جوزي مزق حكايات رومانى مكرم 1
بعد ما جوزي مزق هدومي ورماني في الشارع في عز البرد، كانت أمه واقفة ورا ضهره مبتسمة بسخرية وقالت وهي رافعة حاجبها:
“يلا نشوف بقى… مين من الشحاتين هيرضى يركبك معاه.”
وقفت ساعتها بترتعش… مكسورة ومتهانة.
لحد ما عملت مكالمة تليفون واحدة بس.
بعد نص ساعة… صوت مواتير فخم بدأ يقرب من آخر الشارع.
أنوار العربيات قطعت الضلمة والبرد… ولما قربوا أكتر، وقف صف كامل من عربيات رولز رويس كأنه حكم نهائي على اللي حصل.
الليلة دي كان البرد فيها قاسي لدرجة تحس إنه ممكن يكسر الإزاز.
لسه فاكرة صوت القفل وهو بيتلف من جوه… لفة تقيلة كأنها بتقفل جوازي للأبد.
كان كريم ماسكني من دراعي بعصبية، بيجرّني في الطرقة وهو بيتنفس بغضب.
قال بصوت بارد:
“إنتي مش هتفضلي هنا دقيقة كمان.”
ماكانش فيه وقت للكلام.
في لحظة كنت جوه البيت… وفي اللحظة اللي بعدها كنت واقفة على السلم برة بالشراب بس.
الجاكيت بتاعي كان مقطوع من الكتف، وشنطتي فضلت جوه ورا الباب المقفول.
الهواء البارد كان بيقطع في جسمي زي السكاكين.
حماتي أم كريم – الحاجة نادية كانت واقفة عند الباب… لابسة شال صوف تقيل ودافية خالص.
ماكانتش مصدومة… بالعكس، كانت مبسوطة.
قالت وهي بتبتسم ابتسامة مستفزة:
“خلاص بقى… نشوف مين هيشيلك من الشارع.”
كريم قفل الباب من غير ولا كلمة.
نور البلكونة اتطفي… والبيت كله غرق في الضلمة.
البيت اللي كان على الورق “بيتنا”…
بس في الحقيقة ماكانش عمري بيتي.
وقفت أترعش، إيدي بدأت تتخدر من البرد.
كنت محتارة… أخبط على الباب؟
ولا أمشي؟
الشارع كان ساكت خالص…
الستاير مقفولة… وكل الناس مستخبية جوا بيوتها.
مفيش شهود.
مفيش حد هيتدخل.
فمشيت…
لأن الوقفة مكانك معناها تتجمد.
التلج دخل في الشراب بتاعي وأنا ماشية ناحية الشارع العمومي.
نَفَسي كان بيطلع أبيض من البرد.
كنت بفكر…
أكيد لازم يكون فيه حد… أي حد.
نور محطة بنزين كان باين من بعيد…
أمل صغير.
وأنا في نص الطريق رجلي خارت…
مسكت في صندوق الجوابات عشان ما أقعش.
وفجأة…
أنوار عربية ضربت في عيني.
عربية كانت جاية ببطء…
وللحظة افتكرت إن كريم رجع يكمل إهانته.
بس العربية ماوقفتش لوحدها.
ظهر وراها نور تاني…
وبعدين تالت…
وبعدين رابع.
العربية الأولى وقفت جنب الرصيف…
شكلها فخم وهادي.
وراها التانية.
وبعدين التالتة.
عربيات طويلة سودا بتقف ورا بعض بدقة كأنها متخططة قبل كده.
قلبي بدأ يدق بسرعة…
والخط كان بيزيد.
من نص ساعة بس…
كنت مرمية في الشارع زي الزبالة.
#الكاتب_رومانى_مكرم
ودلوقتي…
صف كامل من عربيات رولز رويس واقف قدامي في الشارع.
السواق اللي في العربية الأولى نزل…
لابس بدلة شيك وصوته هادي.
قال:
“مدام ياسمين؟”
بصيت له وأنا مش فاهمة.
كمل كلامه باحترام:
“إحنا كنا بندور عليكي.”
وساعتها فهمت حاجة واحدة…
إن البرد الليلة دي ماكانش نهاية حكايتي…
ده كان بداية كل حاجة.
نزلت “ياسمين” السلالم الرخامية لفيلا الحاجة نادية وكريم، لكن هذه المرة لم تكن تلك المرأة المنكسرة التي طُردت بالشراب في عز البرد. كانت خطواتها واثقة، يلف جسدها معطف من الفرو الطبيعي، وخلفها يسير “مراد بيه” الشخص الذي قلبت مكالمة واحدة منه موازين القوى في نصف ساعة.
توقف صف السيارات “الرولز رويس” أمام باب البيت الذي شهد إهانتها. الجيران الذين كانوا يراقبون من خلف الستائر بفضول وشماتة، الآن يتهامسون بذهول وهم يرون الأسطول الفخم يسد مدخل الشارع.
فتح السائق باب السيارة الخلفية لياسمين، لكنها لم تركب فوراً. نظرت نحو الشرفة التي كانت الحاجة نادية تقف فيها قبل قليل تسخر من “شحاتين الشارع”.
خرج كريم من خلف الباب، مذهولاً، يحاول استيعاب المشهد. صرخ بصوت مهزوز:
“ياسمين؟ إيه ده؟ ومين الناس دي؟”
التفتت إليه ياسمين ببرود يوازي برودة الجو، وقالت بصوت هادئ ومخيف:
“البيت اللي قفلت بابه في وشي يا كريم.. أنا مش محتاجة أدخله تاني. أنا بس جيت آخد كرامتي اللي افتكرت إنك قطعتها مع هدومي.”
تقدم مراد بخطوات رزينة، ووضع يده على كتف ياسمين، ثم نظر لكريم نظرة جعلت الأخير يتراجع خطوة للخلف. قال مراد بلهجة حاسمة:
“أوراق الطلاق هتوصلك الصبح يا بطل.. ومعاها إنذار بإخلاء البيت ده، لأن الأرض اللي مبني عليها القصر ده بقت ملكي من عشر دقايق بس.”
وقعت الكلمات على كريم كالصاعقة. نزل الأوكسجين من رئتيه وهو يرى زوجته التي كان يظن أنها بلا مأوى، تتحول إلى ملكة في ليلة وضحاها.
أما الحاجة نادية، فقد اختفت خلف الستائر وهي ترتجف، ليس من البرد هذه المرة، بل من الرعب بعدما رأت “الشحاتين” الذين سخرت منهم يركبون أفخم سيارات العالم.
ركبت ياسمين السيارة، وتحرك الموكب ببطء وهيبة. وفي مرآة السيارة الجانبية، شاهدت خيال كريم وهو يقف وحيداً في الشارع، بنفس المكان الذي رماها فيه.. لكن الفارق أن الدنيا كانت تمطر، وهو لم يكن يملك حتى شالاً يدفئه.
أمسكت ياسمين هاتفها، ومسحت اسم “كريم” من حياتها للأبد، وقالت لمراد:
“لسه الحساب ما خلصش يا مراد.. اللي حصل النهاردة كان مجرد رد اعتبار، أما اللي جاي.. فده حكاية تانية خالص.”
انطلقت السيارات نحو القصر الكبير في الطرف الآخر من المدينة، بينما كان الفجر يبدأ في التسلل، معلناً نهاية “ياسمين الضحية” وبداية “ياسمين” التي لا تقهر.
#الكاتب_رومانى_مكرم
