حكايات محمد عبده 2
ساد الصمت في القاعة تماماً، وكأن الصوت اختفى فجأة من المكان. الكلمة طلعت من لسان كريم السيوفي زي الصاعقة اللي نزلت على كل الموجودين: “بنت أختي المفقودة…”
ليلى الكيلاني رجعت خطوة لورا، وشها أصفرّ وشفايفها بدأت ترتعش من الصدمة. بصت لـ أمينة، وبعدين لسلمى، وقالت وهي بتحاول تضحك بتوتر: “كريم… أنت أكيد بتهزر؟ دي خدامة! أنت مستوعب أنت بتقول إيه؟ السلسلة دي أكيد سرقاهـ…”
“اسكتي خالص!”
صرخ فيها كريم بصوت هز النجف الكريستال اللي فوقهم. ليلى اتجمدت مكانها وماقدرتش تنطق حرف تاني.
كريم ما شالش عينه من على أمينة. خطواته كانت بطيئة وتقيلة وهو بيقرب منها، وعينيه مليانة بحزن قديم وفضول يهد جبال. أمينة كانت واقفة ضامة سلمى لصدرها بكل قوتها، جسمها كله بيرتعش، ودقائق الخوف كانت باينة في عينيها.
قال كريم بنبرة هادية بس مخنوقة بالدموع: “أختي مريم… لما اختفت من 15 سنة بعد حادثة العربية، العيلة كلها دورت عليها في كل شبر في مصر. القلادة دي… جدي صنع منها قطعتين بس. واحدة كانت معايا، وواحدة كانت مع مريم. الأغنية اللي البنت رقصت عليها… دي المقطوعة اللي مريم كانت بتعزفها كل يوم في البيت.”
أمينة بلعت ريقها بصعوبة، ودموعها نزلت ببطء على خدودها. ما كانتش قادرة تخبي أكتر من كده. بصت لكريم وقالت بصوت مكسور: “مريم ما ماتتش في الحادثة يا كريم بيه… مريم عاشت سنين بعد الحادثة، بس كانت فاقدة الذاكرة.”
الضيوف في القاعة بدأوا يتهامسوا، والموبايلات اللي كانت بتصور الرقص، بقت دلوقتي بتصور أكبر سر في عيلة السيوفي وبيتكشف لايف قدام 200 واحد من كبار رجال الأعمال.
كملت أمينة وهي بتنزل عينها في الأرض: “أنا كنت شغالة في المستشفى الإقليمي اللي تنقلت لها مريم بعد الحادثة. محدش جه دور عليها هناك لأن الورق اتلخبط. لما خرجت، ما كانش ليها حد ولا فاكرة اسم عيلتها… أنا أخدتها بيتي، عشت معاها، واعتبرتها أختي. سميتها ‘أمل’. وبعد سنين… اتجوزت، وجابت سلمى. وقبل ما تموت بسنتين، بدأت تفتكر نغمات بسيطة من المقطوعة دي… وكانت بتعلمها لسلمى وهي صغيرة وتلبسها السلسلة وتقولها ‘دي بتاعتك يا نوسة’.”
كريم كان بيسمع وكل كلمة بتنزل عليه زي الخنجر. أخته عاشت سنين قريبة منه، في فقر وعوز، وهما يدوروا عليها في المستشفيات الخاصة وخارج البلاد.
التفت كريم لسلمى البنت الصغيرة اللي كانت باصة له ببراءة، ومش فاهمة ليه الراجل الغني ده بيعيط.
نزل كريم على ركبه تاني قدام سلمى، ومد إيده وفتح القلادة الفضية الصغيرة… وجوه القلادة، كانت فيه صورة صغيرة جداً لمريم وهي في سن الشباب، وشبها من سلمى كان يرقّص القلب من كتر التطابق.
كريم مسك إيد سلمى الصغيرة وقال بصوت بيبكي: “سلمى… أنا خالك.”
سلمى بصت لأمها وهي مستغربة: “ماما… هو أنتي مش أمي؟”
أمينة نزل على ركبها جنب سلمى وضمتها تاني وقالت وهي بتشهق من البكاء: “أنا أمك اللي ربتك يا قلب ماما… بس الراجل ده يبقى من عيلة أمك اللي جابتك للدنيا.”
في اللحظة دي، ليلى الكيلاني ما قادرتش تستوعب اللي بيحصل. الليلة اللي كانت مفروض تبقى ليلة تتويجها كـ “مدام السيوفي”، اتقلبت لكابوس. البنت اللي كانت بتتريق عليها وبتقلل منها قدام الناس، طلعت هي الوريثة الشرعية لنص ثروة عيلة السيوفي، وبنت أخت كريم الوحيدة!
قربت ليلى من كريم وقالت بغضب وغيرة عمياء: “كريم! أنت هتصدق كلام الخدامة دي؟ دي أكيد تمثيلية عشان يبتزوك وياخدوا فلوس! القصة دي متألفة!”
كريم وقف ببطء، والتفت لليلى. النظرة اللي كانت في عينيه ما كانش فيها غير القرف والندم.
قال لها بصوت حاسم سمعته القاعة كلها: “الخطوبة دي اتلغت يا ليلى… واطلعي برة بيتي فوراً.”
ليلى اتصدمت: “أنت بتفسخ الخطوبة عشان بنت خدامة؟!”
كريم بص لسلمى وقال بفخر: “دي مش بنت خدامة… دي سلمى السيوفي. وأمي أمينة اللي ربتها وحافظت عليها لما إحنا فشلنا نلاقيها، ضافرها يرقب برقبتك وبرقبة عيلتك كلها.”
ليلى خرجت تجري من القاعة وهي بتصرخ من كتر الغل، والضيوف بدأوا ينسحبوا بالتدريج وهم في حالة ذهول من اللي شافوه.
فضلت القاعة فاضية… مافيش فيها غير كريم، وأمينة، وسلمى الصغيره اللي كانت ماسكة لعبتها بكتفها ونظرتها زايدة حيرة.
كريم قرب من أمينة وقال بامتنان ودموعه في عينيه: “كل قرش، كل لحظة تعب، وكل فضل عملتيه مع أختي وبنتها… أنا عمري ما هقدر أوفيه يا أمينة. أنتِ من النهاردة مش شغالة هنا… أنتِ أختي الكبيرة، وصاحبة البيت ده زيي تماماً.”
أمينة هزت رأسها بالرفض وقالت بكرامة: “أنا ما عملتش كده عشان فلوس يا كريم بيه… أنا عملت كده عشان مريم كانت أختي بالروح، وسلمى بنتي اللي كبرت على إيدي.”
كريم ابتسم بخفة وقال: “عارف… عشان كده أنتِ هتعيشي هنا معايا ومع سلمى.”
وفجأة… ترن هاتف كريم الشخصي.
كريم رد، وخلال ثواني معدودة، ملامح وشه تحولت من الحزن والارتياح… للخوف الشديد.
محتوى المكالمة خلاه يبص لأمينة وسلمى بذهول، وقال بصوت مرعوب:
“الحادثة بتاع مريم من 15 سنة… ما كانتش قضاء وقدر… ومين اللي تسبب فيها لسه عايش وموجود وسطنا!”
اصفرّ وجه كريم، والخطوط اللي على جبينه اتشدت بشكل يخوف. مسك التليفون بكف إيده بضغط جامد وهو بيسمع الصوت اللي جاي من الناحية الثانية: “كريم بيه… التقرير الطب الشرعي القديم والملف المالي اللي طلبته من فترة عن شركة العيلة… طلع فيه تلاعب صريح. فرامل عربية الدكتورة مريم أختك ما اتقطعتش لوحدها، والمستندات بتقول إن المتسبب في الحادثة كان حد من جوه مجلس إدارة عيلة السيوفي نفسه… والنهارده بالذات، بعد ما خبر ظهور بنت مريم يتسرب، فيه حركة نقل أسهم مشبوهة بتحصل في البنك!”
كريم قفل الخط ببطء، وعينيه زادت ظلمة. بص لأمينة وسلمى اللي كانوا واقفين مش فاهمين التغير المفاجئ في ملامحه.
أمينة سألت بقلق: “فيه إيه يا كريم بيه؟ وشك اتغير ليه؟”
كريم مشي خطوات ناحيتهم وضغط على سنانه: “أمينة… المكان هنا مش أمان. الخطر اللي عاشت فيه أختي من 15 سنة لسه موجود، والنهارده لما الكل عرف إن سلمى هي الوريثة الشرعية لأسهم مريم، الحية اللي حاولت تخلص من مريم زمان… هتحاول تخلص من سلمى النهارده!”
في اللحظة دي، سمعوا صوت دربكة وتكسير خارج القاعة الرئيسية، وصوت حراس الفيلا وهم بيتكلموا بعصبية.
دخل واحد من كبار رجال الأعمال، وهو في نفس الوقت عم كريم وعضو مجلس إدارة الشركة—شريف السيوفي. كان ماشي بخطوات سريعة ووراه ليلى الكيلاني وأبوها!
شريف دخل وبص لسلمى وأمينة بنظرة كره وشر، وقال بصوت جهوري: “إيه المهزلة اللي بتحصل هنا دي يا كريم؟! أنت اتجننت؟ بتلغي خطوبتك من بنت الكيلاني، وموقف القاعة كلها على رجل عشان حكاية متألفة من خدامة؟!”
كريم وقف قدام أمينة وسلمى كأنه درع حماية، وقال بنبرة حادة كالموس: “أنت إيه اللي جابك يا عمي؟ ومين سمحلك تدخل بيتي بالأسلوب ده؟”
شريف قرب منه بزعيق: “بيتك؟ ده بيت عيلة السيوفي كلهم! وأنا مش هسمح لبت خدامة تجيب شحاتة من الشارع وتقول دي بنت مريم عشان تنهبوا ثروة العيلة! أختك مريم ماتت واختفت من 15 سنة، والبنت دي مالهاش أي حق في شركة السيوفي!”
أمينة ردت بكرامة وبصوت قوي رغم خوفها: “البنت دي مش شحاتة يا شريف بيه! البنت دي بنت مريم الله يرحمها، والقلادة اللي في رقبتها وسر الأغنية اللي محدش يعرفه غير عيلتكم هو أكبر دليل!”
شريف ضحك باستهزاء: “سلسلة وأغنية؟! هما دول أدلتكم؟ السرقة ملهاش رجلين يا شاطرة! السلسلة دي ممكن تكوني سرقتيها من مريم وهي تموت في أي حوادث، وعلمتي البنت الرقصة عشان تنصبي علينا!”
ليلى اتكلمت من وراه بغل: “صح يا عمي شريف! أنا متأكدة إنهم نصابين! كريم يا حبيبي هما بيلعبوا بعواطفك عشان ياخدوا أسهم مريم اللي هي من حقك ومن حق باقي العيلة!”
كريم بص لشريف بتركيز مرعب… فجأة افتكر حاجة.
الحادثة بتاعة مريم حصلت بعد ما جدهم كتب نص الأسهم باسم مريم مباشرة، وشريف وقتها كان هو المتضرر الأكبر من القرار ده. والنهارده، التقرير اللي جاله في التليفون بيأكد إن الحسابات اتلعب فيها بعد الحادثة لصالح حسابات شريف الشخصية!
كريم قرب خطوتين من شريف وقال بنبرة هادية بس مرعبة: “أنت خايف ليه يا عمي؟ خايف من البنت الصغيرة… ولا خايف من تحليل الـ DNA اللي هيتعمل بكره الصبح؟”
شريف اتجمد مكانه، وعينيه اتسعت بلحظة ارتباك واضحة.
كمل كريم بثقة: “تحليل بصمة الوراثة بيني وبين سلمى هيطلع النتيجة في خلال 24 ساعة. ساعتها، سلمى مش بس هتاخد اسمها… دي هتاخد نص أسهم مجموعة السيوفي قانوناً، والوصاية المالية عليها هتبقى معايا أنا وأمينة!”
شريف بلع ريقها بصعوبة، ونظرة الشر في عينيه زادت. وقال بصوت واطي ومسموم: “أنت بتلعب بالنار يا كريم… والفلوس دي مش هتسيبها لبت جاية من الشارع بسهولة كده.”
شريف بص لليلى وأبوها وقال: “يلا نمشي من هنا.”
ولما لف عشان يخرج، بص لسلمى الصغيرة نظرة أخير فيها تحذير يخوف، وخرج وهو بيطلع تليفونه بسرعة ويكتب رسالة.
القاعة رجعت تظلم بالهدوء، بس الهدوء ده كان يسبق العاصفة.
أمينا مسكت إيد كريم وهي خايفة: “كريم بيه… البنت في خطر. أنا حاسة إن شريف ده مش هيسيبنا في حالنا.”
كريم بص لأمينة وقال بصرامة: “من اللحظة دي، القصر ده هيبقى تحت حراسة مشددة. وبكره الصبح بدري، هنيجي دكتور مخصوص لحد هنا ياخد عينة الـ DNA بنفسه.”
لكن… اللي محدش كان يعرفه، إن ليلى الكيلاني وشريف السيوفي ما خرجوش من الفيلا كدة وخلاص.
في نفس الليلة، وفي تمام الساعة 2 بعد منتصف الليل…
كان القصر هادي جداً، وأمينة وسلمى نايمين في أوضة ضيافة فاخرة في الدور الثاني. وفجأة… النور اتفصل عن القصر كله!
أجهزة الإنذار اتعطلت بطريقة احترافية، وصوت خطوات خفيفة جداً بدأت تتسحب جوه الممرات الضلمة متجهة مباشرة نحو أوضة سلمى… وفي إيد الشخص ده كيس أسود وصغير!
تسحبت الخيالات جوه الممر المظلم بخفة، والصمت كان مرعب في زوايا القصر.
جوه الأوضة، كانت أمينة صاحية مش قادرة تنام. قلبها كان حاسس بالخطر، وغريزة الأمومة جواها كانت مشتعلة. أول ما النور اتفصل وأجهزة التكييف سكتت فجأة، قعدت على السرير بسرعة وضمت سلمى النايمة جنبها.
فجأة… سمعت تكة الباب وهو بيتفتح ببطء شديد.
أمينة ما صرختش. كتمت نفسها، ومسكت فازة ورد كريستال ثقيلة كانت جنب السرير على التربيزة.
الظل القريب قرب من السرير، ورفع إيده اللي فيها “منديل مبلل بمادة مخدرة” عشان يكتم نفس سلمى ويسحبها من غير ما تعمل صوت!
وفي اللحظة اللي الإيد قربت فيها من وش البنت… هجمت أمينة بكامل قوتها وضيعت الفازة الكريستال على راس الشخص ده!
صوت التكسير والصرخة المكتومة هز الأوضة. الظل وقع على الأرض وهو بيترمي من الوجع. وفي نفس اللحظة، ضربت كشافات الطوارئ اللي بتشتغل بالبطاريات، والنور الأبيض أضاء الأوضة بالكامل.
الشخص المرمي على الأرض وبيحاول يهرب وهو ماسك راسه اللي بتنزف… ما كانش حد غريب.
كان حارس الأمن الخاص بـ “شريف السيوفي”!
أمينة صرخت بأعلى صوتها: “كريم بيه! الحقنا يا كريم بيه!”
خلال ثواني معدودة، الأبواب اتفتحت بصوت عالي، ودخل كريم ومعه اثنين من حراسه الشخصيين ومعاهم مسدساتهم. كريم جرى على سلمى وأمينة واطمأن عليهم، وبص للحارس المرمي على الأرض بغضب يشعل نار.
كريم مسك الحارس من رقبة هدومه ورفعه لفوق: “مين اللي بعتك يا كلب؟! ينطق قبل ما أدفنك مكانك!”
الحارس وهو بيرتعش ودمه نازل: “شريف بيه… شريف بيه الكيلاني هو اللي طلب مني أخطف البنت وأوصلها لعربية مستنياه برة القصر!”
كريم زقه بغل وقال لحراسه: “اكتفوه وكلموا الشرطة فوراً! التلبس ده هو اللي هيدفن شريف والقانون هيجيب حقنا.”
بس الحارس ضحك بضعف وهو بيتألم وقال: “مش هتقدر تعمل حاجة يا كريم بيه… شريف بيه مش لوحده، والورقة اللي في إيده تقوى منك ومن شرطتك!”
كريم عقد حواجبه: “ورقة إيه؟”
الحارس: “شريف بيه معاه توكيل قديم ومستندات مزورة بتثبت إن مريم أختك باعت نصيبها كله في الأسهم قبل ما تختفي بـ 15 سنة… وبكره الصبح في اجتماع مجلس الإدارة الساعة 10، هيعلن بيع أسهمها لـ “شركة الكيلاني” وبكده هيسحب السجادة من تحت رجلك ويطردك برة الشركة كلياً!”
أمينة اتصدمت: “مريم عمرها ما باعت حاجة! مريم كانت بتكره شريف وطمعه!”
كريم اتنفس بعمق، وعينيه لمعت بذكاء وقوة. بص للحارس وقال: “يبقى الاجتماع بتاع بكره ده… هو النهاية.”
ثاني يوم الصبح، الساعة 9:30 صباحاً…
برج “مجموعة السيوفي” في وسط البلد.
كانت قاعة الاجتماعات المكيفة مليانة بأعضاء مجلس الإدارة، ورجال الأعمال، والإعلاميين اللي شريف السيوفي دعاهم بنفسه عشان يشهدوا على “لحظة انتقاله لكرسي الرئاسة”.
شريف كان واقف بلبسه الفاخر، وجنبه ليلى الكيلاني وأبوها، وابتسامة النصر على وشهم.
شريف ضرب بكتفه على الطاولة وقال بثقة: “يا حضرات… بما إن كريم السيوفي عطل مصالح الشركة وبيدور ورا خرافات وأوهام، وبما إنه لغى شراكتنا مع عيلة الكيلاني… أنا النهارده بعرض عليكم التوكيل الرسمي الموثق من مريم السيوفي قبل وفاتها، وبعلن بيع أصل أسهمها لعيلة الكيلاني لتأمين مستقبل الشركة!”
بدأ رجال الأعمال يتهامسوا ويستعدوا للتوقيع…
وفجأة!
أبواب القاعة الكبيرة اتفتحت بقوة خلت الكل يلتفت!
دخل كريم السيوفي وهو لابس بدلة سوداء أنيقة… وجنبه كانت ماشية “أمينة” بلبس كلاسيكي راقي جداً، ومسكت في إيدها سلمى الصغيره اللي كانت لابسة فستان أبيض ملائكي، وفي رقبتها القلادة الفضية بتلمع تحت إضاءة القاعة!
وراهم مباشرة دخل 3 من رجال النيابة العامة وخبراء التزوير والتزييف!
شريف وشه اتخطف وقال بتلعثم: “إيه… إيه المهزلة دي؟! مين سمحلكم تدخلوا هنا؟”
كريم مشي بثقة وثبات لحد ما وقف في رأس الطاولة قدام شريف، وبص له بنظرة استهزاء وقال:
“المهزلة انتهت يا عمي… واللعبة اللي لعبتها من 15 سنة، النهارده بتتقفل حساباتها بالكامل!”
رفع كريم ملف أسود كبير وحطه على الطاولة بقوة:
“ده التقرير الطبي الشرعي الموثق من أكبر معمل جنائي… نتيجته بتأكد بـ نسبة 99.9% إن سلمى هي الابنة الشرعية لمريم السيوفي!”
ليلى صرخت بغل: “وده يغير إيه؟! عمي شريف معاه توكيل ببيع الأسهم!”
ابتسم كريم ابتسامة باردة، وبص للرجل اللي واقف جنبه من النيابة…
الرجل فتح محضر رسمي وقال بصوت حاسم: “التوكيل اللي في إيد الأستاذ شريف اتفحص فنياً ومورفولوجياً… وتاريخ صدوره بيثبت إنه اتزور بعد حادثة الدكتورة مريم بسنة كاملة، وبصمة الإمضاء مزورة عن طريق الخبير المالي لعيلة الكيلاني!”
القاعة اتزلزلت بالهمهمات، والصحفيين بدأوا يصوروا الفلاشات بسرعة جنونية!
شريف رجع خطوة لورا ووشه بقى زي الجثة: “كذب! ده كذب وتلفيق!”
كريم قرب منه وقال بصوت واطي ومسموم سمعوه اللي حواليه بس:
“مش بس التزوير يا شريف… الحارس بتاعك في النيابة دلوقتي، واعترف بكل حاجة… عن اقتحام القصر إمبارح، وعن الشخص اللي دفع فلوس لميكانيكي العربية من 15 سنة عشان يقطع فرامل مريم!”
شريف طارت من عينيه آخر نقطة عقل، وبص حوليه لقي رجال الشرطة يدخلوا من باب القاعة الخلفي ومعاهم كلبشات الحديد!
ليلى وأبوها حاولوا يتسحبوا ويخرجوا من القاعة، بس كريم بص لهم وقال: “استنوا عندكم… النيابة العامة عندها أوامر ضبط وإحصار ليكم كمان بتهمة الاشتراك في التزوير ومحاولة الخطف!”
وفي وسط حالة الذهول والصراخ اللي ملأت القاعة، شريف بص لكريم وللبنت الصغيرة بغل أعمى… وفجأة، حط إيده جوه جاكيت البدلة وسحب مسدس صغير كان مخبيه!
الناس في القاعة صرخوا وجريوا ورا الكراسي!
شريف وجه المسدس مباشرة ناحية البنت الصغيرة “سلمى” وصرخ بجنون: “لو الثروة دي مش هتبقى ليا… مش هتبقى لبنت الخدامة دي أبداً!”
أمينة رميت جسمها قدام سلمى عشان تحميها بظهرها… وكريم نط بكل قوته عشان يمسك إيد شريف…
وفجأة… انطلقت رصاصة حية هزت أركان القاعة كلها!
انترس صدى الرصاصة في أنحاء القاعة المكيفة، وساد صمت مرعب لثوانٍ معدودة قبل ما تعلى صرخات الموجودين.
سقط المسدس من إيد شريف وهو بيرتعش، ووقع على الأرض بعد ما أفراد الشرطة هجموا عليه وكتفوه تماماً. الرصاصة ما صابتش سلمى ولا أمينة… كريم كان أسرع، وضغط على إيد شريف في آخر لحظة فطلعت الرصاصة في السقف الكريستال وتناثرت زجاجه على الأرض.
أمينة كانت حاضنة سلمى بقوة، وجسمها كله بيرتعش، لحد ما كريم قرب منهم ونزل على ركبته وقال بصوت دافي وهو بيمسح على رأس سلمى: “خلاص… الكابوس انتهى، ومافيش حد في الدنيا يقدر يمسكم بعد النهاردة.”
انسحب شريف السيوفي وهو متكلبش بالحديد، ووراه ليلى الكيلاني وأبوها وهم في حالة انهيار تام، وسط فلاشات الصحافة اللي سجلت سقوط أكبر شبكة تزوير وجريمة هزت مجتمع المال والأعمال.
بعد مرور 6 أشهر…
القصر اللي كان غرقان في الظلم والشكوك، بقى مليان دفا وحياة.
في الجاردن المفتوحة للقصر، كان فيه مسرح صغير معظمه خشب كلاسيكي راقي. سلمى، اللي بقت لابسـة فستان أبيض أنيق جداً، كانت واقفة في النص ومبتسمة بكل ثقة. وعلى الكرسي اللي جنب المسرح، كانت أمينة قاعدة بأشيك طلّة، بتبص لبنتها وعيونها مليانة دموع فرح وفخر.
كريم السيوفي كان واقف جنب أمينة، وبص لها وقال ابتسامة صافية: “عارفة يا أمينة… مريم الله يرحمها كانت دايماً بتقولي إن الحقيقة زي المقطوعة الموسيقية الحلوة، مهما اتأخرت أو تحرفت، في الآخر النغمة الصح هي اللي بتفضل.”
أمينة هزت رأسها وقالت بكرامة: “الحمد لله يا كريم بيه… الحق رجع لأصحابه، ومريم دلوقتي مرتاحة في مكانها.”
كريم بص لها بعتاب خفيف: “تاني كريم بيه؟ اتفقنا اسمي كريم بس… أنتِ أختي وصاحبة البيت ده زيي تماماً، وأنا نقلت نص الملكية القانونية للشركة وللقصر باسم سلمى، وأنتِ الوصية والمسؤولة الأولى معايا.”
ضربت نغمات الكمان الهادئة في الهواء… نفس المقطوعة الإسبانية الشرقية اللي بدأت كل حاجة.
بدأت سلمى خُطواتها الأولى على المسرح، حركاتها كانت طائرة، ممتلئة بالفن والبراءة، والمرة دي ما كانش فيه حد بيتريق ولا حد بيصور عشان يتسلّى… كان فيه قاعة كاملة من العائلة والأصدقاء الحقيقيين بيسقفوا بكل حب وإعجاب.
سلمى وهي بتلف في نص المسرح، رفعت القلادة الفضية بإيدها الصغيرة، وبصت للكساء الأزرق الصافي في السما، وكأنها بتبتسم لأمها مريم…
وفي اللحظة دي، أدرك الجميع إن بنت الخادمة اللي حاولوا يذلوها بمليون جنيه، أثبتت إن الكرامة والأصل والدم ما بيتباعوش بأي مال في الدنيا.