صلابة وأكثر ذكاءً.

ابتسمت ونظرت من الشباك الزجاجي الضخم إلى حركة الشاحنات والمصانع التي عادت لتعمل بكامل طاقتها، مكنتني إرادتي من العبور، وتذكرت جملة جدتي الأخيرة التي حفرت في قلبي للأبد: “المرأة التي تصنع سلاحها من جرحها، لا يمكن لجميع ذئاب العالم أن تكسرها”.

أغلقت ملف عائلة سلطان، وأغلقت كتاب طارق المنشاوي، وفتحت صفحة جديدة في تاريخ “مجموعة إحسان للصناعات”، صفحة عنوانها العريض: “نور إحسان.. المالك والمشرف الوحيد”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *