حكايات رومانى مكرم
أخت “نادية” الحامل أول ما دخلت البيت رشّت كلور مخفف على إيديها، وقالت باحتقار: “اللي داخلة السجن ماينفعش تلمس سرير البيبي.”
الصمت وقع على أوضة السفرة في بيتهم الشعبي في شبرا، كأن حد فصل الهوا فجأة.
“نادية عبدالعال” كان واخدة ساعتين إفراج. خارجة الصبح من سجن القناطر، شايلة كيس هدوم بلاستيك وملف قديم، وجواها أمل غبي إن أهلها مستنينها بالحضن، بكوباية شاي سخنة، وسرير تنام عليه.
لكن أمها “أمينة” كانت واقفة جنب السفرة، ماسكة ٣٠٠٠ جنيه ومداها لهم بإيد مرتعشة.
أبوها “سيد” كان عامل نفسه بيبص في ورقة فاتورة نور، رغم إنها كانت مقلوبة.
وأخوها الصغير “كريم”… نفس الشخص اللي نادية خدت قضيته على نفسها… كان لازق في الحيطة، وشه أصفر وعينه في الأرض، كأنه مستني البلاط ينشق ويبلعه.
أما “دينا”، مراته الحامل في السابع، فكانت ماسكة بطنها بكبرياء مستفز.
— إنتِ مالكيش مكان هنا يا نادية — قالت دينا ببرود — زمان كنتِ بتجيبي فلوس… دلوقتي إنتِ بقيتي فضيحة.
نادية بصّت حوالين البيت اللي كانت بتصرف عليه سنين من شغلها في بيع الساندوتشات قدام محطة مترو الشهداء. الكنبة البني القديمة لسه مقطوعة من الجنب. صورة العذراء لسه فوق الرف. ريحة الرطوبة وشوربة لسان العصفور لسه مالية المكان.
حكايات رومانى مكرم
بس صورها اختفت.
أوضتها بقت مخزن حفاضات وشنط هدوم أطفال وعربية بيبي متغطية بالبلاستيك. كتبها… بطانيتها… رسايل ستها… كل حاجة اترمت واتبدلت بحاجات لطفل لسه ماجاش الدنيا.
سألت بصوت مبحوح: — رميتوا حاجتي؟
أمها وطّت عينيها.
— ماكانش فيه مكان يا بنتي…
دينا ضحكت بسخرية.
— وبصراحة… ماكانش فيه داعي نحتفظ بحاجات واحدة شوهت اسم العيلة.
حست نادية بحاجة اتكسرت جواها… بس ماكانش قلبها. قلبها مات من سنتين. اللي اتكسر كان آخر جزء طيب فيها.
قالت بهدوء خوّفهم: — غريبة… كلكم بتتكلموا عن الفضيحة، ومحدش بيتكلم عن مين اللي كان سايق العربية الليلة دي.
كريم رفع عينه لأول مرة.
— بلاش تبدأي يا نادية.
بصتله جامد.
هو نفسه اللي رجع الفجر يومها، هدومه عليها دم، وريحة الخمرة طالعة منه، وبيعيط زي العيال. كان واخد عربيتها من غير إذن. خبط شاب بموتوسيكل على كورنيش النيل وهرب.
وقتها أمه وأبوه قعدوا يترجّوها. قالولها كريم ما يستحملش السجن. ودينا كانت لسه عروسة. وإن نادية قوية وتستحمل. والمحامي أكد إن الحكم هيبقى خفيف لو اعترفت.
سمّوه “تضحية”.
سمّوه “عشان أخوكي”.
سمّوه “لمّة عيلة”.
ونادية… صدقتهم.
قالت وهي بتبص لكريم: — أنا دخلت السجن عشانك.
كريم بلع ريقه.
— وإنتِ وافقتي…
— وافقت عشان كنت بتعيط وبتبوس إيدي.
أمينة بدأت تعيط.
— عملنا اللي لازم نعمله عشان ما نخسركيش أخوكي.
ضحكت نادية ضحكة ناشفة.
— فخسرتوني أنا… وعادي يعني.
أبوها خبط بإيده على السفرة.
— احترمي أمك!
لفّت ناحيته بسرعة.
— احترام؟ زي لما كتبتوا الشقة باسم كريم وأنا في السجن؟
وش دينا اتغير للحظة… ثانية صغيرة، بس نادية أخدتها بالها.
— مين قالك؟ — سألت دينا بسرعة.
السؤال كان اعتراف كامل.
أمينة مدت الفلوس لنادية تاني، كأن الفلوس ممكن تشتري سكوتها. نادية أخدتهم… بصتلهم شوية… وبعدها حطتهم على السفرة بهدوء.
— أنا ماجتش أشحت.
وبعدين بصّت لبطن دينا.
— الطفل ده مالوش ذنب… يارب بس ما يطلعش متربي على الكذب زيكم.
دينا جزّت على سنانها.
— اخرجي بدل ما أنده الشرطة.
ابتسمت نادية بسخرية مريرة.
— ناديهم… أنا أكتر واحدة عارفة إحساس إن حد يتاخد بجريمة ماعملهاش.
كريم قرب خطوة.
— نادو… بالله عليكي…
رفعت إيدها توقفه.
— ماتقوليش اسمي كده… الاسم ده كان بيخص أخويا. إنت دلوقتي مجرد واحد سابني أتعفن سنتين عشان ياخد بيتي ويعيش حياته.
وقبل ما تمشي، بصّت حوالين البيت للمرة الأخيرة.
وقالت بصوت مكسور: — كنت فاكرة إني راجعة بيتي… بس شكلي رجعت للمكان اللي دفنتوا فيه عمري.
فتحت الباب الحديد الصدي. بره، الدنيا زحمة كالمعتاد… صوت البياعين. الميكروباصات. عيال المدارس بتجري. ريحة الفول والطعمية.
#الكاتب_رومانى_مكرم
كل حاجة زي ما هي…
إلا نادية.
وأول ما نزلت أول درجة في السلم، تليفونها رنّ برقم غريب.
ردت من غير تفكير.
صوت ست هادي قال: — أستاذة نادية؟ مع حضرتك “مي شاهين” من جمعية “فرصة تانية للعدالة”.
نادية سكتت.
والجملة اللي بعدها خلّت جسمها يتجمد مكانه:
— معانا فيديو يثبت إنك ماكنتيش سايقة العربية الليلة دي أصلاً…
## الجزء الثاني: زلزال الحقيقة
تسمرت نادية على أول درجة في السلم، وصوت “مي شاهين” لسه بيرن في ودنها زي جرس إنذار وصحّي ميت. الفيديو؟ بعد سنتين؟ منين؟ وكيف؟
— فيديو إيه يا ست أنتي؟ — سألت نادية بذهول، وصوتها بيترعش من صدمة الخبر.
جاءها الرد هادئاً وواثقاً:
— كاميرا مراقبة في محل موبايلات قديم على الكورنيش، المحل كان مقفول من وقت الحادثة بسبب قضايا ورثة، ولما الورثة فتحوه من أسبوع وفرغوا الهاردات عشان يبيعوها، شافوا الحادثة. الفيديو واضح جداً يا نادية.. اللي نزل من باب السواق “راجل”، وبملامح واضحة. إحنا وصلنا ليكي عن طريق ملف القضية، وعايزين نقابلك فوراً.
قفلت نادية السكة، وسندت ضهرها على الحيطة المقشرة في مدخل بيتهم. بصت لفوق، ناحية باب شقتهم اللي لسه مقفول في وشها. الوجع اللي كان في قلبها اتحول لبركان. هما باعوها برخيص، وهي كانت فاكرة إنها بتشتري “ستر” العيلة.
طلعت السلم تاني، بس المرة دي مكنتش “نادية” المكسورة اللي بتدور على سرير تنام عليه. كانت نادية اللي نارها قايدة.
خبطت على الباب خبطات رزيينة وقوية. فتح كريم بوشه المخطوف:
— نادية؟ رجعتي ليه تاني؟ قولتلك دينا تعبانة و..
زقته نادية بقوة ودخلت الصالة. الكل اتفزع. دينا قامت وقفت وهي بتبرطم:
— إيه قلة الأدب دي؟ إنتي فاكرة نفسك فين؟
نادية بصت لهم كلهم واحد واحد، وعينها استقرت على أبوها اللي لسه ماسك فاتورة النور المقلوبة.
— أنا مش جاية أسكن معاكم.. أنا جاية أقولكم إن الحساب مخلصش.
دينا ضحكت بسخرية:
— حساب إيه يا مدموزيل؟ إنتي ملكيش هنا سنتي واحد، الشقة بقت ملك كريم قانوناً، والورق في الدرج.
نادية قربت من كريم، اللي كان بيترعش زي القصبة، وهمست في ودنه بكلمات خلت لونه يقلب أزرق:
— المحل اللي خبطت قدامه الولد على الكورنيش.. فتح. وكاميرا المراقبة جابتك وأنت نازل من العربية وبتجري.. والجمعية الحقوقية اتصلت بيا ومعاها الفيديو.
الأوضة وقع فيها صمت مميت. أمينة شهقت ولطمت على صدرها، وسيد نزل الفاتورة من إيده وبص لكريم برعب.
كريم بدأ يتلعثم:
— فيديو؟ فيديو إيه؟ أنتي بتخرفي.. مكنش فيه كاميرات هناك!
نادية بابتسامة مرعبة:
— كنت سكران يا حبيبي ومخدتش بالك.. السنتين اللي ضاعوا من عمري، والشقة اللي لهفتوها، والكلور اللي اترش على إيدي.. كله هيدفع تمنه.
دينا، رغم رعبها، حاولت تسيطر على الموقف:
— متمثليش علينا! وحتى لو فيه فيديو، أنتي اعترفتي ووقعتي على محضر رسمي.. القانون مبيحمش المغفلين.
نادية بصت لبطن دينا وقالت:
— والقانون برضه مبيسكتش على “تضليل العدالة” وبلاغ كاذب لما تظهر أدلة جديدة.. أنا هرفع قضية “إعادة إجراءات”، والمرة دي يا كريم، مش هلبس قميص السجن مكانك.. إنت اللي هتروح هناك، وهتتحاكم بتهمة القتل الخطأ والهروب وتزوير الحقيقة.
كريم وقع على الكنبة ومنهار:
— يا نادية.. أبوس رجلك.. أنا عندي طفل جاي في السكة.. هيتحبس وأبوه في السجن؟
نادية بجمود:
— وأنا كان عندي “حياة” واتدفنت بالحيا عشانك.. فين كان قلبك وأنا بتفتش كل يوم في السجن؟ فين كان قلبك وأنا بنام على البرش وأنت نايم في أوضتي وعلى سريري؟
أمينة قربت من نادية وبتحاول تمسك إيدها:
— يا بنتي.. استهدي بالله.. إحنا أهل.. هنحلها ودي.. نكتبلك نص الشقة.. لا الشقة كلها!
نادية سحبت إيدها بقرف:
— الشقة دي ريحتها بقت خيانة.. أنا مش عايزة جدران.. أنا عايزة حقي اللي دستوا عليه.
فتحت نادية شنطتها القديمة، وطلعت منها الموبايل، وطلبت رقم الجمعية قدامهم.
— أيوه يا أستاذة مي.. أنا جاية لكم دلوقتي.. وجهزوا المحامي، أنا مش هتنازل عن حقي في التعويض وفي رد شرفي.. مهما كان الثمن.
نزلت نادية السلم، والمرة دي كانت خطواتها بتهز العمارة. وراها، كان صوت صراخ دينا وهي بتشتم كريم، وعياط أمينة، وزعيق أبوها.. البيت اللي كان “لمة عيلة” بدأ يتهد فوق دماغهم.
خرجت للشارع، شمت هوا شبرا لأول مرة وكأنها لسه مولودة. ركبت ميكروباص، وسندت راسها على الشباك.
في نص الطريق، جالها رسالة على الموبايل من رقم كريم: “نادية.. أنا هربت.. متدوريش عليا.. دينا طلبت الطلاق وخدت الذهب وهربت عند أهلها لما عرفت إن الفيديو حقيقي.”
نادية قفلت الموبايل وابتسمت بمرارة.. اللمة الكدابة اتفضت من أول هزة ريح.. والحكاية لسه بتبدأ.
## الجزء الثالث والأخير: الحساب الختامي
نزلت نادية من الميكروباص قدام مقر الجمعية في وسط البلد، بس رجليها ماطاوعتهاش تدخل فوراً. وقفت قدام واجهة محل قزاز، بصت لوشها.. الهالات السودا، الخيوط الرفيعة اللي رسمها القهر تحت عينيها، وقصة شعرها الخشنة اللي قصتها في السجن.
“اللي انكسر جوايا يا دينا، مكنش قلبي.. كان خوفي.” همست لنفسها وهي بتعدل طرحتها ودخلت.
داخل المكتب، شافت “مي شاهين”. كانت ست في الأربعينات، عينيها فيها نظرة فاهمة لكل أنواع الظلم. فتحت اللاب توب وشغلت الفيديو.
نادية شافت كريم وهو نازل من العربية، بيترنح، بيبص وراه برعب، وبيضبط قميصه اللي كان غرقان دم من خبطة الولد، وبعدها جري واختفى في الشوارع الجانبية.
نادية غمضت عينيها، دموعها نزلت لأول مرة من ساعة ما خرجت. السنتين اللي ضاعوا مروا قدامها في ثواني.
— إحنا قدمنا التماس لإعادة المحاكمة بناءً على ظهور أدلة مادية جديدة — قالت مي بهدوء — والمحامي العام أمر بفتح التحقيق فوراً. بس لازم تعرفي يا نادية، إن بلاغك ده معناه إن أخوكي هيتحاكم، وأهلك ممكن يتهموا بتضليل العدالة.
نادية مسحت دموعها بقوة:
— هما اللي اختاروا يا أستاذة مي.. هما اللي طردوني بالكلور، وأنا كنت راجعة وبقايا دمي في عروقهم.
مر شهرين.. انقلبت فيهم الدنيا في شبرا.
كريم مالحقش يهرب بعيد. اتمسك في شقة مفروشة في الإسكندرية وهو بيحاول يبيع تليفونه عشان ياكل. دينا، زي ما نادية توقعت، كانت أول واحدة تنط من المركب اللي بتغرق. رفعت دعوى خلع، وخدت كل حاجة في الشقة، حتى الحفاضات وعربية البيبي اللي كانت مركونة في أوضة نادية، ورجعت بيت أهلها وهي بتلعن اليوم اللي عرفت فيه عيلة “عبد العال”.
يوم الجلسة، كانت نادية واقفة في الممر. شافت أبوها وأمها.. كانوا باين عليهم الكبر عشر سنين في شهرين. أمينة كانت ماشية بسبحة في إيدها، وأول ما شافت نادية، جريت عليها:
— ابوس إيدك يا بنتي.. تنازلي.. أخوكي هيضيع.. دينا خلعته والبيت اتخرب!
نادية بصت لها ببرود غريب:
— البيت اتخرب لما وافقتوا إن بنتكم تترمي في السجن عشان تداروا على خيبة ابنكم.. البيت اتخرب لما رشتوا على إيدي كلور وكأني وباء.
سيد أبوها حاول يتدخل بصوت واطي ومكسور:
— يرضيكي يا نادية الفضيحة؟ الناس في شبرا مابطلتش كلام.. بيقولوا نادية حبست أخوها.
نادية ضحكت بوجع:
— لا يا بابا.. الناس بتقول نادية “خدت حقها”. والناس دي اللي كانت بتاكل من إيدي ساندوتشات الصبح، هما أول ناس هيعرفوا الحقيقة.
دخلت القاعة. كريم كان في القفص، شعره منكوش، وعيونه مكسورة. أول ما عينيه جت في عين نادية، نزل راسه في الأرض. مكنش فيه “تضحية” المرة دي، كان فيه “عدل”.
القاضي نطق بالحكم: “براءة نادية عبد العال من التهمة المنسوبة إليها، وتحويل أوراق القضية للنيابة العامة لمحاكمة المتهم كريم سيد عبد العال بتهمة القتل الخطأ وتضليل جهات التحقيق.”
نادية خرجت من المحكمة، الشمس كانت حامية بس مريحة.
بصت لأهلها اللي كانوا واقفين بعيد بيعيطوا، ومسكت شنطتها البلاستيك اللي لسه فيها “ملفها القديم”.
— هتروحي فين يا نادية؟ — سألتها مي وهي بتطمن عليها.
نادية بصت لبعيد، ناحية محطة مترو الشهداء، المكان اللي بدأت فيه قصتها وكافحت فيه سنين.
— هروح أبدأ من جديد.. بس المرة دي لنفسي بس.
رجعت شبرا، بس مادخلتش بيتهم. أجرت أوضة صغيرة فوق سطح في شارع جانبي. باعت الـ 3000 جنيه اللي كانت أمها مدياهم لها (اللي كانت نادية شايلاهم في جيبها ورفضت تصرفهم)، وبدأت بيهم مشروع صغير.. عربية ساندوتشات جديدة، بس المرة دي مكتوب عليها بخط كبير وواضح: “نادية – فجر جديد”.
في ليلة، وهي قاعدة فوق السطح بتشرب شاي، بصت للسما. عرفت إن “لمة العيلة” مش دايماً أمان، وإن الستر مش إنك تخبي جريمة، الستر هو إنك تعيش بوش مكشوف قدام المراية.
نادية نامت لأول مرة من سنين وهي مش خايفة من بكرة.. لأن اللي كان بيخوفها، هي اللي حبسته بإيدها ورا ضهرها.
**تمت.**