قبل فرحي حكايات حماده هيكل 4
الفيديو اللي نشرته ما كانش فيه صريخ ولا عياط، ولا حتى تلميح لقصة الطلاق والخراب اللي حصل.
ظهرت فيه بكامل أناقتي، ببدلة الشغل البيضاء، ومن ورايا بلكونة شقتي في الزمالك والنيل ورايا بيلمع تحت الشمس. كنت ببتسم بثقة وهدوء، وقلت في الفيديو:
> “مساء الخير على كل أصدقائي وعملائي الكرام. حابة أشكر كل اللي شرفونا في ليلة فرحي أول امبارح. وبما إن فيه أخبار ومعلومات مغلوطة انتشرت بخصوص شقتي في الزمالك، ومستقبل مشروعاتي العقارية.. حبيت أوضح بنفسي ومن داخل الشقة إن المكان ده هو المقر الإداري الإقليمي الجديد لشركتنا بالتعاون مع شريكنا الاستراتيجي من دولة الإمارات الشقيقة. الشقة دي كانت وهتفضل أصل من أصول الشغل اللي اتبنى بعرق وتعب سنين، ومش هتروح لأي جهة تانية بره إطار الاستثمار الدولي. أشوفكم الأسبوع الجاي في افتتاح المقر.”
>
الفيديو قلب الدنيا في دقايق. الكومنتات بدأت تنزل زي المطر، وكل اللي حضروا الفرح وفهموا تلميحات ناهد هانم البايخة، استوعبوا دلوقتي إنها اتهانت علنًا على السوشيال ميديا، وإن كبريائها اتمسح بيه الأرض بعد ما الكل عرف إن الشقة مش بيت تقاعدها ولا حاجة، دي مقر شركة!
تليفوني رن بعد نزول الفيديو بساعة.. كان رقم غريب.
فتحت الخط، ولقيت صوت ناهد هانم طالع منه، بس ما كانش مكسور زي ما كان في صالتنا، الصوت كان مليان غل وشر مجنون، وقالت وهي بتنهج:
“أنتِ فاكرة نفسك كسبتي يا سارة؟ فاكرة إن الفيديو ده هيحميكي؟ المحامي بتاعنا قري الورق كويس، وعرف اللعبة اللي عمك المستشار لعبها علينا!”
قلت ببرود: “لعبة إيه يا ناهد هانم؟ إحنا ورقنا كله رسمي.”
ضحكت ضحكة هستيرية وقالت:
“المستثمر الخليجي بتاعك ده ما يقدرش يحجز على الفيلا بتاعتي، لأن الفيلا من سنة ونص مكتوبة باسم كريم ابني بيع وشراء بعقد نهائي! يعني الحجز اللي اتعمل ده حجز صوري على اسمر أنا، والفيلا قانوناً ملك لكريم. وكريم مش هو اللي اتكلم في الميكروفون.. أنا اللي اتكلمت! يعني ابني بريء من قضية التعويض الدولية دي، والفيلا مش هتاخدوا منها مليم واحد!”
حسيت بنغزة في قلبي، وبصيت لأمي اللي كانت قاعدة جنبي وسمعت الصوت من السماعة.
ناهد هانم كملت بفحيح مرعب:
“مش بس كده.. كريم دلوقتي في القسم، وبيعمل فيكي وفي أمك محضر سب وقذف وتشهير باللي حصل في الفرح، ومعاه شهود من قرايبنا هيحلفوا إنكم طردتونا وأهنتونا قدام المعازيم. والـ 48 ساعة بتوعنا إحنا بقى اللي بدأوا.. يا تسحبي قضية الشريك الخليجي دي وتدفعي تعويض لكريم عشان يرجع لشغله، يا إما هسحبك أنتِ وأمك على المحاكم بتهمة التشهير، وهخلي سيرتكم على كل لسان في المحاكم الجنائية!”
أمي سحبت التليفون من إيدي، وقفلته في وشها من غير ما تنطق بكلمة واحدة.
بصيت لأمي برعب وقلت:
“ماما.. الست دي مش هتهدى، وكلامها صح.. لو الفيلا باسم كريم، الحجز مش هيتنفذ، وإحنا ممكن ندخل في قضية سب وقذف!”
أمي قامت وقفت، وراحت ناحية الخزنة اللي في أوضتها، وفتحتها.. وطلعت منها دوسيه أسود قديم، عمري ما شفته قبل كده. رجعت وقعدت قصادي، وفتحت الدوسيه، وطلعت منه ورقة صفراء مكتوبة بخط الإيد من سنين طويلة.
بصتلي أمي وعينيها فيها نظرة غموض مرعبة، وقالتلي بصوت واطي:
“ناهد هانم غبية.. وفاكرة إنها بتلعب مع هواة. هي نسيت جوزها المرحوم كان شغال إيه، ومات إزاي.. ونسيت هو كان مديون لمين بالفيلا دي قبل ما يكتبها باسمها أصلاً.”
أمي حطت الورقة الصفراء قدامي على الترابيزة. بصيت فيها وبدأت أقرا السطور المكتوبة بحبر جاف قديم، وكانت الصدمة أكبر من كل اللي فات.
الورقة كانت عبارة عن “إقرار مديونية وشيك مقبول الدفع” بمبلغ ضخم جداً من تمن الفيلا دي، ممضي ومختوم من جوز ناهد هانم الله يرحمه، والمفاجأة.. إنه كان لصالح بابا من أكتر من خمس عشرة سنة، لما بابا ساعده يدخل شراكة عقارية وفشلت، والفيلا كانت هي الضامن الوحيد للدين ده!
أمي بصتلي وقالت والنبرة الحكيمة مالي صوتها:
“ناهد هانم نقلت ملكية الفيلا لكريم بعقد بيع وشراء صوري عشان تهرب من الحجز، بس العقد ده اتعمل من سنة ونص.. في حين إن مديونية باباكي تاريخها أقدم بكتير ولها حق الامتياز والأولوية في السداد قانوناً. نقل الملكية في القانون اسمه ‘تصرف بنية الإضرار بالدائنين’، وعمي رفعت يقدر يبطله في جلسة واحدة، ونرفع قضية حجر مباشر على الفيلا سواء كانت باسم كريم أو باسم أمه.”
## المواجهة الأخيرة
تاني يوم الصبح، وفي نفس الصالة اللي شهدت طمعهم، قعدت ناهد هانم وكريم للمرة الأخيرة، بس المرة دي كان معاهم المحامي بتاعهم اللي وشه كان جايب ألوان أول ما عمي رفعت حط الدوسيه الأسود قدامه على التربيزة.
المحامي بتاعهم بص لناهد هانم وهز راسه بيأس وقالها بصوت واطي سميع للعالم كله:
“يا مدام ناهد.. الورق ده يوديكم في داهية. عقد البيع لكريم هيتبطل، والفيلا هتتباع في المزاد العلني لصالح دين أبو سارة، وكريم هيتمنع من ممارسة المحاماة بسبب محضر السب والقذف الكاذب اللي عملتوه في القسم امبارح.. إحنا لازم نمضي على تسوية حالا.”
كريم انهار تماماً، وبص للأرض وهو حاطط راسه بين إيديه، وناهد هانم كبرياءها اتمسح بالأرض وبقت بتبص لأمي وتترجاها بعينيها من غير ما تقدر تنطق بكلمة تانية.
مضينا التسوية:
* **تنازل كامل ومتبادل** عن كل القضايا والمحاضر.
* **شرط جزائي ضخم** يمنعهم من التعرض ليا أو لشركتي أو لأهلي، ولا حتى ببوست على السوشيال ميديا.
* **خروجهم من حياتي للأبد** وهم مكسورين، لا طالوا شقة الزمالك، ولا حافظوا على برستيجهم اللي عاشوا يخدعوا بيه الناس.
## شمس جديدة.. والحكمة من الرحلة
بعد ما مشيوا وقفلنا الباب وراهم للمرة الأخيرة، حسيت بنسمة هوا باردة ونقية داخلة من البلكونة، وكأن البيت كله كان محتاج يتطهر من طمعهم. رحت لأمي، قعدت تحت رجليها، وحطيت راسي على ركبتها وبكيت.. بس المرة دي كانت دموع راحة واطمئنان.
أمي طبطبت على شعري، وقالتلي الجملة اللي هعیش بيها عمري كله:
> “يا سارة يا بنتي.. ربنا ما بيكشفش الغطا عن بني آدم إلا لما يكون بيحبه وعايز ينقذه. الطمع دايماً بيعمي صاحبه، وناهد وكريم عميهم طمعهم في شقاكي لدرجة إنهم نسوا يحسبوا خطواتهم. الست يا بنتي لازم تكون قوية، وشغلها وذمتها المالية هما سلاحها في الدنيا دي. أوعي تندمي على ثقة عِطيتيها للشخص الغلط، لأن لولا الصدمة دي.. كنتِ هتعيشي عمرك كله مع تعبان لابس قناع ملاك.”
>
### الحكمة التي تعلمتها:
في الحياة، مش كل اللي بيفتحلك باب العربية وبيبعتلك ورد بيكون بيحبك بجد. أوقات القشرة الخارجية بتكون مبهرة بس عشان تداري السواد اللي جوه.
* **احمي نفسك أولاً:** الحب مش معناه السذاجة، والأمان المالي والضمانات القانونية مش عيب ولا بتقلل من الثقة، دي السياج اللي بيحمي البيوت من الانهيار.
* **نصيحة الأم رؤية:** الأم بتشوف بقلبها وخبرتها السنين اللي إحنا مش بنشوفها بعيون الحب الأعمى.
* **الحق دايماً بيكسب:** مهما كان الطرف التاني خبيث وبيعرف يلف ويدور بالقانون، دايماً النية الصافية والعرق الحلال بيمشوا في طريق مستقيم، والشر بياكل صاحبه في النهاية.
شقتي في الزمالك فِضلت زي ما هي.. رمز لنجاحي وتجارتي، وبقت المقر الرئيسي لشغلي اللي بيكبر كل يوم. أما كريم وأمه، فبقوا مجرد سطر صغير وصفحة اتقفلت في كتاب حياتي، وبدأت من جديد.. وأنا أقوى، وأوعى، وممتنة لكل خطوة أمي خدتها عشان تحميني.