اكتشفت إن جوزى4

حكايات امانى السيد

بصيت للمحامي ولساني عجز عن النطق، السموم دي كانت بتدخل البيت إزاي؟ ومين اللي له مصلحة يخلص من “أحمد” والبنت مع بعض؟ في اللحظة دي، شريط حياتي كله مر قدام عيني.. كل كوباية شاي شربها أحمد، كل لقمة دخلت بؤ “هبة”، ومين اللي كان بيدخل ويخرج من غير ما حد يشك فيه.

سألت المحامي بصوت مرعش: “مين يا متر؟ مين اللي كان بيعمل كده؟”

المحامي بص في الورق اللي في إيده وقال بنبرة واطية: “التحقيقات لسه شغالة، بس الممرضة اللي كانت بتيجي تدي لأحمد حقن العلاج الطبيعي في البيت بعد الحادثة، اختفت تماماً.. ولما دورنا وراها، اكتشفنا إنها مش ممرضة أصلاً، دي “قريبة” لـ ليلى، مراته الأولى!”

رجعت بضهري لورا وسندت على الحيطة.. الخطة كانت أكبر بكتير من مجرد طفلة غيورة أو خالة طماعة، دي كانت تصفية حسابات قديمة وأنا وبنتي كنا مجرد “كومبارس” في وسط النار دي.

رحت لـ “أحمد” الأوضة، كان فاق وبدأ يسترد وعيه شوية، بص لي بعين مليانة انكسار وقال: “سمعتي يا منى؟ هبة طلعت مش بنتي.. سنين عمري اللي ضاعت، والظلم اللي ظلمته ليكي ولـ رباب، كان عشان سراب.”

قلتله بجمود: “مش وقته يا أحمد، المهم دلوقتي إن حياتنا لسه في خطر.. الممرضة اللي كانت بتجيلك البيت تطلع مين؟”

أحمد فكر شوية وملامحه اتغيرت: “دي “عزة”، بنت خالة ليلى.. كانت بتقولي إنها بتعمل كده وفاءً لذكرى ليلى ومجاناً عشان حالتي.. معقول تكون هي؟”

وقبل ما يكمل كلمته، باب الأوضة اتفتح ودخلت “عزة” وهي لابسة لبس التمريض وماسكة في إيدها شنطة علاج، وقالت بابتسامة صفرا: “ألف سلامة عليك يا أبو هبة.. شد حيلك عشان تاخد الحقنة، ميعادها جه.”

جسمي كله اتخشب، بصيت للمحامي كان لسه واقف بره الأوضة بيكلم الشرطة في التليفون. وقفت قدام السرير وحجزت بينها وبين أحمد وقلت بصوت حاولت أخليه ثابت: “سيبي الحقنة دي يا عزة، أحمد مش محتاج مسكنات دلوقتي.”

عزة ملامحها اتغيرت في ثانية، وعينيها بقت زي القطة اللي بتستعد للهجوم، وقالت بصوت فحيح: “أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ مش كفاية خربتي البيت وطردتي البنت؟ سيبي الراجل ياخد علاجه عشان يرتاح.. ويريحنا كلنا.”

طلعت من شنطتها “سرنجة” كانت جاهزة، وحاولت تزقني بقوة عشان توصله، صرخت بأعلى صوتي: “يا أمن! يا متر! الحقونا!”

أحمد حاول يتحرك ويزقها بإيده الضعيفة، وعزة كانت زي المجنونة، بتقول بصريخ: “ليلى ماتت مقهورة بسببه! سابها تتصارع مع المرض وكان بيدور على حياته معاكي! كان لازم يدفع التمن هو والبنت اللي ليلى سابتهالوا عشان تذله بيها!”

في اللحظة دي، الأمن دخل الأوضة وسيطروا عليها، وهي بتصرخ وتلعن في الكل. اكتشفنا إن “عزة” كانت بتحط مادة بتسبب “تلف الأعصاب” بالتدريج في حقن أحمد، وهي اللي كانت بتسخن “هبة” ضدنا في المرات اللي كانت بتختلي بيها في البيت، عشان تخلي البيت جحيم والكل يخلص على بعضه.

مرت الأيام، “أحمد” حالته بدأت تستقر بعد ما بطل ياخد السموم دي، وبدأ يحرك أطرافه ببطء. أما “هبة”، ففضلت في المصحة تحت حراسة مشددة، لأن حالتها النفسية كانت مدمرة تماماً بعد ما عرفت إنها مش بنت أحمد، وإنها كانت مجرد “أداة” انتقام في إيد خالتها وبنت خالة أمها.

وقفت في بلكونة بيتي، “رباب” كانت نايمة في أمان، وأحمد كان في المصحة بيتعافى. جالي تليفون من المحامي قالي فيه جملة خلت قلبي يقع في رجليا:

“مدام منى.. فيه خبر لازم تعرفيه.. عزة وهي في التحقيقات اعترفت إن ليلى قبل ما تموت، سابت (نسخة تانية) من التنازل عن الشقة، بس المرة دي التنازل كان لـ “رباب” بنتك أنتِ! بس النسخة دي عزة خبتها في مكان محدش يتوقعه.. في بيت أهلك أنتِ يا منى!”

دخلت أوضتي وبدأت أدور زي المجنونة، وفجأة افتكرت “برواز” قديم ليلى كانت أهدته لماما قبل وفاتها بفترة قصيرة وقالت لها: “خليه لـ رباب لما تكبر.”

كسرت البرواز، ولقيت وراه ظرف أسود، وجواه ورقة مكتوبة بخط إيد ليلى:

(أنا عارفة إن أحمد هيتظلم، وعارفة إن بنتي هبة مريضة، ومحتاجة اللي يحمي رباب منها ومن ظلم أبوها.. الورقة دي هي حق رباب في البيت وفي كل مليم أحمد يملكه).

دموعي نزلت.. ليلى كانت شايفة اللي إحنا مش شايفينه، وكانت بتحمي بنتي من جوزها ومن بنتها هي شخصياً.

**لكن الصدمة الكبيرة كانت في آخر الورقة، جملة مكتوبة بخط باهت وكأنها اتكتبت في لحظة احتضار:**

**(يا منى، خدي بالك من “أحمد”.. السر اللي هو مخبيه عنك بخصوص ليلة فرحكم هو السبب في كل اللي بيحصلنا دلوقتي، أحمد مش هو الشخص اللي أنتِ فاكرة إنك عارفاه!)**

مسكت الورقة وإيدي بتترعش، الكلام كان زي السكاكين. “أحمد مش هو الشخص اللي أنتِ فاكرة إنك عارفاه!”.. يعني إيه؟ السنين اللي عشتها معاه، والبيت اللي بنيناه، وبنتنا.. كل ده كان مبني على كذبة تانية أكبر من كذبة “هبة”؟

مقدرتش أستنى، رحت له المستشفى في وقت متأخر، دخلت الأوضة لقيته قاعد مسند ضهره وباصص للفراغ، أول ما شافني ملامحه اتخضت، وكأنه شاف شبح.

رميت الورقة على السرير قدامه وقلت بصوت بيقطع الصمت:

* “ليلى سابت لي الرسالة دي يا أحمد.. بتقول إن فيه سر من ليلة فرحنا هو السبب في كل الخراب ده. انطق يا أحمد.. أنت خبيت عليا إيه تاني؟”

أحمد وشه جاب ألوان، وبدأ ينهج وصدره يعلو ويهبط، حاول يتكلم بس صوته كان بيتحشر في حلقه. وفجأة، نزلت دمعة حارة من عينه وقال بكسرة:

* “كنت خايف تضيعي مني يا منى.. ليلة فرحنا، ليلى مكنتش ماتت.. ليلى كانت لسه عايشة وفي المصحة بين الحياة والموت، وأنا قلت لك إنها ماتت وشبعت موت عشان توافقي تتجوزيني.”

وقعت الكلمة عليا زي الصاعقة، يعني أنا اتجوزته وهو لسه على ذمة واحدة تانية؟ يعني أنا كنت “الزوجة الثانية” في السر من غير ما أعرف؟

كمل كلامه وهو بيبكي:

* “ليلى عرفت بطلبي للجواز منك وهي في عز مرضها، وده اللي خلاها تنهار وتكتب كل الوصايا دي وتزرع في “عزة” و “سميحة” الغل ده كله تجاهك. هي شافت إنك سرقتي جوزها وهي بتموت، فقررت إن حياتك متشوفش يوم هنا.”

وقفت مذهولة، يعني “هبة” و “عزة” و “سميحة” مكنوش مجرد أشرار، دول كانوا “انتقام” لست شافت جوزها بيبني حياة جديدة وهي لسه بتتنفس!

قلتله بذهول:

* “يعني أنا عشت سنين فاكرة إني الزوجة الوحيدة، وأنا كنت السبب في قهرة ست ثانية؟ أنت ليه عملت فينا كده؟ ليه لبستني ذنب ملوش آخر؟”

رد عليا وصوته مخنوق:

* “كنت بحبك.. وخفت ترفضي تتجوزي راجل مراته بتموت وعندها بنت مريضة. قلت لما تموت السر هيدفن معاها، مكنتش أعرف إن ليلى كانت أذكى مني، وإنها رتبت كل حاجة عشان البيت يتهد فوق راسي وراسك.”

في اللحظة دي، تليفون الأوضة رن، كانت الممرضة من قسم الاستقبال بتقول إن فيه محامي غريب عايز يدخل ضروري ومعاه “إعلان قضائي”.

دخل المحامي، بس المرة دي مكنش المحامي بتاعي، ده كان محامي شركة تأمين كبرى. بص لـ “أحمد” بنظرة غريبة وقال:

* “يا أستاذ أحمد، إحنا اكتشفنا إن “ليلى” كانت مأمنة على حياتها بمبلغ ضخم جداً، والجهة المستفيدة من المبلغ ده مش “هبة” ولا أنت.. الجهة المستفيدة هي “رباب” بنتك من مدام منى، بشرط واحد.. إن “منى” تطلب الطلاق منك قبل ما المبلغ يتصرف!”

بصيت للمحامي وبصيت لـ “أحمد” اللي كان مصدوم أكتر مني. ليلى كانت بتلعب لعبة شطرنج، كانت عايزة تضمن إن “أحمد” يخرج من حياتي وحياة بنتي “مكسور ووحيد”، مقابل إن بنتي تعيش في عز وورث يخليها مش محتاجة لأبوها ولا لأي حد.

“أحمد” صرخ بوجع:

* “حتى وأنتِ تحت التراب يا ليلى؟ لسه بتنتقمي؟”

بصيت لـ “أحمد” وحسيت ببرود تام تجاهه، الراجل اللي ضحى بكرامتي وصدق حياتي عشان أنانيته، ميستحقش إني أقف جنبه لحظة تانية.

قلت للمحامي:

* “جهز ورق الطلاق يا متر.. أنا مش هسيب بنتي تضيع بسبب ماضي أسود ماليش يد فيه.”

خرجت من المستشفى وأنا حاسة إني تايهة، بس فيه حاجة وقفتني في نص الطرقة.. شوفت “عزة” وهي بتترحل للبوكس، بصت لي وضحكت ضحكة صفرا وقالت:

* “لسه الفرح مخلصش يا منى.. ليلى سابت مفاجأة تانية في الشقة القديمة، في (المخزن) اللي تحت السلم.. روحي شوفي “أحمد” كان مخبي إيه عنك وعنها!”

جريت على الشقة القديمة، قلبي كان هيقف من الخوف. نزلت المخزن اللي تحت السلم، كسرت القفل ودخلت.. لقيت صناديق قديمة، وفي آخر المخزن، لقيت “شنطة” سفر كبيرة مخبية ورا كراكيب كتير.

فتحت الشنطة، ولقيت جواها أوراق رسمية، وعقود، وصور قديمة لأحمد مع ست تانية خالص.. مش ليلى ولا أنا!

**فتحت صورة منهم، ولقيت مكتوب وراها بخط أحمد:**

**(إلى زوجتي الغالية “نورا”.. ابنتنا الثالثة ستكون أجمل من هبة ورباب!)**

وقعت الصورة من إيدي.. “ابنتنا الثالثة”؟ يعني “هبة” مكنتش البداية، و “رباب” مكنتش النهاية؟ أحمد كان عنده حياة تالتة، وزوجة تالتة، وبنت تالتة إحنا منعرفش عنها حاجة!

**وفجأة، سمعت صوت حركة ورايا في ضلمة المخزن، وصوت خبطة كعب عالي بتقرب.. وواحدة بتقول بصوت هادي:**

* **”كنت عارفة إنك هتوصل لهنا يا منى.. أهلاً بيكي في عيلة أحمد الكبيرة!”**

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *