قبل فرحي حكايات حماده هيكل 3
الساعة كانت تلاتة الصبح، الصالة عندنا تحولت لغرفة عمليات.
عمي المستشار رفعت جه ومعاه اتنين من شطار المحامين في مكتبه، والدوسيهات الزرقا والصور اللي كريم ساب منها نسخ مفرودة على الترابيزة تحت إضاءة نجفة الصالة. بابا كان رايح جاي بيكلم ناس في التليفون، وأمي قاعدة مركزة في كل ورقة، وأنا نايمة على الكنبة بدموعي، حاسة إن اسمي وشرفي بقوا مجرد أوراق في قضية.
عمي رفعت قلع نضارته، فرك عينيه وبص لبابا وقال بنبرة هادية بس توزن بلد:
“كريم مش غبي، هو خبيث. البلاغات اللي قدمها دي معمولة من خطوط وتليفونات مجهولة عشان ما يتجابش هو في الصورة كبائع للبلاغ الكاذب، والصور ملعوب في زواياها عشان تدي إيحاءات تانية غير الشغل. بس هو وقع في غلطة عمره.”
قعدت بسرعة وقلتله والدموع في عيني:
“غلطة إيه يا عمي؟ أنا مستقبلي هيضيع لو البلاغات دي راحت النيابة العامة أو التحريات بدأت في الشركة!”
عمي رفعت ابتسم وطمنّي بإيده وقال:
“يا سارة، الورق اللي بعته ده عشان يهددكم بيه، فيه أرقام صادر وتواريخ من السيستم الداخلي للمكتب اللي هو شغال فيه. كريم استخدم نفوذ مكتبه وعلاقاته عشان يسرق بيانات عملاء أجانب لشركتك ويتهمك بسبق التعامل معاهم بشكل مشبوه. دي جناية ‘إفشاء أسرار مهنية’ و’قرصنة بيانات’ عقوبتها السجن المشدد وشطب اسمه من نقابة المحامين للأبد.”
أمي قامت وقفت وقالت وعينيها بتلمع بتحدي:
“يعني إحنا اللي هنلوي دراعه؟”
عمي رفعت هز راسه وقال:
“وأكتر من كده. الصبح الساعة تسعة، هيكون فيه بلاغ رسمي للنائب العام بالدليل والبرهان ضد كريم وأمه بتهمة الابتزاز الإلكتروني، ومحاولة الاستيلاء على مال الغير تحت التهديد، والسرقة الإلكترونية لبيانات شركة المقاولات. وباباكي بنفسه هيكلم صاحب المكتب اللي كريم شغال فيه.. والمكتب ده له مصالح بملايين مع مجموعة باباكي.”
نمت ليلتها وأنا حاسة إن فيه جبل متشال من على صدري، بس لسه الخوف من جنون ناهد هانم وكريم مالي قلبي.
الصبح الساعة حداشر، التليفون رن.. كان كريم.
بابا فتح الاسبيكر، وصوت كريم كان طالع مرعوب، مفيش فيه ولا نقطة من الثقة والبرود بتاعت امبارح:
“يا عمي.. أرجوك اسمعني. أنا اترفدت من المكتب الصبح، وفيه قوة من مباحث الإنترنت راحت سألت عليا في البيت.. إحنا ما كناش نقصد، دي أمي كانت منفعلة عشان الشقة وأنا كنت بحمي حقها!”
أمي سحبت التليفون من إيد بابا وقالت بصوت زي الكرباج:
“دلوقتي بقت أمك؟ مش كنت راجل قانون وبتعرف تلعب اللعبة يا كريم؟ اسمعني كويس.. البلاغ مش هيتسحب، وقضية الجنايات شغالة، إلا في حالة واحدة بس.”
كريم قال بصوت بيترعش ويتباكى:
“أي حاجة يا طنط.. أنا مستقبلي هيضيع، والله أمي هي اللي وزتني!”
أمي كملت بكل قسوة وثبات:
“تيجي أنت وأمك ناهد هانم هنا في الصالة دي، ورجلك فوق رقبتك. تمضي على قسيمة الطلاق للإبراء، وتتنازل عن كل حقوقك، وتدفع تعويض تمن ليلة الفرح اللي بوظتوها قدام الناس، وتجيبوا معاكم دهب الشبكة والهدية اللي أخدتوها. وقدامك ساعتين.. يا إما هتشوف ليل أسود من اللي وعدت بيه سارة.”
كريم قفل السكة وهو بيقول: “حاضر.. حاضر، ساعة وهنكون عندكم.”
بعد ساعة ونص، الباب خبط.
فتحت بابا، لقيت كريم ووراه ناهد هانم.. الست اللي كانت من يجي 30 ساعة رافعة كاس النخب بفستانها الدهبي وبتذلني قدام ميتين معزوم، كانت واقفة دلوقتي ووشها أصفر، عينيها في الأرض، وشايلة في إيدها علبة القطيفة بتاعت الشبكة.
دخلوا الصالة، وعمي رفعت والمأذون كانوا قاعدين مستنيينهم على التربيزة..
ناهد هانم بصت لأمي وقالت بنبرة مكسورة تماماً:
“إحنا جينا يا مدام.. بس بلاش المحاكم، كريم مالهوش ذنب، أنا اللي كنت عايزة أضمن مستقبله.”
أمي ما ردتش عليها، شاورت للمأذون وقالت: “ابدأ يا مولانا.”
كريم قعد، ومضى على ورق الطلاق وهو بيبصلي بنظرة رجاء أخيرة، بس أنا كنت حاطة عيني في عين عمي رفعت، حاسة إني بتولد من جديد. أول ما المأذون قال: “بارتكِ منه يا بنتي”، حسيت بروح ترجعلي.
ناهد هانم حطت علبة الشبكة على التربيزة وقالت: “كده خلاص؟ البلاغات هتتسحب؟”
عمي رفعت سحب ورق الطلاق والتنازلات، وبص لكريم وأمه وقال بابتسامة غامضة خلت ركب كريم تسيب تاني:
“التنازل عن بلاغ الابتزاز والسرقة الإلكترونية هيتقدم للنيابة الصبح.. بس فيه حاجة صغيرة نسينا نقولها لكم.”
كريم بلع ريقه وقال بفزع: “حاجة إيه؟”
عمي رفعت طلع ورقة تانية من الدوسيه وقال:
“سارة لما اشترت شقة الزمالك من سنتين، كانت شريكة مع رجل أعمال خليجي في إعادة تجديد البرج كله. ورجل الأعمال ده، لما عرف باللي حصل في الفرح والتشهير اللي ناهد هانم عملته في وسط معازيم من كبار السوق.. رفع قضية دولية بتهمة ‘الإضرار بالسمعة التجارية للمشروع واهتزاز القيمة السوقية للعقار’.. والقضية دي طالبتكم بتعويض مبدئي قيمته خمسين مليون جنيه، والحجز التحفظي على فيلا ناهد هانم في التجمع بدأ يتنفذ من نص ساعة!”
تابعو صفحه رومانى مكرم
ناهد هانم صرخت صرخة مكتومة وهزت الصالة كلها، وجريت على ترابيزة عمي رفعت وهي بتمسك الورقة بإيد بتترعش، وعينيها هتطلع من مكانها:
“فيلا التجمع؟ حجز تحفظي؟ أنت بتقول إيه يا سيادة المستشار؟ دي شقا عمري وورث ولادي! أنا مالي ومال المستثمر الخليجي ده؟ أنا ما كلمتوش ولا أعرفه!”
عمي رفعت رجع بضهره لورا وسند على الكرسي بكل برود، وقال وهو بيظبط نضارته:
“بس أنتِ اتكلمتي قدام ميتين معزوم في فندق خمس نجوم يا ناهد هانم. الفرح كان متصور لايف، والفيديو اتبعث للشركة الأم في دبي كدليل على إن البرج اللي دافعين فيه ملايين الدولارات بقى مادة للفضايا على السوشيال ميديا، وإن فيه عيلة بتهدد بوضع يد وتحويل الشقة لبيت تقاعد علني. المستثمر اعتبر ده تهديد مباشر لأمن العقار وقيمته التسويقية وسط الأجانب، ومكتبنا في دبي حرك الدعوى فوراً.”
كريم وقف والجنون مالي وشه، وبص لأمه وبعدين بصلي وزعق بصوت مبحوح:
“أنتِ يا سارة.. أنتِ اللي عملتي كل ده؟ بعتّي الفيديو وشوّهتي سمعتنا عشان تخربي بيتنا؟”
قمت وقفت لأول مرة، وبصيتله في عينه بكل القوة اللي حوشتها طول السنين اللي فاتت، وقلتله بصوت حاد زي الموس:
“أنا ما خربتش بيت حد يا كريم.. أمك هي اللي وقفت في الميكروفون تتبجح بشقاي وتعلن سرقتي علنًا قدام الناس، وأنت كنت واقف عاصر على وسطي وبتهددني بالفضيحة لو نطقت. أنت اللي جيت هنا بشنطة ورق مزور عشان تطعن في شرفي وذمتي المالية. إحنا ما عملناش حاجة غير إننا سيبناكم تقعوا بأعمالكم.”
ناهد هانم ركبتها ما شالتهاش وقعدت على أقرب كرسي وهي بتعيط بدموع حقيقية لأول مرة، مش دموع التماسيح بتاعت كل مرة، وقالت لأمي بنبرة ذليلة:
“بوس إيدك يا مدام.. بلاش الفيلا، دي كل اللي حيلتي في الدنيا بعد ما جوزي مات. كريم لسه صغير ومستقبله ضاع والنهارده اcurrent_year طرد من شغله، بلاش تشردينا!”
أمي بصتلها من فوق لتحت، وحطت إيدها في وسطها وقالت بقلب ميت:
“الست أوقات ما بتخسرش بيتها عشان غبية يا ناهد هانم.. بتخسره عشان طمعت في بيوت الناس. افتكري الجملة دي كويس عشان أنا اللي قيلتها لبنتي من يومين، وأهو الزمن بيلف وبيقدمهالك درس.”
عمي رفعت لم أوراقه كلها في الشنطة، ووقف وقال لكريم:
“قسيمة الطلاق للإبراء تمت، ودهب سارة وحق الفرح أخذناه. قضية الابتزاز والسرقة الإلكترونية هتنازل عنها الصبح زي ما وعدتكم عشان أنا راجل بكلمتي. أما قضية الشريك الخليجي والـ 50 مليون.. فدي بره إيدي وبره إيد سارة، دي قضايا شركات دولية، وحلها الوحيد إنكم تروحوا تدوروا على محامي دولي يلحق يرفع الحجز، ده لو لحق أصلًا.”
كريم سحب أمه المنهارة من إيدها وهو بيبص للمكان حواليه وكأنه مش مصدق إن الإمبراطورية اللي بناها هو وأمه في الخبث اتهدت فوق دماغهم في أقل من 48 ساعة. خرجوا من الباب وهم بيجروا أذيال الخيبة، وصوت عياط ناهد هانم كان مسمع في الطرقة بره.
أول ما الباب اتقفل، الصالة فضيت علينا.. بابا أخدني في حضنه وطبطب عليا وهو بيقول: “حمد الله على سلامتك يا بنتي، غمة وانزاحت”، وأمي ابتسمت وهزت راسها برضا.
حسيت بنصر حقيقي، بس النصر ده كان ناقصه حاجة واحدة.. خطوة أخيرة كنت لازم أعملها عشان أقفل الصفحة دي للأبد وأرجع شرفي في سوق العقارات قدام كل اللي حضروا الفرح.
مسكت تليفوني، وفتحت صفحتي الرسمية على إنستجرام وفيسبوك، اللي كان عليها آلاف المتابعين من زمايلي وعملائي، ونشرت فيديو..
