حكايات اسما السيد 3
نزلت كلمات أمي عليّ كطوق نجاة أُلقي لغريق، وفي نفس الوقت كجمرة نار أشعلت خوفي. لم أتردد لحظة؛ أدارت محرك السيارة وانطلقت بأقصى سرعة نحو محطة مصر وسط زحام القاهرة الذي لم أعد أشعر به، كان كل ما يشغل بالي هو صورتها وهي قادمة من الصعيد لأجلي.. أو ربما لأجل ياسمين.
عندما وصلت، وجدتها تقف بجلبابها الصعيدي الأسود البسيط وفوق رأسها شالها الأبيض، تمسك بحقيبة قماشية صغيرة وبدت عليها علامات تعب السفر ومشقة الطريق. ركضت نحوها وقبلت يدها ورأسها، وقلت بنبرة مليئة بالندم:
— “تعبتي نفسك ليه يا أمي وجيتي المشوار ده كله لوحدك؟ كان ممكن تقوليلي وأنا أجيلك البلد.”
نظرت إليّ بعينين حزينتين وضغطت على يدي بقوة وقالت:
— “تعب السفر أهون عليا من تعب قلبي يا أدهم.. إنت عملت إيه في البنت؟ ياسمين كلمتني من يومين وهي بتبكي، مش عشان أبوها بس، عشان قلبها اللي إنت كسرته وصغرتني وصغرت نفسك قدامها.. خذني ليها يا ابني، خذني لأبوها.”
ركبت أمي بجواري، وطوال الطريق إلى المستشفى كانت تسبّح بصوت منخفض، ولم تنطق بكلمة واحدة معي، وكأن صمتها كان عقابًا أشد من أي عتاب.
وصلنا إلى المستشفى، ودخلت الحاجة زينب بهيبتها الطيبة وطيبتها المتأصلة. عندما رأتها ياسمين تقف في الممر، اتسعت عيناها بذهول، ونسيت كل حزنها وركضت نحوها ترتمي في أحضانها وتبكي بحرقة، قائلة:
— “ماما زينب! إيه اللي جابك من السفر وإنتي تعبانة؟ ليه شقيتي نفسك يا حبيبتي؟”
ربتت أمي على ظهرها بحنان وقبلت رأسها وهي تقول:
— “شقاي يرخص عشانك يا بنتي.. أنا جيت أطمن على أخويا وأشوف الراجل الطيب اللي ربى الجوهرة دي، وجيت أقولك كلمتين واصل مش هيردني فيهم غير طيبة قلبك.”
دخلت أمي إلى غرفة والد ياسمين، الذي كان قد نُقل إلى غرفة عادية وبدأ يستعيد عافيته. جلست بجواره وتحدثت معه وكأنهما أشقاء منذ زمن طويل، ودعت له بالشفاء والصحة. أما أنا، فكنت أقف عند باب الغرفة، مطأطأ الرأس، لا أجرؤ على الدخول أو النظر في عين أي منهما.
بعد دقائق، التفتت أمي إلى ياسمين ولوالدها وقالت بصوت واضح ومليء بالوقار الصعيدي:
— “يا حاج أحمد.. أنا جيت لحد هنا عشان أعتذر لك ولبتك بالنيابة عن ولدي. أدهم غلط، وغلطه كبير في حقي قبل حقكم.. هو افتكر إن علام المدارس والمناصب في البندر بتعمل رجال، ونسي إن الأصول هي اللي بتمشي الناس. أنا اللي ربطت ظهري وشقيت في الطين عشان يطلع راجل، ومكنتش أعرف إن عقله هيصغر ويسمع لكلام ناس خاوية ويختبر بنت الأصول.. أنا جاية أقولك يا بنتي: حقك عليا أنا، واقطعي رقبتي بس متقطعيش حبل الود بسببه.”
كانت كلمات أمي تهز جدران الغرفة، ودموع ياسمين تنهمر بصمت وهي تنظر إليّ ثم تنظر إلى أمي. التفت والد ياسمين إليّ، ونظر إليّ بنظرة هادئة لكنها تحمل حكمة السنين، وقال بصوت ضعيف متعَب:
— “يا حاجة زينب.. إنتي على راسنا من فوق، واليمن والبركة في قدمك. أدهم غلط لما افتكر إن المعدن الطيب بيحتاج اختبار.. بس إحنا ولاد أصول، وما بنردش الكبار.. القرار في الأول والآخر لـ ياسمين.”
اتجهت الأنظار كلها نحو ياسمين. نظرت ياسمين إلى أمي، ثم التفتت نحوي، ورأيت في عينيها صراعًا مريرًا بين كبريائها المجروح وحبها الكبير الذي لم يمت تماماً. خطت خطوات نحو الباب حيث أقف، ووقفت أمامي مباشرة، وأخرجت من حقيبتها مظروفاً مغلقاً وضَعته في يدي..
نظرتُ إلى المظروف في يدي، ثم نظرتُ إليها بقلب يرتجف. كانت ملامحها هادئة بشكل مخيف، وهدوء ياسمين دائمًا ما كان يعني أنها اتخذت قرارًا حاسمًا لا رجعة فيه.
فتحتُ المظروف بطلب من نظراتها، لتسقط منه مجموعة من الأوراق والوصولات البنكية، بالإضافة إلى علبة مخملية صغيرة أعرفها جيدًا.. علبة “الشبكة” الذهب التي اشتريتها لها قبل أسابيع.
غصّ حلقي بالكلام، وقبل أن أنطق، سبقتني هي بصوتها الرزين الذي يحمل نبرة حزن عميق:
— “ده جزء من الفلوس اللي دفعتها في المستشفى، سحبت كل اللي في دفتري، والباقي مَكتوب بيه وصل أمانة في المظروف، هسددهولك على أقساط شهرية مش هلتزم بأي مليم غيرهم. أما العلبة دي.. فدي أمانتك اللي ملهاش مكان عندي بعد النهارده.”
شعرتُ وكأن الأرض تميد بي، وتدخلت أمي فورًا والدموع في عينيها:
— “ليه كده يا بنتي؟ ده أنا جيت وشقيت السفر علشان خاطرك.. متصغريش راسي قدام ولدي يا ياسمين.”
التفتت ياسمين إلى أمي، وانحنت تقبل يدها باحترام شديد وقالت:
— “يا ماما زينب، إنتي مقامك فوق راسي، والخطوة اللي مشيتيها علشاني دي دين في رقبتي ليوم الدين. أنا مش برفضك إنتي.. أنا البيت اللي إنتي عايشة فيه لمس قلبي، وأتمنى في يوم من الأيام أكون بربع طيبتك ونقائك. بس الجواز أمان وثقة.. وأدهم مأمنيش. أدهم شافني متهمة في قفص، وكان مستني اللحظة اللي أغلط فيها علشان يثبت لنفسه ولأصحابه إنه صح. أنا مقدرش أعيش مع راجل كل خطوة بتمشيها معاه محتاجة إثبات ومراقبة.”
أشفقتُ على نفسي من نظرات اللوم التي حاصرتني من أمي ومن والدها، فجمعتُ شتات نفسي، وتقدمتُ نحوها، ولأول مرة في حياتي، أترك كبريائي وعنجهيتي تمامًا، وقلت والدموع تطفر من عيني:
— “ياسمين.. أنا مش بدافع عن غبائي، ولا بطلب منك تسامحيني فورًا. أنا مستعد أستنى العمر كله.. مستعد أثبتلك كل يوم إن أدهم اللي واقف قدامك النهارده اتعلم الدرس الأكبر في حياته. الاختبار مكانش ليكي.. الاختبار كان لقلبي وعقلي المريض، وأنا بعترف قدام أبوكي وأمي إنك كشفتي لي حقيقة نفسي. متضيعيش تلات سنين حب علشان لحظة غباء مني.”
صمتت ياسمين طويلًا، ونظرت إلى والدها الذي أومأ لها برأسه وكأنه يترك لها كامل الحرية. تنهدت بعمق، ومسحت دمعة حائرة على وجنتها، ثم نظرت إليّ وقالت:
— “الفرح اللي محجوز الأسبوع الجاي.. هيتلغي يا أدهم. الدعوات اللي راحت للناس، هنعتذر لهم ونقول كل شيء قسمة ونصيب.”
توقف قلبي عن النبض، لكنها تابعت بصوت يحمل بريقًا ضئيلًا من الأمل:
— “أنا مش هقولك إني نسيت حبك في يومين.. الحب مبيتمحيش بالسهولة دي. بس الأمان اتهد، واللي اتهد لازم يتبني من الأول، وعلى نظافة.. من غير تمثيل ومن غير أقنعة. لو عايزني بجد.. هترجع تطلبني من أبويا من جديد، وتبدأ معايا كأننا بنتعرف لأول مرة. ومن غير شبكة، ومن غير مظاهر.. وأول شرط ليا.. إننا نقضي أول شهر من جوازنا – لو حصل – في بيت ماما زينب في الصعيد، وسط الطين والستر والبركة اللي إنت كنت خايف منهم.”
اتسعت عيناي، ولم أدرِ أأبكي من الفرحة أم من الهيبة. نظرتُ إلى أمي التي انفرجت أساريرها وعلت وجهها ابتسامة دافئة، ونظرتُ إلى والدها الذي تنفس الصعداء.
أمسكتُ المظروف، ومزقته أمامها تمامًا، ثم أخذتُ علبة الشبكة ووضعتها في يد أمي وقلت:
— “العلبة دي هتفضل مع الحاجة زينب.. والشرط اللي قولتيه، هو الشرف اللي هعيش علشانه من النهارده يا ياسمين.”
خرجنا من غرفة المستشفى، وكانت أجواء القاهرة الخانقة قد تبدلت في عيني إلى هواء نقي. شعرت أنني وُلدت من جديد، وأن تلك الرحلة إلى الصعيد، رغم مرارة بدايتها، كانت القشة التي أنقذت روحي من الغرق في زيف المظاهر.
مرت الأسابيع، وبدأتُ أتردد على منزل والدها برسمية تامة وبأدب جم، أحاول ترميم ما كسرته، وكانت أمي تتابعني يوميًا بالهاتف وتوصيني بصون الأمانة. وفي أحد الأيام، وبينما كنا نرتب لجلسة عائلية لإعادة قراءة الفاتحة وتحديد موعد جديد وبسيط للزواج، تلقيتُ اتصالًا مفاجئًا من رقم غريب.. لكن هذه المرة، لم يكن المتصل مستشفى، بل كان صوتًا مألوفًا من الماضي، نبرته تحمل تهديدًا مباشرًا قد يقلب كل شيء رأسًا على عقب..
