حكايات صابرين

بعد وفاة مراتي أخدت بنتي وروحنا فرح أعز صحابي وأنا فاكر إنها مجرد ليلة وهتعدي. لكن في اللحظة اللي العريس شال فيها الطرحة عن وش العروسة، حسيت الأرض بتسحبني لتحت. بنتي شدت إيدي وهمست بابا إنت بتعيط ليه؟ والعروسة رفعت عينيها وبصتلي وفي الثانية دي، كل حاجة اتقلبت
كانت الدعوة من أحمد.
أعز صحابي.
الراجل اللي كان معايا ليلة ما اتعرفت على خديجة لأول مرة.
هو نفسه اللي وقف جنبي لما أهلها قالولي إنها ماتت، ومنعوني حتى أعرف مكان قبرها أو أقرأ لها الفاتحة.
وهو نفسه اللي فضل واقف معايا طول الخمس سنين اللي فاتوا، يساعدني في تربية ليلى، كل ما أتأخر في الشغل أو أسافر علشان أخلص مشروع جديد.
أحمد ماكانش مجرد صاحب…
كان آخر إنسان في الدنيا بثق فيه من غير ما أسأل.
بطاقة الفرح كانت شيك جدًا، مكتوبة بخط ذهبي، والفرح في منتجع فخم على البحر.
وفي نفس اليوم اتصل بيا.
قال وهو بيضحك بتوتر
إوعى تتأخر عليا يا ياسين… إنت وليلى لازم تيجوا.
ابتسمت وأنا سامع نبرة القلق في صوته.
قلت
إيه يا عم؟ متوتر كده ليه؟
ضحك وقال
أنا هتجوز… هو الجواز فيه حد بيدخل وهو مرتاح؟
بصراحة، ماكنتش متحمس أروح أي فرح.
من يوم ما خديجة اختفت من حياتي، بقيت أتجنب أي مناسبة فيها عريس وعروسة.
لكن ليلى كانت فرحانة جدًا.
أول ما قلتلها إننا رايحين فرح، عينيها لمعت بنفس الطريقة اللي كانت أمها بتبص بيها وهي مبسوطة.
قالت وهي بتلف حوالين نفسها في الصالة
ألبس

الفستان الأزرق يا بابا؟
ضحكت وقلت
البسي اللي يعجبك.
قالت بسرعة
هيكون فيه تورتة؟
قلت
أكيد إن شاء الله.
قفزت من الفرحة وقالت
يبقى لازم نروح.
صبح يوم الفرح، وقفت أسرح لها شعرها.
كنت كل شوية أشد خصلة بالغلط.
فكانت تشتكي وهي تضحك
براحة يا بابا… هتشد شعري كله.
وأنا أمثل إني متضايق، وهي تضحك أكتر.
وفي الآخر وقفنا قدام المراية نضحك سوا.
في اللحظة دي حسيت إن الدنيا رجعت طبيعية.
أب خارج مع بنته يحضر فرح أعز أصحابه…
ولا في أي حاجة تنذر بالمصيبة اللي جاية.
أول ما وصلنا، المكان كان فخم جدًا.
ورد أبيض في كل حتة.
نجف كبير منور القاعة.
والناس كلها لابسة أفخم لبس.
أحمد جري علينا أول ما شافنا.
حضني بقوة وقال
الحمد لله إنك جيت.
لكن صوته كان فيه حاجة غريبة.
توتر…
أكبر بكتير من توتر أي عريس.
افتكرت إنه قلقان من الفرح وخلاص، وما دققتش.
قلت وأنا ببص للكرافتة
أول مرة أشوفك بالكرافتة… شكلها مش لايقة عليك.
ضحك.
بس عينيه ما ضحكوش.
رد وقال
وإنت شكلك مهندس داخل يحل أزمة مش جاي يحضر فرح.
ليلى مسكت إيده وسألته ببراءة
فين العروسة؟
ابتسم لها بتعب وقال
مستنية اللحظة المناسبة.
بدأت مراسم عقد القران.
قعدت أنا وليلى في الصف التالت.
وهي طول الوقت تهمسلي
هو فاضل قد إيه على التورتة؟
وأنا أضحك وأسكتها.
أحمد كان واقف قدام.
لابس بدلته.
لكن وشه كان شاحب بطريقة خوفتني.
وفجأة لاحظت حاجة غريبة.
ماكانش بيبص ناحية باب دخول العروسة بفرحة.
كان بيبص كأنه مستني حكم يتنفذ عليه.
بعدها بلحظات…
اتفتح الباب.
كل الناس قامت.
وأنا قمت معاهم.
وفي اللحظة دي…
الدنيا كلها وقفت.
العروسة دخلت تمشي بالراحة.
ماسكة دراع راجل كبير.
في الأول ماعرفتوش.
كانت لابسة فستان أبيض، وعلى وشها الطرحة.
ماقدرتش أشوف ملامحها.
لكن شفت طريقة مشيتها.
وشفت الطريقة اللي كانت بتميل بيها راسها مع كل خطوة.
قلبي وقف.
قبل حتى ما عقلي يفهم.
مستحيل…
مستحيل تكون هي.
بعد خمس سنين؟
بعد ما قالولي إنها ماتت؟
بعد كل اللي عشته؟
لكن أول ما أحمد رفع الطرحة…
شوفت وشها.
خديجة.
مراتي.
أم بنتي.
الست اللي بكيتها سنين…
طلعت واقفة قدامي.
حية.
الهوا اختفى من حواليا.
ماسمعتش صوت الناس.
ولا المأذون.
ولا أي كلمة اتقالت.
كل اللي كنت شايفه…
هو هي.
كانت أرفع شوية.
وشها شاحب.
ملابسها أفخم.
لكنها هي.
من غير أي شك.
ولما عينيها وقعت عليا وسط الحضور…
ثبتت مكانها.
كأن الزمن وقف.
في اللحظة دي، سمعت صوت ليلى جنب مني.
همست وقالت
بابا… إنت بتعيط ليه؟
ساعتها بس حسيت إن الدموع نازلة على وشي.
خديجة فضلت باصة عليا.
مش بفرحة.
ولا حتى بندم.
كان في حاجة أخطر.
رعب.
وخوف.
وكأنها كانت عارفة إن اللحظة دي هتيجي.
قمت من مكاني بسرعة لدرجة إن الكرسي وقع ورايا.
كل اللي في القاعة بصوا ناحيتي.
ليلى مسكت في هدومي بخوف.
وقالت
بابا…
أحمد قفل عينيه للحظة.
كأنه كان مستني اللحظة دي من زمان.
وقال بصوت واطي
ياسين…
لكن أنا ماكنتش سامع حد.
بدأت أمشي في الممر ناحية المنصة.
الناس وسعتلي الطريق وهي مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
حد حاول يوقفني.
زقيته من غير حتى أبصله.
خديجة رجعت خطوة لورا.
وقالت بصوت مرتعش
لأ… مش هنا.
الصوت…
هو هو.
بعد خمس سنين، لسه بيهز قلبي بنفس الطريقة.
وقفت قدامها وقلت
إنتِ… عايشة؟
سؤال غبي.
أكيد كانت عايشة.
واقفة قدامي بنفسها.
لابسة فستان فرح.
وهتتجوز أعز صاحبي.
وبنتنا لسه من ثواني كانت بتسألني أنا بعيط ليه.
خديجة ضغطت على بوكيه الورد لدرجة إن كام وردة اتكسرت بين صوابعها.
وقالت بصوت مخنوق
يا ياسين…
قلت وأنا ببصلها في عينيها
قالولي إنك متِ.
في اللحظة دي اتدخل أبوها.
ولما ركزت فيه عرفته.
كبر في السن.
وبان عليه التعب.
قال بحدة
المكان ده مش مناسب للكلام.
لفيت ناحيته وأنا الغضب مالي قلبي.
وقلت
إنت حرمتني حتى أعرف قبرها… دلوقتي اسكت.
المأذون وقف محتار.
والناس كلها بدأت تهمس.
أما ليلى…
فكانت واقفة في آخر الممر.
بتبص لأمها.
لسه مش فاهمة الحقيقة.
لكن حاسة إن في حاجة كبيرة جدًا حصلت.
وأول واحد نزل من على المنصة كان أحمد.
مشى ناحيتي بهدوء.
من غير ما يحاول يلمسني.
وقف قدامي…
وقال بصوت كله تعب
سيبني أشرحلك
بصيت له كأني أول مرة أشوفه في حياتي.
قلت بصوت مخنوق
بقالك قد إيه عارف؟
ما ردش فورًا…
وسكوته كان كفاية يجاوب.
كررت السؤال وأنا ببص له في عينه
بقالك قد إيه؟
رد بعد لحظة
أربع شهور.
حسيت إني عايز أضربه.
هو…
وأبوها…
والورد…
وحتى القاعة كلها.
ضحكت ضحكة طالعة من الوجع، وقلت
أربع شهور؟ يعني أعز صحابي عرف إن مراتي عايشة… وقرر يعمل إيه؟ يتجوزها؟
بلع ريقه،
لمحة نيوز

وكان باين عليه إنه واقف قدام حكم بالإعدام، لكنه ما اتحركش من مكانه.
قال
الموضوع مش زي ما إنت فاهم.
صرخت فيه
إوعى تقول الجملة دي.
في اللحظة دي، خديجة رمت بوكيه الورد على أقرب كرسي.
وقالت وصوتها بيتكسر
أبويا… هو السبب.
كلنا بصينا لها.
كملت وهي بتنهج
هو اللي عمل كل حاجة… الطلاق… والكذبة… وحتى حكاية الحادث.
بصيت لها.
كنت عايز أكرهها.
كنت محتاج ألاقيها مذنبة علشان أتمسك بغضبي.
لكن اللي شفته قدامي ماكانش ست شريرة…
كان إنسانة تعبانة، شايلة حمل سنين من الكذب، وواقفة بالعافية قدام كل الناس.
قلت لها
إنتِ سبتِ ليلى.
قفلت عينيها وقالت
أيوه.
قلت
وسبتِني أصدق إنك متِ.
نزلت الدموع على خدها من غير حتى ما تمسحها.
وقالت
أيوه.
قلت بحدة
يبقى اتكلمي.
ما اتكلمتش قدام الناس.
أحمد طلب من الموجودين يسيبونا ندخل أوضة جانبية.
ولا حد اعترض.
يمكن لأن الفضيحة كانت أكبر من أي اعتراض.
ويمكن لأن حتى الأغنيا بيعرفوا إن في مآسي لما تدخل مكان، كل حاجة تانية بتسكت.
ليلى دخلت معايا.
رفضت تسيب إيدي.
ولما قفلنا الباب، وبقينا بعيد عن الناس، بدأت خديجة تحكي الحقيقة.
قالت إنها ما سابتناش علشان الفقر.
ولا علشان بطلت تحبني.
الحكاية كانت أكبر من كده.
كانت بتحوش فلوس في حساب بعيد عن أهلها، علشان نسافر أنا وهي وليلى ونبدأ حياة جديدة.
لكن أبوها عرف.
وحصلت بينهم خناقة كبيرة.
خرجت وهي بتعيط.
وفي الطريق عملت حادث.
نجت…
لكن أصيبت في دماغها إصابة بسيطة، واضطرت تقعد شهور في العلاج والتأهيل.
وكانت بتجيلها نوبات هلع شديدة، وفضلت فترة طويلة تحت تأثير العلاج، وما كانتش قادرة تعتمد على نفسها.
قالت وهي ماسكة طرف الفستان بقوة
أبويا استغل الفترة دي كلها… استخدم المحامين… وبعتلك ورق الطلاق… وبعدها خلاهم يقولولك إني مت… علشان يبعدك عن حياتي للأبد.
فضلت ساكت.
وهي كملت
ولما بقيت أستوعب اللي بيحصل، كان عدى شهور.
قالوا لي إنك كملت حياتك.
وإنك وافقت على الطلاق.
وإن ليلى بقت أحسن من غيري.
وكل مرة كنت أحاول أوصلك…
كانوا يحبسوني في مصحة.
ويغيروا الأدوية.
ويجبروني أمضي على ورق أنا مش فاهمة هو إيه.
كنت عاجزة…
ماكنتش قادرة أواجههم لوحدي.
بصيت لأبوها.
ماعدتش شايف رجل أعمال كبير.
كنت شايف راجل متعود يشتري الحقيقة بالفلوس، لحد ما الناس تنسى الحقيقة الأصلية.
من غير ما أبص لأحمد، سألته
وهو؟
لكن خديجة هي اللي ردت.
قالت
أنا اللي روحت لأحمد من أربع شهور.
وأضافت
كنت عارفة إن لو حاولت أوصلك لوحدي، أبويا هيمنعني تاني.
أحمد خباني.
وساعدني أطلع كل الأوراق.
التقارير الطبية.
وكل المستندات اللي تثبت الحقيقة.
أما الفرح…
فماكانش فرح أصلًا.
كان خطة.
علشان يجبر أبويا يحضر.
وعلشان تشوفني بعينك قدام الناس كلها.
في مكان ما يقدرش بعده يخفي وجودي تاني.
لفيت ناحية أحمد.
قلت له
ومافكرتش تقولي؟
رد بصوت كله وجع
لو كنت قلتلك قبلها… كان هيخفيها تاني.
وكان ممكن يأذي ليلى كمان.
إحنا كنا محتاجين الحقيقة تظهر قدام الكل… بحيث مايبقاش يقدر ينكر إنها عايشة.
كنت عايز أكرهه.
ولحد النهارده…
مش عارف قدرت ولا لأ.
بصيت ناحية ليلى.
كانت قاعدة على كرسي أكبر منها.
وعينيها متعلقة بخديجة.
وبعد سكوت طويل…
سألت بصوت واطي
إنتِ… ماما؟
خديجة انهارت أول ما سمعت الكلمة.
قالت وهي بتبكي
أيوه يا حبيبتي… أنا مامتك.
ليلى شدت على إيدي.
وقالت وهي باصة لها
طيب… ليه ما رجعتيش؟
ماكانش فيه كلام يقدر يداوي خمس سنين ضاعوا.
ولا خطبة مؤثرة تلم شتات عمر اتكسر.
خديجة فضلت تعيط.
وأنا كمان.
وفي اللحظة دي عرفت إن اللي حصل في الفرح ماكانش نهاية الكارثة…
دي كانت بدايتها.
لأن في حقايق، لما بتظهر، ما بتيجيش تصلح كل حاجة.
هي الأول بتهد كل الكذب اللي اتبنى فوقها.
وأنا واقف، وبنتي بتبص لأمها اللي فضلت سنين محرومة منها من غير حتى ما تعرف، وأعز صحابي واقف شايل الدور المستحيل اللي اختار يتحمله…
فهمت إن حياتي ما اتهدتش أول ما أحمد رفع طرحة العروسة.
حياتي اتهدت في اللحظة اللي خديجة بصت في عيني…
واكتشفت إن أصعب وجع في الدنيا مش إنك تفقد حد بتحبه…
لكن إنك تعيش سنين تبكي عليه، وهو لسه عايش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *