أم فقيرة حكايات رومانى مكرم 2
دخل منصور الحارة الضيقة وهو لابس لبس بسيط جداً على غير عادته، وكان ماسك في إيد آدم اللي صمم يجي معاه. الحارة كانت زحمة، وصوت بياعين الخضار والناس مغطي على المكان، والبيوت القديمة باين عليها أثر السنين والمطر بتاع امبارح. الناس كانت بتبص لمنصور وآدم باستغراب؛ شكلهم غريب عن المكان، وواضح عليهم العز.
وقف منصور عند محطة غسيل وطلب من راجل عجوز قاعد على قهوة: “لو سمحت يا عم الحج، بنسأل عن ست اسمها جمالات، بتبيع خضار وساكنة هنا في الحارة”.
الراجل بصله من فوق لتحت وقال بنبرة طيبة: “أه.. أم حسن؟ الله يعينها يا ابني، شقاوتها شقاوة. هتلاقيها قاعدة في آخر السوق على ناصية الممر، زمانها بتبيع لقمة عيشها”.
مشى منصور وآدم لحد ما وصلوا لآخر السوق. ومن بعيد، شافوها. كانت قاعدة على كرسي خشب مكسور، قدامها قفصين خضار بسيطين، وشايلة ابنها حسن على رجلها وبتهزه وهي بتنادي على بضاعتها بصوت فيه بحة تعب بس مليان رضا.
آدم أول ما شافها، ساب إيد أبوه وجري عليها وهو بينادي: “طنط جمالات!”.
جمالات رفعت راسها، وعينها لمعت بالفرحة أول ما شافت آدم. حطت حسن بالراحة في كرتونة مفروشة بقماش جنبها، وقامت وفتحت دراعاتها لآدم اللي اترمى في حضنها كأنه يعرفها من سنين. قعدت تمسح على شعره وتقول: “يا حبيبي! يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إيه المفاجأة الحلوة دي؟ بقيت كويس يا آدم؟ دفيت يا حبيبي؟”
منصور قرب بخطوات بطيئة، وبص للمشهد وحس إن الشحنة السلبية اللي كانت جوا بيته بقالها سنين بدأت توب بسبب الست دي. وقف قدامها وقال باحترام شديد: “صباح الخير يا مدام جمالات”.
جمالات وقفت مكسوفة وقالت: “صباح النور يا بيه.. أهلاً وسهلاً، نورت الحارة والله. بس يا فندم تعبت نفسك ليه وجيت لحد هنا؟”
منصور قعد على قفص خشب فاضي جنبها، ومن غير أي مقدمات قالها: “أنا جيت عشان أطلب منك طلب، وأتمنى ترفضيهوش.. لأني مش ماشي من هنا غير وموافقاكِ معايا”.
جمالات استغربت وبصت لآدم اللي كان ماسك إيدها، وقالت: “طلب إيه يا بيه؟ أنا ست غلبانة زي ما أنت شايف، وما عنديش حاجة أقدمها لـ ناس مقامكم كبير كدة”.
منصور بصلها بثقة وقال: “أنا عندي شركة استيراد وتصدير كبيرة، وعندي فيلا واسعة محتاجة روح. أنا مش جاي أعرض عليكي فلوس ولا شيكات زي امبارح، أنا جاي أعرض عليكي وظيفة. أنا محتاج مشرفة ومسؤولة كاملة عن البيت وعن آدم. آدم ملوش أم، وإنتي امبارح في ساعة واحدة اديتيه الحنان اللي مدقوش في سنين. وكمان، فيه جناح كامل في الفيلا هيكون ليكي وإنتي وابنك حسن، براتب شهري ثابت يضمن ليكي حياة كريمة وتعليم محترم لابنك”.
جمالات اتصدمت، وبصت للقفاص الخضار ولابنها حسن اللي نايم في الكرتونة، وقالت وصوتها بيرتعش: “بس يا بيه.. أنا ما أفهمش في بيوت الأكابر، وأنا متعودة على شقايا وبياعة في السوق، هعرف إزاي أدير فيلا وأهتم بابن مليونير؟”
آدم شد طرف جلابيتها وقال بدموع: “عشان خاطري يا طنط جمالات.. تعالي عيشي معانا. أنا عايز آكل من القرص بتاعتك كل يوم، وعايزك تحضنيني لما أخاف”.
كلام آدم هز قلبها كأم. بصت لمنصور ولقت في عينه رجاء حقيقي، مش نظرة عطف أو تكبر. وقبل ما تنطق وتوافق، ظهر من وراهم صوت غليظ وجهوري قطع الكلام: “جرى إيه يا أم حسن؟ مين الأفندي ده اللي واقف معاكي من الصبح؟ ومش ناوية تدفعي إيجار الأوضة اللي عليكي بقاله شهرين ولا ناوية تطردي في الشارع إنتي وابنك؟”
التفت منصور وشاف راجل ضخم وضهره محني شوية، وعينه مليانة غل وهو بيبص لجمالات وبضاعتها البسيطة…
**الجزء الرابع وقبل الأخير**
التفتت جمالات والخوف ظهر في عينها، وضمت حسن لـ صدرها بسرعة وقالت بصوت واطي ومكسور: “حاضر يا معلم فرج، والله العظيم أول ما أبيع شوية الخضار دول هجيبلك جزء من الإيجار، أنت عارف إن السوق نايم اليومين دول وموت أبو حسن هد حيلنا”.
المعلم فرج خبط على القفص الخشب برجله وقال بقسوة: “الكلام ده ما يأكلش عيش يا أم حسن، بقالك شهرين بتقولي نفس البقين. قدامك لحد بكره بالليل، يا الفلوس كاملة يا حاجتك كلها هتترمي في الشارع وأقفل الأوضة بالفلانكات”.
منصور وقف بهدوء، النبرة القاسية دي وتخويف ست غلبانة في قلب السوق خلت الدم يغلي في عروقه. قرب من المعلم فرج وبصله بنظرة حادة خلت الراجل يرجع خطوة لورا، وقال بصوت قوي وهادي: “حساب الأوضة كام يا معلم؟”
فرج بصل لبس منصور وساعته الغالية، ولهجته اتغيرت في ثانية وقال بطمع: “عليها 3 آلاف جنيه يا بيه إيجار شهرين ومتأخرات مياه ونور”.
منصور طلع محفظته، وطلع منها رزمة فلوس وحطها في إيد فرج وقال: “دول 10 آلاف جنيه، حسابك وزيادة عليهم، وجمالات مالهاش عندك حاجة تاني، ومن اللحظة دي مش هتشوف وشها في الحارة هنا تاني”.
فرج عينيه لمعت بالفلوس وانسحب وهو بيعتذر ويقول: “البيوت أسرار يا بيه، نورت الحارة”.
التفت منصور لجمالات اللي دموعها كانت نازلة من الكسوف، وقالت: “ليه عملت كده يا بيه؟ أنا ما بحبش أبقى مديونة لحد، وشقايا كان هيجيب الفلوس”.
منصور بصلها باحترام وقال: “إنتي مش مديونة يا مدام جمالات، الفلوس دي مقدم مرتبك وشغلك اللي هتبدأيه من النهاردة. مكانك مش هنا، وابنك حسن يستاهل يكبر في مكان أحسن من كدة. ارجوكِ، وافقي عشان خاطر آدم وعشان خاطر ابنك”.
جمالات بصت لآدم اللي كان باصص لها برجا وعينيه بتلمع، وبصت لحسن الرضيع اللي بدأ يعيط من دوشة السوق، وحست إن ربنا بعتلها منصور كـ طوق نجاة في وقت كانت الدنيا بتقفل في وشها. هزت راسها بالموافقة وقالت: “توكلنا على الله يا بيه، هروح ألف حاجتي البسيطة من فوق السطوح وأمشي معاك”.
بعد ساعة، كانت جمالات وآدم وحسن راكبين العربية مع منصور، ومتجهين لحي الزمالك الراقي حيث فيلا السيوفي. أول ما العربية دخلت من البوابة الحديدية الكبيرة، وشافت الجناين الواسعة والفيلا اللي شبه القصور، جمالات كانت حاسة إنها في حلم ومش مصدقة عينها.
منصور دخلهم الفيلا، وطلب من الشغالة القديمة “أم أحمد” تاخد جمالات وتوريها الجناح الخاص بيها وتهتم بكل طلباتها. الجناح كان واسع وفيه سرير كبير لحسن ودولاب مليان لبس جديد منصور كان باعت يشتريه على مقاسها ومقاس ابنها الصبح.
في نفس اليوم بالليل، قعد منصور وآدم وجمالات على السفرة الكبيرة، وكانت الأجواء مليانة دفا لأول مرة في البيت ده. آدم كان بيضحك وبياكل وهو فرحان، ومنصور كان حاسس براحة نفسية ما حسهاش من يوم ما مراته اتوفت.
لكن الهدوء ده ما دامش طويل.. فجأة، الباب الخارجي للفيلا اتفتح بقوة، ودخلت ست أنيقة جداً، باين عليها الثراء الفاحش وعلامات الغضب والغرور مغطية وشها، وكانت بتبرق بعينها وهي بتبص لجمالات ولبسها البسيط.
الست دي كانت “نازلي”، أخت منصور الكبيرة، واللي كانت بتكره فكرة دخول أي حد غريب أو من طبقة بسيطة لبيت السيوفي. أول ما شافتها، زعقت بصوت عالي هز أركان المكان: “منصور! إيه المهزلة دي؟ مين الشحاتة دي اللي مقعداها على سفرتك وفي وسط بيتك؟ وإيه العيل الجربان اللي شايلاه ده؟!”
**الجزء الخامس والأخير**
الكلمة نزلت على جمالات زي الصاعقة، وشها جاب ألوان وحست بكسرة نفس خلتها تقف بسرعة وتضم حسن لصدرها، ودموعها نزلت من غير صوت. آدم صرخ بزعل: “دي مش شحاتة يا عمتو! دي طنط جمالات اللي أنقذتني!”
منصور وقف من على السفرة وعروق وشه بارزة من الغضب، وبص لأخته نازلي بنظرة عمرها ما شافتها منه وقال بنبرة هزت الحيطة: “نازلي! الزمي حدودك وما تنسيش نفسك إنتي في بيتي! الست دي اللي بتغلطي فيها، هي اللي حمت ابني امبارح في المطر ووكلته من لقمة عيشها، في الوقت اللي إنتي والكل كنتوا نايمين في دفا بيوتكم ولا سألتوا فيه!”
نازلي رجعت خطوة لورا من صدمتها في رد فعل منصور، وقالت بتكبر: “بس يا منصور، منظرنا إيه قدام العيلة والناس؟ تجيب بياعة خضار تقعدها في جناح كامل وتلبسها من ضهرك؟ الفلوس تشتري ألف واحدة تخدم آدم، مش لازم تلم من الشوارع!”
هنا، جمالات مسحت دموعها بعزة نفس قوية، وبصت لنازلي وقالت بصوت ثابت رغم الوجع: “يا هانم، الشارع اللي بتتكلمي عنه فيه ناس قلوبها أنظف من الدهب. أنا جيت هنا عشان خاطر كسر خاطر الولد ده ورجاء أبوه، ومش طمعانة في عِزكم. الهدوم والفيلا ما بيعملوش بني آدم.. اللي بيعمل البني آدم هو أصله ورحمته”. والتفتت لمنصور وقالت: “كتر خيرك يا منصور بيه، لحد هنا وأنا كتر خيري، كرامتي وكرامة ابني تسوى الدنيا كلها”.
جمالات لفت ضهرها وعزمت تمشي، لكن آدم جري عليها ومسك رجليها وهو بيبكي بحرقة: “عشان خاطري ما تمشيش! لو مشيتي أنا هرب تاني!”
منصور وقف في طريقها وقال بنبرة رجاء صادقة: “مدام جمالات، لو مشيتي يبقى بتعاقبيني أنا وآدم على غلطة غيرنا. الفيلا دي بيتك، واليوم قبل بكرة هكتب الجناح ده باسمك واسم ابنك حسن، وإنتي هنا صاحبة بيت مش شغالة”. والتفت لنازلي وقالها بلهجة قاطعة: “نازلي.. الباب يفوت جمل، ولو مش قادرة تحترمي أهل بيتي، ما تورينيش وشك هنا تاني”.
نازلي لفت وشها بغرور وخرجت وهي بتبرطم، بس منصور ما اهتمش. أخد آدم وجمالات وقعدوا، وبص لحسن الرضيع اللي بدأ يبتسم، وحس إن البيت ده دخلته البركة أخيرًا.
مرت السنين، وبقت جمالات هي الروح الحقيقية لبيت السيوفي. أشرفت على تربية آدم وحسن سوا كأنهم أخوات، وآدم كبر وبقى مهندس ناجح، وحسن دخل أرقى المدارس بفضل رعاية منصور وجمالات. منصور اتعلم من جمالات إن الفلوس وسيلة مش غاية، وبقى يخصص جزء كبير من ثروته لبناء ملاجئ ومستشفيات للفقراء.
### الحكمة من القصة:
> **”الغنى غنى النفس، والبيوت لا تُبنى بالمال والقصور الفاخرة، بل بالرحمة والدفء والحنان. رغيف عيش يُقدم بحب في ليلة باردة، قد يشتري قلوباً وعقولاً لا تستطيع ملايين الدنيا أن تشتريها. الأيام تدور، والخير لا يضيع، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء.”**
>