لمدة 12 سنة حكايات رومانى مكرم 2

خرجت أماني من باب المستشفى، واستنشقت هواء الليل البارد بعمق، وكأنها كانت محبوسة في زجاجة مفرغة من الأكسجين لمدة 12 سنة. ركبت سيارتها، لكنها لم تتحرك. فتحت الملف الأسود الذي كان بيدها، وأخرجت تلك الورقة الأخيرة التي لم تظهرها لرامي في الغرفة.

كانت الورقة عبارة عن تقرير معملي قديم، يعود تاريخه إلى خمس سنوات مضت. تقرير يثبت أن رامي، بسبب مضاعفات صحية معينة أصيب بها قديماً ولم يعالجها، أصبح “عقيماً” تماماً.

ابتسمت أماني بمرارة وهي تنظر للتقرير، ثم نظرت لصورة نورا وابنها التي التقطتها عدسات مكتب التحريات الذي استأجرته أماني سراً قبل سنوات. همست لنفسها:

— «يا ريتك كنت لسه بتقدر تتنفس يا رامي.. عشان كنت هقولك إن الولد اللي كنت مستعد تضيع حق ولادي علشانه.. مش ابنك أصلاً.»

في هذه الأثناء، داخل غرفة العناية المركزة، كانت الفوضى عارمة. رامي استعاد وعيه للحظات أخيرة تحت ضغط أجهزة الإنعاش. كانت نورا تصرخ في وجه الأطباء وتطالب بحقها، بينما كان رامي ينظر للسقف بعينين تائهتين. كان يريد أن يسأل عن “يحيى”، يريد أن يطمئن أن ابنه سيؤمن مستقبله، لكن صوت أماني كان يتردد في أذنه كالفحيح: *”كل حاجة اتنقلت لولادي أنا”.*

بمجرد أن استقرت حالة رامي قليلاً، دخل المحامي الخاص به، “الأستاذ سيف”، الذي استدعته نورا على عجل. سيف كان صديقاً قديماً لرامي، وكان يعرف ببعض نزواته، لكنه لم يتخيل قط جحيم أماني الهادئ.

انحنى سيف فوق رامي وهمس:

— «رامي.. الورق اللي أماني خلّتك توقعه قانوني 100%. إنت حرفياً معندكش مليم باسمك دلوقتي. حتى البيت اللي نورا قاعدة فيه.. أماني رفعت عليه قضية طرد النهاردة الصبح بصفتها المالك الجديد.»

رامي حاول رفع قناع الأكسجين، صوته خرج محشرجاً ومقطعاً:

— «الولد.. يحيى.. سيف.. تصرف..»

سيف نظر بنظرة غريبة لرامي، ثم أخرج من حقيبته ظرفاً مغلقاً أرسلته أماني لمكتبه قبل ساعة واحدة فقط.

— «رامي.. قبل ما نفكر في يحيى.. لازم تشوف التقرير ده. أماني بعتتهولي وقالتلي أوريهولك في “الوقت المناسب”.»

فتح سيف التقرير أمام عيني رامي المجهدتين. كانت الحروف تتراقص أمام عينيه، لكنه قرأ الكلمة بوضوح: **”عقم كلي”**.

في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروق رامي تماماً. نظر إلى نورا التي كانت تقف عند طرف السرير، ملامحها بدأت تتغير من القلق إلى الرعب وهي تراه يحدق فيها بنظرة لم ترها من قبل. نظرة اكتشاف الخديعة الكبرى. لقد عاش 6 سنوات يظن أنه يؤمن مستقبل ابنه من “حب حياته”، ليكتشف أنه كان مجرد “بنك” لامرأة أخرى خانته كما خان هو زوجته.

شعر رامي بقلبه ينقبض بقوة لم يسبق لها مثيل. كانت هذه هي العقوبة الحقيقية التي خططت لها أماني: أن يموت وهو يدرك أنه خسر كل شيء.. ماله، كرامته، وأبناءه الحقيقيين، وحتى “ابنه” الزائف.

بينما كان رامي يصارع سكرات الموت الأخيرة وهو ينظر لنورا باحتقار، كانت أماني تجلس في غرفتها بالمنزل، تنظر إلى طفليها وهما نائمان بسلام. مسحت دمعة وحيدة فرت من عينها، وقالت بصوت خافت:

— «دلوقتي بس.. نقدر نبدأ نعيش.»

لكن فجأة، رن هاتف أماني. لم يكن المشفى، بل كان رقمًا دوليًا غريبًا. ردت بهدوء، ليأتيا صوت رجل يعرفه رامي جيداً، صوت كان غائباً منذ سنوات طويلة:

— «مبروك يا أماني.. الخطة كملت. بس افتكري.. النص التاني من الاتفاق لسه مخلصش.»

شحب وجه أماني، وقبضت على الهاتف بقوة.. الحكاية لم تكن مجرد انتقام زوجة، بل كانت هناك خيوط أعمق لم تظهر بعد.

 

تصلبت أماني في مكانها، والصوت القادم عبر الهاتف أعاد إليها ذكريات ظنت أنها دفنتها مع أول يوم قررت فيه الصمت. كان صوت “ياسين”، الشريك السابق لرامي الذي اختفى منذ سنوات بعد فضيحة مالية كبرى أُلقيت مسؤوليتها عليه وحده، ليقضي رامي على مستقبله تمامًا ويخرجه من السوق.

قال ياسين بنبرة هادئة وساخرة:

— «أماني.. متفتكريش إن الملفات اللي سلمتها لك كانت “هدية” مني. أنا ساعدتك تهدّي إمبراطورية رامي عشان آخد حقي، ودلوقتي جه وقت سداد الدين. نصيب رامي في أراضي الساحل اللي اتنقلت باسمك النهاردة.. التنازل عنها لازم يوصلني بكرة الصبح، وإلا..»

أماني ببرود استعادته بسرعة:

— «وإلا إيه يا ياسين؟ رامي بيموت، والورق كله قانوني، وإنت “ميت” إكلينيكيًا في السوق، لو ظهرت هتتحبس.»

ضحك ياسين ضحكة مكتومة:

— «لو ظهرت هتحبس فعلاً.. بس لو بعتّ التسجيلات اللي عندي للنيابة، “الزوجة المثالية” هتروح معايا. تفتكري رامي كتب التوكيل ده وهو في وعيه؟ ولا إنتي اللي كنتي بتحطي “مواد” في الأكل بتخليه يغيب عن الوعي ويمضي على أي حاجة؟ أنا عندي شهادة الممرضة اللي ساعدتك يا دكتورة أماني.»

ساد الصمت لثوانٍ، أماني كانت تعرف أن ياسين ثعلب، لكنها لم تتخيل أنه كان يراقبها بكل هذا القرب. وضعت الهاتف بعيداً عن أذنها لثانية، نظرت إلى طفليها، ثم عادت للمكالمة:

— «بكرة الصبح، الورق هيكون عندك.. بس بشرط واحد. التسجيلات والممرضة يختفوا تماماً.»

في تلك الأثناء، في المستشفى، كان رامي يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكنه لم يمت بعد. كان في حالة غريبة بين الوعي واللاوعي. سمع صراخ نورا وهي تُطرد من الغرفة بواسطة الأمن بناءً على تعليمات أماني السابقة. رأى المحامي سيف وهو يلملم أوراقه ويرحل بأسف.

لكن فجأة، دخلت الغرفة الممرضة التي كانت تراقب حالة رامي، “هبة”. اقتربت من سريره، وبدلاً من فحص الأجهزة، انحنت وهمست في أذنه:

— «إنت فاكر إن أماني هي اللي دمرتك؟ أماني كانت مجرد أداة. ياسين لسه عايش يا رامي، وهو اللي بعتني هنا عشان أتأكد إنك هتشوف الحقيقة وتتعذب بيها قبل ما تمشي.»

فتحت هبة حقيبتها وأخرجت حقنة صغيرة، وأفرغتها في المحلول ببطء:

— «الحقنة دي مش عشان تريحك.. دي عشان تخليك واعي لكل دقيقة من الألم اللي جاي. أماني وياسين فاكرين إنهم كسبوا، بس هما ميعرفوش إن أنا عندي نسخة تانية من كل حاجة.»

ارتجف جسد رامي بقوة، وعيناه جحظتا وهو ينظر للممرضة. كانت اللعبة تتسع، وأماني التي ظنت أنها أحكمت قبضتها على كل شيء، لم تكن تعلم أنها مجرد قطعة شطرنج في خطة أكبر، خطة بدأت منذ 12 عاماً، في نفس الليلة التي رأت فيها التوهج الأزرق من لاب توب زوجها.

بينما كانت أماني تجهز أوراق التنازل لياسين، اكتشفت شيئاً مرعباً في خزنة رامي السرية التي فتحتها أخيراً. لم تكن هناك أموال أو عقود، بل كانت هناك صور لها هي.. صور في مواقف مختلفة، مع رسائل تهديد قديمة لم تصلها أبداً، كانت موجهة من ياسين لرامي.

أدركت أماني في تلك اللحظة أن رامي لم يكن يخونها فقط من أجل المتعة.. كان هناك سر آخر يربط الثلاثة ببعضهم، سر جعل رامي يقبل بالخيانة والتمثيل كل هذه السنوات ليحمي شيئاً ما.. أو ليخفي ج*ريمة أكبر.

فتحت أماني الورقة المطوية داخل الخزنة، وقرأت السطر الوحيد المكتوب بخط رامي المرتعش:

“أماني.. لو بتقرأي ده، يبقى أنا مت، وياسين رجع. متصدقيش أي حاجة قالها لك.. أنا مكنتش بخونك مع نورا، أنا كنت بخبيكي عنها.”

انقبض قلب أماني.. هل كانت الـ 12 سنة كلها مبنية على سوء فهم؟ أم أن هذه كانت كذبة رامي الأخيرة؟

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *