قبل ما أسافر حكايات رومانى مكرم 2
وقفت دينا ورا باب الجراج المقفول تضرب عليه بجنون، وصوتها بيعلى بالشتيمة والتهديد، لكن كريم كان واقف زي الصنم. الصدمة كانت أكبر من إنه يستوعبها، والعيال بدأوا يعيطوا من منظر الشنط المرمية والباب اللي ملوش مفتاح.
جوه البيت، أمينة كانت سامعة كل خبطة، وكل كلمة بتتقال في حقها. نجلاء المحامية حطت إيدها على كتفها وقالت: “تحبي أطلب البوليس يبعدهم؟”
أمينة غمضت عينها وقالت بهدوء: “لأ.. سيبيهم. لازم يشوفوا إن الحيطان اللي افتكروها ملكهم، كانت بس حامية ليهم بسببي.”
فجأة، الموبايل في إيد أمينة رن. كان كريم.
أمينة ردت وفتحت السبيكر.
صوت كريم كان مخنوق: “يا أمي افتحي.. دينا غلطت وأنا هربيها، بس بلاش الفضيحة دي قدام الجيران في الشيخ زايد، إحنا ملناش مكان نروح فيه دلوقتي!”
أمينة ردت بثبات: “الفضيحة يا كريم هي إن أمك تعيش غريبة في بيتها. الفضيحة إنك كنت سامع مرتك بتهينني وكنت بتبص في موبايلك. البيت ده مش مجرد حيطان، ده عمري.. وإنت بعت عمري بالرخيص.”
دينا خطفت الموبايل وزعقت: “ماشي يا أمينة! والله ما هسيبك، والبيت ده هاخده منك بالقانون، ده بيت جوزي وورث عيالي!”
نجلاء ردت بقوة: “القانون اللي بتهددي بيه يا مدام، هو اللي مكننا النهاردة. البيت مسجل ‘هبة مشروطة’ في حياة المرحوم، وباسم أمينة هانم من البداية. يعني قانوناً، إنتوا كنتم ضيوف.. والزيارة خلصت.”
سكتت دينا، وبدأ الرعب يتسلل لقلبها لما شافت أفراد الأمن اللي نجلاء جايباهم واقفين بكل حزم قدام الباب الخارجي.
كريم بدأ يلم الشنط بكسرة عين، وحطها في العربية وهو بيسمع نظرات الجيران اللي بدأت تطلع في البلكونات. دينا ركبت العربية وهي بتتوعد، لكنها كانت بتعيط من القهر، مش من الندم.
طول الليل، أمينة ما نامتش. كانت بتتمشى في الصالة، تلمس العفش، وتتفرج على الصور. دخلت “الأوضة الصغيرة” اللي كانت محبوسة فيها، ولمت باقي كراكيبهم اللي سابوها، وطلعتها بره.
تاني يوم الصبح، المحامي بتاع كريم بعت رسالة لنجلاء بيطلب “هدنة” وتفاوض.
لكن أمينة كان عندها رد تاني خالص.
طلبت من نجلاء تجهز ورق جديد.
“ناوية تعملي إيه يا أمينة؟” سألتها نجلاء بقلق.
أمينة بصت للشباك وقالت: “ناوية أعمل اللي كان لازم يتعمل من زمان. البيت ده مش هيفضل مقفول عليا لوحدي، ولا هيفضل مطمع ليهم.”
وفي العصر، وصلت عربية نص نقل قدام الفيلا، نازل منها ناس شايلين يافطة كبيرة.
كريم، اللي كان مأجر أوضة في لوكاندة قريبة، جه يجري لما حد من الجيران بلغه إن في حركة غريبة في البيت.
وقف كريم مذهول وهو بيقرأ اليافطة اللي بتتعلق على واجهة الفيلا:
**(دار أمينة للرعاية والضيافة)**
أمينة خرجت، وقفت على البوابة، وبصت لابنه اللي كان واقف بعيد وقالت له:
“البيت اللي كنتوا فاكرينه ملككم، بقا ملك لكل ست مالهاش مأوى، وكل أم اتكسر خاطرها من عيالها. إنت ليك حق عندي يا كريم.. حقك في ورث أبوك الشرعي في الفلوس، وده نجلاء هتحولهولك على حسابك النهاردة.. لكن البيت ده؟ ده “حياتي”.. وحياتي مش للبيع ولا للورث.”
كريم وقع على الرصيف مش مصدق، ودينا كانت بتراقب من بعيد وهي حاسة إن الأرض بتسحب من تحتها كل الوجاهة الاجتماعية اللي كانت عايشة فيها.
لكن القصة لسه ما خلصتش.. لأن “دينا” ما كانتش ناوية تسكت، وفي سر قديم في ورق البيت، هي بس اللي كانت عارفاه.. وناوية تستخدمه عشان تخرج أمينة من البيت للأبد.
#الكاتب_رومانى_مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
مرت الأيام والدار الجديدة بدأت تفتح أبوابها، وأمينة واقفة في وسط صالة بيتها بتشرف على كل ركن، والابتسامة اللي غابت سنين رجعت نورت وشها. لكن دينا ما سكتتش، وراحت للمحامي بتاعها وهي ماسكة ورقة قديمة كانت لقتها في مكتب “حماها” الله يرحمه قبل وفاته، وقالت بشماتة: “البيت ده فيه جزء من الأرض لسه متسجلش، وأنا هرفع قضية وأهدهولها فوق دماغها.”
المحامي بص في الورقة وطول في النظر، وفجأة بصلها بأسف وقال: “يا مدام دينا، الورقة دي مش ضدها، دي “تنازل رسمي” من جوزك كريم لوالدته عن أي حق له في البيت ده، كتبه ومضى عليه من عشر سنين لما هي باعت ذهبها كله وسددت ديونه في أول جوازكم.. الورقة دي تقفل أي باب ليكي وليه للأبد.”
دينا وقعت منها الورقة، وبصت لكريم اللي كان واقف وراها، وشه في الأرض من الخزي. عرفت وقتها إن الجحود مش بس بيضيع المستقبل، ده بيمحي الماضي كمان.
في الناحية التانية، كانت أمينة قاعدة مع “نجلاء” وصحباتها الجداد في الدار، ستات زيها ذاقوا مرارة النكران ولقوا في “دار أمينة” الحماية. نجلاء سألتها: “مش ندمانة يا أمينة إنك حرمتي ابنك من الفيلا؟”
أمينة هزت راسها بوقار وقالت:
“أنا ما حرمتوش من البيت، أنا حميته من نفسه. لو كان ورث البيت وهو بالقلب ده، كان هيخسره في مقامرة أو في مشروع فاشل، لكن لما ياخد حقه فلوس ويتعب عشان يبني لنفسه بيت، يمكن وقتها يعرف إن الحيطان بتتبني بالحب قبل الطوب.”
وفي ليلة هادية، خبط الباب. فتحت أمينة لقت كريم لوحده، من غير دينا، ولا شنط، ولا كبرياء. كان شايل وردة واحدة، وبص في عيون أمه وقال بكلمة طال انتظارها: “سامحيني يا أمي.. أنا كنت فاكر إن البيت هو اللي شايلنا، مكنتش عارف إن دعواتك هي اللي كانت سانده سقف البيت فوق راسي.”
أمينة فتحت الباب نص فتحة، وقالت له: “المسامحة عند ربنا يا كريم، والباب ده دايماً مفتوح لابني.. بس الضيف لازم يحترم صاحب البيت.”
دخل كريم، وقعد تحت رجل أمه، وفي اللحظة دي حست أمينة إن البيت فعلاً بقا “نضيف”؛ مش من التراب، لكن من الغل والقسوة.
**الحكمة:**
> “البيوت لا تُقاس بمساحتها ولا بفخامة أثاثها، بل بكرامة مَن يسكنها. مَن استقوى بمالك على صاحب الفضل، أذاقه الله مرارة الحاجة في عز الغنى. فالأصل يبقى أصل، والفضل لا ينكره إلا قليل الأصل.”
>
#الكاتب_رومانى_مكرم
