حكايات امانى السيد 2

**الجزء الرابع:**

الشارع اتقلب في ثواني، صراخي أنا وميادة جاب الناس من آخر الدنيا، والكل بقى يجري حوالين عربية عمار اللي سابوها دايرة في وسط الطريق. ميادة وقعت في الأرض من الصدمة وبقت تصرخ بهيستيريا: “عمار خطفوه! عمار ضاع مني يا ماما!”

الناس لمتنا ورجعنا الشقة وإحنا مش قادريين نقف على رجلينا. جوزي لما عرف باللي حصل، نزل جري على قسم الشرطة عشان يبلغ، وبالرغم من غضبه مننا، إلا إن الموضوع بقى يمس شرف العيلة والبيت. وطبعاً الخبر وصل لنوال وسلفتي وأحلام في نفس اللحظة، ولما طلعت نوال عندنا الشقة، مكانش على وشها علامات حزن، بل كانت بتبصلي بنظرة شماتة واضحة وقالت بصوت مسموع: “مش قولتلك يا سلفتي؟ اللي يتبني على خراب مبيعمرش، ودي أول عتبة في دعواتي أنا وبنتي عليكي”.

تاني يوم الصبح، جافا اتصال على تليفون ميادة من رقم غريب، فتحت بسرعة وهي بتعيط وسامعة صوت عمار وهو مخنوق وبيتكلم بالعافية: “ميادة.. ألحقيني.. هما عايزين…” وفجأة الخط قطع والصوت اختفى، بس قبل ما يقفل، سمعنا صوت وراه بيقول بلهجة حادة: “قول لأبوها يدفع اللي عليه عشان تخرج عايش”.

هنا اللغز بدأ يظهر؛ جوزي لما سمع الجملة دي بدأ يتحرى عن عمار وعن شغله، واكتشف الصدمة اللي مكانتش على البال.. عمار المحاسب صاحب العربية الفخمة، مكنش غني من ورث ولا من شطارة في شغله، عمار كان شغال مع ناس في تجارة مشبوهة، وكان مديون ليهم بمبلغ ضخم جداً، والعربية اللي كان مبهرنا بيها كانت بفلوسهم، وهما خطفوه عشان يضغطوا على أهله وعلينا ندفع الفدية اللي هي في الأصل حقهّم.

والدة عمار جت عندنا الشقة وهي بتلطم وبتصرخ وتقول لجوزي: “أبوس إيدك يا حاج، أنتوا ناس كبار وعندكم أرض، ساعدنا ندفع الفلوس عشان يرجعوا ابني، عمار ملهوش ذنب، هما اللي طمعوا فيه”.

جوزي بصلي وبص لميادة وقال بكسرة وحزم: “أنا ماليش دعوة بالاشكال دي، أنا قولت من الأول العريس ده وراه سر، وأنتوا اللي جريتوا ورا المظاهر وعميتوا عيونكم عن الحقيقة”.

ميادة دخلت في حالة انهيار كامل، مبقتش عارفة تعمل إيه، عريس أحلام اللقطة طلع كابوس ووراه مصيبة ممكن توديهم كلهم في داهية. وفي وسط الدوشة دي كلها، تليفون ميادة رن تاني، بس المرة دي مكنش عمار، كان رقم برايفت، ولما ردت سمعت صوت شخص بيقولها ببرود: “لو خطيبك حبيبك يهمك، اجهزي عشان تقابلينا بكرة، وأنتي اللي هتيجي لوحدك ومعاكي الفلوس، وإلا هتشوفيه في حتت.. وعنوان المقابلة هتوصلك رسالة بيه”.. وووووو

**الجزء الخامس (قبل الأخير):**

ميادة قفلت السكة وجسمها كله بيتفض من الرعب، والرسالة وصلت على تليفونها فيها مكان المقابلة: بيت مهجور على أطراف طريق زراعي مقطوع. بكت وجريت عليا وبقت تبوس إيدي ورجلي: “الحقيني يا ماما، هيموتوه وأنا السبب، أنا اللي جريت وراء العربية والمنظرة لحد ما وقعت في البير ده!”

جوزي لما عرف بالرسالة، حسم أمره وقال: “لحد هنا واللعب ينتهي، أنا مش هرمي بنتي للمجرمين، ومش هبيع أرضي عشان واحد نصاب ضحك علينا.. أنا هبلغ المباحث فوراً وهما يتصرفوا”. وفعلاً، جوزي راح اتواصل مع رئيس المباحث، واللي طلب مننا نمشي مع العصابة خطوة بخطوة ونوهمهم إننا موافقين على الشروط عشان يحددوا مكانهم بالظبط، وعملوا خطة كمين محكمة.

يوم المقابلة، الشرطة حطت أجهزة تتبع في الشنطة اللي المفروض فيها الفلوس، وميادة نزلت وهي مرعوبة والبوليس مراقبها من بعيد بعربيات ميكروباص مموهة. وصلت المكان المهجور، ودخلت وهي بتترعش، لقت اتنين شباب ملثمين، وعمار مربوط في كرسي في الزاوية، ووشه كله دم ومتبهدل من الضرب.

أول ما شافها، عمار صرخ بصوت مكتوم: “ميادة لاء! هربيها دول مش هيرحموا حد!”

واحد من الملثمين شد الشنطة من إيد ميادة وفتحها، وبمجرد ما لقى الفلوس، ضحك وقال: “والله وطلعتي غالية وتمنك جه يا سي عمار”.. وفجأة، وقبل ما يتحركوا من مكانهم، الباب اتكسر وقوات الشرطة هجمت على المكان كالإعصار.

دارت خناقة وضرب نار في الهوا، وميادة رمت نفسها في الأرض وهي بتصرخ، وفي ثواني كان المقبوض عليهم كلهم في الأرض والكلابشات في إيديهم، بما فيهم عمار نفسه!

الضابط بص لميادة وقالها: “خطيبك مش ضحية يا آنسة، خطيبك شريك معاهم في النصب، والخطيفة دي كانت ملعوبة عشان يبتزكم وياخد فلوس من حماها بعد ما عرف إن والدك عنده أرض ومبسوط!”

الصدمة نزلت على ميادة زي الصاعقة، عمار اللي حاربت الدنيا وخسرت بنت عمها ونزلت رأس أبوها بسببه، كان بيستغلها ومخطط لسرقتهم! رجعنا البيت والكسرة والخزي مالين وشنا، وجوزي وبخنا ورفض يتكلم معانا تماماً.

نوال سلفتي لما عرفت باللي حصل، و إن عمار طلع مسجل ونصاب واتقبض عليه، دخلت شقتنا وهي شامتة على الآخر، وبصت لميادة اللي كانت بتعيط بحرقة وقالتلها: “بقى لفيتي ودرتي وعملتي محرم وخطفتيه، وفي الآخر طلع نصاب وهيتسجن؟ ربنا جاب حق بنتي أحلام في الدنيا قبل الآخرة يا سلفتي”.

وبعد أسبوعين من الفضيحة وسط المنطقة، وإحنا قافلين بابنا علينا من كلام الناس، الباب خبط.. ولما جوزي فتح، لقى عريس تاني خالص واقف على الباب، ومعاه أعمام جوزي الكبار، وجايين يطلبوا طلب غريب ومفاجئ قلب الموازين كلها في البيت.. وووووو

**الجزء السادس والأخير:**

جوزي وقف مذهول وهو شايف أعمامه الكبار، ووراهم راجل وقور باين عليه الهيبة والالتزام. دخلوا الصالة وجوزي رحب بيهم وهو مش فاهم في إيه، ونوال سلفتي لما سمعت الحركة طلعت هي وأحلام عشان يشوفوا الصدمة الجديدة اللي هتنزل على بيتنا.

عم جوزي الكبير بدأ الكلام وقال: “يا حاج، إحنا جايبين معاهم الأستاذ مصطفى، مهندس محترم وصاحب شركات مقاولات، وابن ناس وعيلة.. الأستاذ مصطفى كان جاي في الأصل يطلب إيد بنتكم ميادة بعد ما سمع عن أدبها، بس لما عرفنا الحكاية من أولها لآخرها، وعرفنا الغدر اللي حصل لأحلام، إحنا ككبار العيلة قولنا الأصول أصول، ومصطفى يخطب أحلام؛ لأنها البنت اللي اتظلمت، والبيت اللي اتهد لازم يتبني صح”.

أحلام عيونها لمعت بالدموع والفرحة، ونوال سلفتي زغرطت زغروطة هزت البيت كله وبصتلي وكأن ربنا جبر بخاطرها في نفس اللحظة ونفس المكان اللي اتكسرت فيه. مصطفى بص لأحلام بارتياح وقال: “أنا شاري البنت الأصول اللي تصون بيتي، والحمد لله إن ربنا نجانا من المظاهر الكدابة”.

أما أنا وميادة بنتي، فكنا قاعدين ورا الستارة، دموعنا نازلة من الخزي والندم. ميادة حست إن الدنيا لفت بيها، وخسرت كل حاجة: خسرت عمار اللي طلع نصاب، وخسرت احترام أبوها، وخسرت منظرها قدام الناس اللي بقوا يتكلموا عليها وعلى خطافين الرجالة، وفي الآخر أحلام جاها العريس المتربي والمبسوط بجد لحد عندها من غير ما تجري وراه ولا تخطفه.

جوزي وافق على طول، وتمت خطوبة أحلام ومصطفى في قاعة أكبر وأفخم من اللي كنا بنحلم بيها، وميادة بقت قاعدة في أوضتها قافلة على نفسها الباب، مكسورة، وكل ما تبص في المراية تفتكر ذنب بنت عمها وتعرف إن ربنا عادل.

### الحكمة من القصة:

> **”من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”**.. إن الجري وراء المظاهر والفلوس والعربيات على حساب خراب بيوت الآخرين والغدر بالأقربين، نهايته دايماً بتكون خسران وفضيحة. الحب والرزق مبيجوش بالخطف ولا بالألاعيب، واللي يتبني على باطل فهو باطل. دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، والرضا بالقسمة والنصيب هو الأمان الحقيقي، لأن ربنا دايماً بيعوض الصابرين بـ أحسن مما اتأخد منهم، وبيجازي كل واحد على قد نيته.

>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *