حكايات اسما السيد 3

**الجزء الخامس:**

الخطوات اللي خطيتها على بلاط الصالة كانت بتعمل صوت رنان في وسط السكون الرهيب اللي خيّم على المكان أول ما نزلت. الكل كان باصصلي بذهول.. سلايفي، وعمات أحمد، وأخته الكبيرة اللي كانت ماسكة كوباية ميه وبتبصلي كأني مرتكبة جري*مة حرب.

أما حماتي، فكانت نايمة على الكنبة، حاطة كمادة على راسها، وعينيها مواربة بتراقبني بغلّ دفين ونظرات مكسورة بالخزي والعار اللي حست بيه قدام العيلة الكبيرة.

أخت أحمد وقفت في طريقي وهي مربعة إيدها وقالت بنبرة حادة وصوت عالي عشان الكل يسمع: “أنتِ بجد ماشية وسايبانا في الظروف دي؟ مفيش في قلبك رحمة ولا أصل؟ شايفانا بنموت ومامتنا ضغطها في السماء وواقفة بتتفرجي وشايلة ابنك وماشية؟ للدرجة دي الغل عامي عينك؟”

وقفت مكاني، وبمنتهى الهدوء عدلت يزن في حضني عشان ما يقلقش من الصوت العالي، وبصيت لها وقولت بصوت واثق ومرتاح: “الغل هو اللي بيخلي الست الكبيرة تتنمر على واحدة لسه والدة وتجرح في جسمها وشكلها قدام الغريب والقريب يا نهى. الغل هو اللي بيخليكم تضحكوا وتنبسطوا لما كرامتي تتهان. أما أنا، فـ ماشية في حالي.. ممدتش إيدي على حد، ولا فضحت حد، ولا كتبت كلمة واحدة تسيء لوالدتكم. اللي عملت كده هي تصرفاتها وإهمالها.. فـ متلبسوش حد تاني ثوب غسيلكم الوسخ.”

أحمد نزل من ورايا على السلم بسرعة وجرى وقف بيني وبين الباب، وشه كان مخطوف وعروقه بارزة، وبص لأهله وبصلي وقال بنبرة مليانة يأس: “ياسمين.. لو خرجتِ من الباب ده دلوقتي بالشنطة دي، متلوميش غير نفسك. أنتِ كده بتنهي كل حاجة بينا! بتنهي احترامي ليكي واحترامك لأهلي!”

“احترامك ليا أنت اللي نهيته بإيدك من أول يوم يا أحمد..” رديت عليه والدموع بدأت تلمع في عيني لأول مرة بس تغلبت عليها: “لما سيبتني أتبهدل وأتكسر ومفتحتش بوقك بكلمة. أنت كنت مستعد تضحي بكرامتي عشان ترضي كبرياء مامتك.. ودلوقتي أنا بضحي بوجودي معاك عشان أحافظ على اللي باقي من كرامة ابني يشوف أمه شايلاها.”

في اللحظة دي، جرس الباب رن. الدكتور وصل.

الكل اتلفت ناحية الباب، وأحمد اتراجع خطوة غصب عنه عشان يفتح للدكتور. استغليت اللحظة دي، وسحبت شنطة كتفي وشنطة يزن، وفتحت الباب الخارجي وخرجت للهوا النقي بتاع الليل.

برة الفيلا، الساحل كان هادي جداً، وصوت الموج كان واصل لوداني ممزوج بصوت رياح الليل الباردة. شفت عربية التوصيل واقفة مستنياني على أول الممشى، مشيت بخطوات سريعة وقلبي بيدق بعنف، كنت حاسة بخوف من المجهول، بس في نفس الوقت حاسة بحرية مكنتش حساها من سنين.

فتحت باب العربية، ركبت من ورا وحطيت يزن في حضني والشنطة جنبي، وقولت للسواق: “على القاهرة يا أسطى، لو سمحت.”

العربية بدأت تتحرك، وبصيت من الشباك لـ فيلا حماتي وهي بتبعد تدريجياً، النور اللي طالع من شبابيك الصالة كان بيعكس الحركة والهرجلة اللي جواها بسبب الدكتور.. ومبقاش هاممني هما بيقولوا إيه عني دلوقتي، الأهم إن حياتي اللي جاية مش هتكون زي اللي فاتت.

طول طريق السفر اللي بياخد تلات ساعات، تليفوني ميسكتش.

رنات ورا رنات من أحمد.. رسايل عتاب، ورسايل تهديد بالطلاق، ورسايل تانية فيها ندم ورجاء إني أرجع أو أستناه في استراحة الطريق. بس أنا مقريتش ولا رسالة ومردتش على ولا مكالمة. عملت التليفون صامت وحضنت ابني ونمت من كتر التعب الجسدي والنفسي.

وصلت بيت أهلي في القاهرة الساعة الرابعة الفجر.

أمي اتخضت لما شافتني داخلة بالشنط ويزن نايم على كتفي في الوقت ده، جريت عليا وهي بتسأل بهلع: “ياسمين! في إيه يا بنتي؟ إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ حصل إيه بينك وبين أحمد؟”

قعدت على الكنبة في الصالة، وأخيراً دموعي اللي حبستها طول اليوم نزلت بغزارة. حكيت لأمي ولأبويا اللي صحي على صوتنا كل حاجة حصلت بالتفصيل.. من أول تعليقات حماتي على أكلي وجسمي، لـ سكوت أحمد الرهيب، لحد حادثة الموبايل الفاضحة وخروجي من الفيلا.

أبويا سمعني للآخر وهو ساكت وملامحه مفيش فيها غير الغضب الشديد، وقف وقال بنبرة حاسمة هزت البيت: “أنتِ عملتِ الصح يا ياسمين. اللي ميعرفش يصون عرض وكرامة مراته قدام أهله، م يستاهلش تتقفل عليه ضلفة باب واحدة معاها. نامي وارتاحي يا بنتي.. والكلب ده لما يرجع من السفر، حسابه معايا أنا.”

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خناقة وصريخ جاي من الصالة برة.. صوت كنت عارفاها كويس جداً، وصوت أبويا وهو بيرد عليه بعنف..

**الجزء السادس (وقبل الأخير):**

اتنفضت من سريري على صوت الزعيق والهرجلة اللي جاية من برة. قلبي كان بيدق زي الطبل، شيلت يزن اللي صحي مخضوض وبيبكي بصوت واطي، وفتحت باب الأوضة بالراحة ووقفت ورا الباب أراقب اللي بيحصل في الصالة.

كان أحمد واقف وشه أصفر وعينيه منفوخة من قلة النوم، باين عليه إنه سافر طول الليل ورايا ومغمضش عينيه لحظة. كان واقف قدام بابا، بيحاول يعلي صوته عشان يثبت إنه صاحب حق، لكن هيبة بابا وطريقته كانت كفيلة تلجمه.

أحمد كان بيزعق ويقول: “يا عمي أنا جيت لحد هنا احتراما ليك ولقيمتك! بنتك سابتني في نص المصيف وفضحتني قدام أهلي، وخرجت بالليل لوحدها من غير إذن ولا دستور، ومشت بـ ابني في طريق السفر وكأن ملهاش راجل يلمها! دي قلة قيمة ليا ولهيبتي قدام الناس!”

بابا وقف قدامه خطوة واحدة، وبصوت هادي ومرعب من كتر الحسم قالّه: “هيبتك؟ أنت بتتكلم عن الهيبة يا أحمد؟ الهيبة دي يا ابني اللي بيصونها الراجل لما يحمي عرضه ومراته. أنت وقفت تتفرج على أمك وهي بتنهش في لحم بنتي وبتتريق على شكلها وجسمها اللي اتغير عشان تجيبلك حتة عيل يشيل اسمك.. وكنت بتضحك! الهيبة دي كنت تفتكرها وأنت سايب بنتي بتعيط وتموت من الكسرة وسط أهلك ومفتحتش بقك بكلمة تدافع عنها.”

“يا عمي دي أمي!” صرخ أحمد وهو بيحاول يبرر موقف حماتي: “أمي ست كبيرة ومقصدتش، وكان هزار عادي وسط العيلة! وياسمين كبرت الموضوع وانتقمت منها وفضحتها بالصورة اللي نزلت على الجروب وخليتنا مسخرة للناس كلها!”

هنا أنا قررت مأفضلش مستخبية. فتحت الباب وخرجت وأنا شايلة يزن، وبصيت لأحمد بمنتهى القوة وقولتله: “أنا مأجبرتش حد يصور مامتك يا أحمد، ولا أنا اللي بعتت الصورة. مامتك وقعت في شر أعمالها وبنت أختك هي اللي بعتتها. أنا كل ذنبي إني مكنتش الحيطة اللي بتداري وراها سمّها بعد ما جرحتني. أنت زعلان على شكل مامتك اللي باظ قدام قرايبها؟ وأنا كرامتي وشكلي اللي دبحته مامتك قدامهم مكنش غالي عندك ليه؟”

أحمد أول ما شافني، لهجته اتغيرت وبدأ يقرب مني وعينيه بتترجاني: “ياسمين.. عشان خاطري بلاش ندخل في العناد ده. أنا جيت وراكي وسيبت أمي تعبانة عشان أرجعك. البيت من غيرك ميسواش، وأنا تبت وعرفت قيمتك.. بس بلاش تخربي بيتنا بإيدك.”

أختي وأمي كانوا واقفين ورا بابا ووشهم كله غضب، وبابا شاور لأحمد بإيده وقالّه: “الكلام معايا أنا يا أحمد. بنتي مش هترجع معاك بيتكم. بنتي هتقعد هنا معززة مكرمة لحد ما تتربى وتعرف يعني إيه تصون ست بيت وتوقف أي حد عند حده لو غلط في حقها.. حتى لو كانت أمك.”

أحمد وشه اسودّ وبصلي بنظرة أخيرة مخلوطة بالتهديد والرجاء: “يعني ده آخر كلام عندك يا ياسمين؟ هتمشي ورا كلام أهلك وتخربي بيتك؟”

بصيت لـ يزن اللي في حضني، وبصيت لأحمد وقولت بكلمتين وبس: “بيتي هيتخرب لو رجعت معاك بنفس شروطك القديمة.. لو رجعت وأنا حاسة إني رخيصة ومليش ضهر يحميني. شروط اللعبة اتغيرت يا أحمد، واللي جاي مش هيبقى زي اللي فات أبدًا.”

أحمد حس بإن الأرض بتسحب من تحت رجليه، وطلع من البيت وهو بيرزع الباب وراه ويهدد بالطلاق والمحاكم.. لكن المرة دي، قلبي متهزش ولا خاف، كنت عارفة إن الخطوة اللي جاية هي اللي هتحدد مصير حياتي كلها.

**الجزء السابع والأخير:**

فات شهر كامل على اليوم اللي أحمد خرج فيه من بيت أهلي وهو بيرزع الباب ويهدد بالمحاكم والطلاق. في الشهر ده، تليفوني كان شبه مقفول؛ ركزت كل طاقتي في ابني يزن، وبدأت أرجع لصحتي النفسية والجسدية. بدأت أهتم بأكلي عشان صحتي مش عشان كلام حد، وبدأت أحس إن روحي اللي انطفت في المصيف داك بدأت ترجع وتتحسن تاني وسط أهلي اللي بجد بيحبوني وبيحترموني.

أحمد حاول يكلمني كذا مرة، وبعت ناس من معارفنا عشان يتدخلوا ويصالحونا، لكن بابا كان رده واحد على الكل: “أحمد يجي يقعد معايا، ونتفق على شروط جديدة تضمن كرامة بنتي، وإلا كل واحد يروح لحاله بالمعروف.”

وفي يوم، جرس الباب رن. فتحت أمي ولقينا أحمد واقف برة، لكن شكله كان متغير تماماً؛ كان باين عليه التعب والهم، والغرور اللي كان مالي عينيه انكسر. دخل وقعد مع بابا في الصالون، وطلب إنه يشوفني.

بابا ناداني، فدخلت وأنا شيلة يزن وقعدت على كرسي قصاده بكل هدوء وثقة.

أحمد بصلي وبص لـ يزن، وقال بصوت واطي ومحمل بالندم: “أنا جاي النهارده يا عمي مش عشان أجادل ولا أعلي صوتي.. أنا جاي أعترف إني غلطت. غلطت في حق ياسمين لما وقفت متفرج وسمحت لأمي تجرحها. الشهر اللي فات ده البيت كان ضلمة من غيرها، وحسيت بقيمتها وبكل حاجة كانت بتعملها علشاني وعلشان أمي بالرغم من معاملتها ليها.”

بص لـ بابا وكمل: “أنا اتكلمت مع أمي وفهمتها إن ياسمين خط أحمر، وإن اللي حصل في المصيف كان بسببي أنا لأني مكنتش حاسم من الأول. وأنا بوعدك يا عمي، وبوعدك يا ياسمين قدام ربنا، إن تلميحات أمي أو كلامها مش هيتكرر تاني، ولو اتكرر، أنا أول واحد هقف وأرد غيبتك.”

أحمد طلع من جيبه علبة قطيفة حمراء صغيرة، وحطها على الترابيزة قدامي وقال بابتسامة حزينة: “دي حاجة بسيطة تعبير عن أسفي.. وبطلب منك تديني فرصة تانية نرجع نبني بيتنا على أساس الاحترام اللي مفيش مخلوق يقدر يهزه بعد كده.”

بصيت لـ بابا، وشوفت في عينيه نظرة رضا وفخر بيا؛ لأنه عرف يربيني على الكرامة ويجيبلي حقي من غير ما يهد بيتي بالخراب.

بصيت لأحمد وقولتله بهدوء: “أنا هقبل اعتذارك يا أحمد.. والهدية مقبولة. بس لازم تفهم حاجة واحدة؛ الكرامة والجهد اللي بيتبذل عشان نعيش في سلام مع بعض ملوش فرصة تالتة. لو حسيت في يوم إنك اتخليت عني أو سمحت لحد يكسر نفسي تاني، الشنطة اللي لميتها في الساحل هلمها تاني.. والمرة دي مش هتشوف وشي ولا وش ابنك أبدًا.”

أحمد هز راسه بالموافقة والارتياح مالي وشه، وقام وباس رأس بابا ورأسي، وشال يزن اللي ضحك في وشه وكأنه حاسس إن الخلاف انتهى.

حماتي من يومها بقت تتعامل معايا بحذر وبمنتهى الأدب؛ الفضيحة اللي حصلت لها في المصيف خلتها تفهم إن اللي بيته من زجاج ميحدفش الناس بالطوب، وإن سكوتي زمان مكنش ضعف.. كان احترام، ولما الاحترام بيخلص، الرد بيبقى قاسي وموجع.

رجعت بيتي وأنا أقوى، شايلة ابني في حضني وراسي مرفوعة في السماء، وعرفت إن الست لما بتقرر تحمي كرامتها.. الدنيا كلها بتقف احتراما ليها.

**تمت.**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *