بيت اهل جوزى حكايات امانى السيد3

صوت سيلفتي الصغيرة رانيا كان بيترعش، والشهقات طالعة من سدرها بالعافية: “الحقيني يا إيمان.. أنا بتبهدل هنا، والنبي اتصرفي وكلمي إبراهيم يرجعك، البيت اتخرب من بعد ما مشيتي!”

أخدت نفس طويل، ولقيت في قلبي برود غريب مكنتش متخيلاه، وقلت لها بنبرة هادية: “اهدي يا رانيا في إيه؟ وبتعيطي ليه؟ مش إنتِ اللي كنتِ بتقولي المحظوظة محظوظة ولو وقفتي ساعتين في المطبخ هتقضي أسبوع عند دكتور العظام؟ إيه اللي جرى؟”

رانيا عياطها زاد وقالت: “والله ما كان قصدي يا إيمان، نيرمين هي اللي كانت بتسخننا عليكي وبتقولنا إنك واخدة على كدة.. من ساعة ما مشيتي ويوم الجمعة ده بقى كابوس! حماتك قعدت ومربعت إيدها وقالت ماليش دعوة، ونيرمين اتمارضت وقالت ضهري ورقبتي وعملت حجة ومامتش من مكانها.. حماتك أجبرتني أنا أدخل المطبخ لوحدي أعمل أكل لـ 15 بني آدم! المواعين والحلل مغرقة المطبخ لحد السقف، وعيال إخوات جوزك قلبوا البيت ووسخوا السجاد، ولما جيت أشتكي، سلفك الصغير زعقلي وقالي ما إيمان كانت بتعمل كل ده ومبتفتحش بقها، اشمعنى أنتِ مدلعة!”

ابتسمت ابتسامة وجع وسخرية وقلت: “أهو أنتِ جربتي بنفسك يا رانيا.. جربتي وقفة المطبخ اللي كنتوا بتسموها “صحتها حديد وواخدة على الشقا”.. عرفتي بقى إنها كانت أصول وجدعنة مني مش قلة قيمة؟”

رانيا قالت وهي بتترجاني: “عرفت والله وعرقانة وطالع عيني والكل قاعد يـؤمر ويتحكم فيا جوه.. إبراهيم وإخواته بيتخانقوا في الصالون بره، وإبراهيم صوته جايب آخر الشارع وزعق لنيرمين وقالها أنتِ السبب في خراب بيتي بلسانك.. إبراهيم متبهدل يا إيمان، وهدومه مش مغسولة وأكله من الشارع، وهو مستني بس كلمة منك عشان ييجي ياخدك.”

قلت لها بلهجة حاسمة وقوية: “قولي لإبراهيم.. إيمان مش هترجع عشان تنقذك من المطبخ، ولا هترجع عشان تغسل لهدومه.. إيمان ليها شروط، وال شروط دي مش هتتنازل عن حرف منها.. وأولهم إن نيرمين وسلفي يعتذروا لي، وتعرفوا كلكم مقام الست اللي كانت شايلاكم.”

قفلت السكة في وشها قبل ما تسمع ردها، وحسيت بنشوة انتصار صغيرة، بس لسه ناري مبردتش.

يومين بالظبط، ولقيت الباب بيخبط.. فتحت أمي الباب، ولقينا حماتي بنفسها واقفة على الباب، ومعاها إبراهيم اللي كان وشه دبلان، وهدومه متبهدلة وواضح عليه قلة الراحة.

دخلت حماتي، وقعدت في الصالون، وبصت لأبويا وقالت بنبرة حاولت تخليها فيها عشم: “جرى إيه يا حاج؟ إحنا هان علينا ود بعض؟ دي إيمان بنتنا، وإبراهيم ابنك، والبيوت مابتخلاش من المشاكل.. أنا جاية بنفسي أهو عشان أخد بنتي في إيدي.”

أبويا بص لحماتي باحترام بس بجفاء: “منورة يا أم إبراهيم.. بس بنتك خرجت من بيت عيلتكم مكسورة الخاطر وموصوفة بالخدامة وسط ضحك ابنك.. والرجوع ملوش غير طريق واحد.. الشروط اللي إيمان قالتها.”

حماتي لوت بوزها شوية وقالت: “يا حاج، شروط إيه بس؟ نيرمين تعتذر إزاي ودي الكبيرة؟ وسلفها راجل هيرضى إزاي ييجي يتأسف لست؟ وإبراهيم هيكتب مؤخر إزاي وهو لسه بيسدد في ديون؟ اعقلي يا إيمان وقومي مع جوزك، كفاية عناد لحد كدة.”

وقفت وبصيت لحماتي بكل ثقة وقلت: “الكبيرة يا حماتي هي اللي بتعلم الصغيرين الأصول، مش اللي بتقعد تلقح كلام وتتأمر على بنات الناس.. والراجل اللي استقوى عليا بضحكته وتريقته قدام الكل، ييجي يقف راجل ويعتذر عن غلطه.. أما إبراهيم، فالمؤخر ده عشان يعرف إن كرامتي غالية، واللي عايز الغالي، بيدفع تمنه.”

إبراهيم وقف وبصلي بعيون حمرا من كتر الغيظ والعجز وقال: “يعني مفيش فايدة يا إيمان؟ مفيش أي تنازل؟”

قلتله وأنا باصة في عينه: “ولا حرف يا إبراهيم.”

حماتي وقفت وقالت بغضب: “بنتك ناشفة يا حاج، وشكلها مش وش عمار، وأنا مش هخلي إخوات إبراهيم يتهانوا عشانها.. يلا يا إبراهيم، البيوت مليانة بنات، والست اللي متصونش سر بيتها وتكبر المواضيع متلزمناش.”

إبراهيم بصلي نظرة أخيرة، نظرة كلها كسر وتحدي في نفس الوقت، وقال: “ماشي يا إيمان.. طالما اخترتي العناد، خليكي في بيت أبوكي، وشوفي مين هيعبرك بعد كدة!”

مشيوا ورزعوا الباب وراهم.. أمي بصتلي بقلق وقالت: “يا بنتي، خايفة تكوني قسيتي قوي والموضوع يوصل للطلاق.”

أبويا طبطب على كتفي وقال لأمي: “سيبها يا أم إيمان.. البنت اللي ترضى بالهوان مرة، بتعيش طول عمرها مداس عليها.. خليها تقوى، والي يشتريها يجيلها بشروطها.”

مر شهر بحاله.. شهر كامل مفيش حس ولا خبر، وكنت بدأت أتعود على حياتي الجديدة ونزلت دورت على شغل عشان أثبت نفسي.. وفي يوم وأنا راجعة من بره، لقيت جارتنا بتبصلي بنظرة غريبة وبتقولي: “الحقي يا إيمان.. إبراهيم جوزك قالب الدنيا، وجايب ناس كبار قوي وجايين على بيت أبوكي دلوقتي!”

 

طلعت السلم وقلبي بيدق بسرعة، مش خوف، لكن ترقب للخطوة الجاية. أول ما فتحت باب الشقة، لقيت الصالون عندنا مليان رجالة.. كبار عائلات من منطقتنا ومن منطقة إبراهيم، وناس ليهم كلمتهم وهيبتهم، وقاعد في وسطهم أبويا وعمي، وإبراهيم قاعد على كرسي في الركن وشه في الأرض وملامحه باين عليها الهزيمة والتعب.

أول ما دخلت، الأصوات هديت، وواحد من كبار الجلسة، راجل عجوز ووقور، بصلي وقال: “تعالي يا بنتي يا إيمان، اقعدي واسمعينا.. إحنا مجيناش هنا عشان نغلطك، إحنا جايين لأن إبراهيم جالنا وطلب مننا ندخل بالحق، والراجل لما يجيب كبار عيلته لحد بيت أبوكي، يبقى شريكي وعايزك.”

قعدت جنب أمي وأنا ملامحي هادية، وبصيت للراجل الكبير وقلت باحترام: “على راسي يا حاج، وأنا وبنت أصول وبقدر الكبار.. بس الأصول برضه بتقول إن الست كرامتها من كرامة جوزها، وإبراهيم ساب كرامتي تتداس قدام إخواته وسلايفي.”

الراجل الكبير هز راسه وبص لإبراهيم وقال بصوت جهوري: “إبراهيم غلطان، واعترف بغلطه قدامنا كلنا، وعشان كده إحنا جايين نصلح الغلط ده بالأصول.. الشروط اللي أنتِ طلبتيها يا بنتي، إبراهيم موافق عليها.”

رفعت عيني وبصيت لإبراهيم وأنا مش مصدقة.. إبراهيم اللي كان حالف ميرجعش إلا بشروطه، موافق؟

الراجل الكبير كمل كلامه وسحب ورقة وقلم من جيبه: “المؤخر اللي طلبتيه عشان تضمني حقك، المأذون هيكتبه وهيتمم في المحكمة، وإبراهيم هيمضي عليه دلوقتي قدامنا كشاهدين.. أما موضوع العزومات والخدمة، فده حقك الشرعي، أنتِ ست بيت في بيتك، وضيفة معززة في بيت عيلته، ومفيش مخلوق يقدر يأمرك بكلمة بعد النهاردة.”

سكتّ للحظة، وبصيت لأبويا اللي شاورلي براسه بمعنى إني أكمل، فقلت: “وباقي الشروط يا حاج؟ نيرمين وسلفي اللي هانوني؟”

هنا إبراهيم اتكلم بصوت مخنوق وواضح فيه الكسرة: “نيرمين وسامح إخواتي مستنيين تحت في العربية يا إيمان.. ومستنيين إشارتك عشان يطلعوا يعتذروا لك قدام عيلتك وكبار منطقتنا.”

الكلام نزل عليا برد وسلام. نيرمين، اللي كانت شايفة نفسها فوق البشر والكل بيخدمها، واقفة تحت مستنية الإذن عشان تطلع تعتذرلي؟ وسلفي اللي وصفني بالشغالة، جاي لحد هنا عشان يغسل غلطته؟

عمي بص لإبراهيم وقاله: “اطلع هات إخواتك يا إبراهيم، وخلي الأمور تتصلح في النور.”

إبراهيم نزل، وفي غيابه جارتنا اللي شافتهم وهم داخلين كلمت أمي في التليفون وقالت لها إن البيت تحت مقلوب، والكل بيتكلم عن إيمان اللي جابت مناخير سلايفها الأرض ورجعت كرامتها تمن غالي.

دقايق والباب انفتح.. دخل إبراهيم، ووراه نيرمين وسامح. نيرمين كانت باصة في الأرض، وشها أحمر وعينيها فيها غل مكتوم وعجز، مكنتش قادرة ترفع عينها في عيني. وسامح كان واقف ومحرج جداً قدام كبار العائلات اللي قاعدين.

الراجل الكبير شاور لسامح ونيرمين وقال: “قولوا كلمتكم يا ولاد الأصول، عشان نقفل الصفحة دي بالحق.”

سامح اتنحنح وقال بنبرة واطية: “حقك علينا يا إيمان.. إحنا كنا بنهزر، ومكنش قصدنا تقليل منك.. أنتِ أختنا الكبيرة ومقامك فوق راسنا.”

أما نيرمين، فبصتلي بنظرة سريعة وقالت بلسان تقيل: “معلش يا إيمان.. متزعليش مني، الكلام أخدنا، وإحنا عارفين قيمتك.”

بصيتلهم بكل كبرياء، ومردتش بكلمة غير: “حصل خير.. والمسامح كريم عشان خاطر الكبار اللي واقفين وعشان خاطر جوزي.. بس الدرس يكون اتقرى كويس.”

نيرمين وسامح ملموش ثواني ونزلوا فوراً من الكسوف، والرجالة الكبار باركوا ومضوا إبراهيم على ورقة الاتفاق والمؤخر الجديد.

بعد ما الكل مشي، إبراهيم قعد جنبي ومسك إيدي، وبصلي وقال: “ارتحتي كده يا إيمان؟ نزلتي هيبتي وهيبة إخواتي الأرض.. البيت من غيرك كان جحيم، وأمي وإخواتي اتقلبوا على بعض بسبب وقفة المطبخ ومحدش فيهم طايق التاني.. أنا جيتلك ومكسرتش شروطك، بس حسسيني إنك لسه باقية عليا.”

سحبت إيدي منه براحة، وبصيت في عينه بجمود وقلتله: “أنا باقية على بيتي يا إبراهيم.. بس الرجوع مش معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول.. أنا هرجع معاك الشقة، بس النفوس لسه محتاجة وقت عشان تصفى، واللي اتكسر جوه قلبي من ناحيتك محتاج يترمم.”

لميت شنطتي ورجعت معاه.. دخلت شقتي وأنا حاسة إن الهوا فيها اختلف، مابقتش إيمان الطيبة اللي بتجري تخدم الكل.. بقيت إيمان اللي بتتحسب لها ألف خطوة قبل ما حد ينطق اسمها.

مر أسبوع، وجاء يوم الجمعة.. وهو اليوم المنتظر. تليفون إبراهيم رن، وكانت حماتي، وسمعتها وهي بتقول بصوت عالي: “يلا يا إبراهيم، هات مراتك وتعالوا.. العيلة كلها ملمومة ومستنيينكم عشان نتغدا مع بعض!”

إبراهيم قفل التليفون وبصلي بتردد وقلق، وهو مستني يشوف أنا هعمل إيه في أول مواجهة حقيقية بعد الصلح..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *