حكايات زهره الربيع 2
لم تكد كلماتي الأخيرة تقع على مسامع كريم حتى رأيت الارتجاف يسيطر على فكّه السفلي. كانت عينيه تائهتين بين مواجهتي، وبين الخوف من المجهول الذي ينتظره خلف ذلك الباب الموصد. شدّ جلابيته بيده المرتعشة، وتراجع خطوة للخلف وهو ينظر إلى البيت كأنه ينظر إلى وحش يستعد لابتلاعه.
تركني وغادر المكان يجر أذيال الخيبة والفضائح التي ملأت أرجاء القرية. لم يجرؤ على دخول البيت في ذلك اليوم، بل ذهب ليبيت في بيت حماه، محاولاً لملمة كرامته المبعثرة وإقناع أهل عروسته بأن الأمر مجرد “حسد” أو “سحر” سيبطله بالاستعانة بأحد شيوخ القرية.
أما أنا، فقد دخلت غرفتي الصغيرة المجاورة للبيت، وأغلقت الباب عليّ. جلست على السرير الخشبي القديم، ولأول مرة منذ وفاة أمي، لم أبكِ. شعرت ببرودة الانتصار تسري في عروقي، لكنني كنت أعلم تماماً أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن كريم لن يستسلم بسهولة حين يزول عنه أثر الصدمة الأولى ويبدأ في التفكير بعقله العملي الطماع.
مر يومان، وجاء “الشيخ عبد الستار”، وهو رجل عجوز معروف في قريتنا بكلامه المنمق وادعائه القدرة على فك الأعمال وتطهير البيوت. كان كريم يسير خلفه مثل التابع، وخلفهما بضعة رجال من أعمامي الذين وقفوا صامتين يوم ضربني كريم، لكنهم جاءوا اليوم ليشاهدوا “معجزة” تطهير البيت.
وقف الشيخ عبد الستار على عتبة البيت، وبدأ يتلو بعض الآيات بصوت مرتفع، ثم دخل الصالة. كنت أراقبهم من فتحة الشباك الصغيرة. بمجرد دخولهم، تعالت شهقات الأعمام وصيحات الاستنكار وهم يرون الحبر الأسود الذي جفّ على الحيطان مشكّلاً تلك العبارة المرعبة، والخراب الذي طال كل شيء.
بدأ الشيخ يرش ماءً مقروءاً عليه في الزوايا، ويتمتم بعبارات غير مفهومة. وفي تلك اللحظة، قررت أن أتدخل بطريقتي.
كنت قد جهزت مسبقاً، بمساعدة أولاد خالتي، حيلة أخرى صغيرة لم يتوقعها أحد. قمنا بمد خيط صيد شفاف ورفيع جداً من خلال ثقب صغير في سقف الصالة الخشبي (الذي يعلوه سطح البيت)، وربطنا الطرف المتدلي منه بقطعة حديد قديمة مخبأة خلف الستائر الممزقة، بينما يمسك ابن خالتي بالطرف الآخر من فوق السطح.
أثناء اندماج الشيخ في التمتمة ورش الماء، أعطيت إشارة خفيفة من نافذتي برفع يدي.
فجأة! وبدون مقدمات، بدأت قطعة الحديد المخبأة تتحرك وتضرب الجدار بقوة مصدرة صوتاً معدنياً مرعباً كأنه ضرب بمعول حديدي! وفي نفس الوقت، قام ابن خالتي الآخر بسكب كمية صغيرة من الزيت الحار من ثقب السقف ليسقط مباشرة أمام الشيخ عبد الستار.
تراجع الشيخ فجأة للخلف وهو يصرخ: “يا حفيظ! يا لطيف! البيت عامر يا جماعة.. البيت عامر وغضبان!”
تعالت صيحات أعمامي وهم يتدافعون نحو الباب للخروج، بينما سقط كريم على ركبتيه من شدة الرعب وهو يرى الزيت الأسود ينسكب من السقف دون أن يرى أحداً بالأعلى. خرج الجميع يهرولون إلى الشارع، والشيخ عبد الستار يمسك جلبابه بيديه ويقول لكريم بنبرة حاسمة:
“يا كريم يا ابني.. البيت ده فيه رصد تقيل وغضب ملوش آخر.. صاحبه الأصلي زعلان، والظلم اللي حصل فيه هو السبب.. نصيحة مني، ابعد عن البيت ده وماتعتبوش تاني، وإلا الأذية هتنال منك ومن عروستك!”
كانت كلمات الشيخ بمثابة المسمار الأخير في نعش أحلام كريم بالاستقرار في بيت أمي.
في المساء، وتحت ضغط أهل عروسته الذين هددوه بالطلاق ورفع قض..ية “تبديد منقولات” إن لم يوفر لها مسكناً آمناً بعيداً عن “البيت المرصود”، كان كريم يجلس على مصطبة بالشارع، واضعاً رأسه بين يديه، والهمّ يركبه من رأس حتى قدميه. لقد أصبح مطالباً الآن بدفع إيجار شقة خارجية، وشراء عفش جديد بالكامل بدلاً من الذي تدمر، وتكاليف الفرح والديون تحاصره من كل جانب.
اقتربت منه بهدوء، وجلست على طرف المصطبة الأخرى. نظر إليّ بعينين ذابلتين، مليئتين بالغل والانكسار، وقال بصوت خافت:
“ارتحتي يا سماح؟ البيت اتخرب.. ومستقبلي ضاع.. والناس بقت تشاور عليا في الرايحة والجاية.”
نظرت إليه بلا رحمة، وقلت له بنبرة هادئة وعميقة:
“البيت متخربش يا كريم.. البيت اتطهر من طمعك. إنت اللي أردت الخراب لما فكرت ترمي أختك في أوضة من الطوب الأحمر عشان توفر تمن شقتك. المظلوم ملوش غير ربه، وربنا جاب لي حقي من غير ما أرفع عليك قشاية.”
وقف كريم فجأة، وبدت في عينه نظرة جنون أخيرة، كأن فكرة مرعبة قد طرأت على عقله للتخلص من هذا الكابوس الذي يلاحقه.. فكرة لو نفذها، ستنتهي قصتنا بنهاية لا تخطر على بال أحد!
برقت عينا كريم بنظرة غريبة لم أرها فيه من قبل، نظرة خلت تمامًا من العقل والتردد، وامتلأت بشر مستطير. اقترب مني ببطء وهو يهمس بصوت فحيح الأفاعي: “ماشي يا سماح.. البيت مرصود والجن غضبان ومش هعرف أسكن فيه.. بس لو أنا مش هعرف أسكن فيه وأتهنى بيه، يبقى محدش في الدنيا دي هيسكن فيه ولا هيقف على حيطانه من تاني!”
استدار كريم فجأة وجرى كالمجنون نحو المخزن الصغير الذي بناه في مدخل الأرض خلف غرفتي. دخل وخرج بعد ثوانٍ وهو يحمل جركنًا كبيرًا من الكيروسين (الجاز) الذي كان يستخدمه العمال في تشغيل الماكينات أثناء التوضيب.
أدركت فورًا ما ينوي فعله. صرخت فيه وأنا أجري نحوه: “إنت اتجننت يا كريم؟! هتعمل إيه؟! ده بيت أبوك وأمك!”
لكنه مكنش بيسمع. كان الغل والطمع لما يتحولوا لجنون بيعموا العين والقلب. بدأ يسكب الجاز بغزارة على عتبة البيت، ثم دفع الباب بقدمه ودخل الصالة وهو يفرغ الجركن على بقايا العفش المكسر والستائر الممزقة، حتى امتلأت رئة المكان برائحة الموت والاحتراق قبل أن تبدأ النيران.
أخرج من جيبه علبة كبريت، وبدون لحظة تراجع واحدة، أشعل عودًا ورماه في منتصف الصالة!
في ثوانٍ معدودة، اندلعت النيران كوحش كاسر أكل الأخضر واليابس. جدران البيت التي كانت حتى الأمس القريب تحمي طفولتنا، بدأت تتآكل، وألسنة اللهب بدأت تخرج من النوافذ لتلتهم سقف الخشب والبوص القديم.
صرخت بعلو صوتي وأنا أحاول الدخول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أي شيء يخص أمي، صورتها، ثيابها القديمة التي خبأتها في ركن الصالة. لكن كريم مسكني بقوة ورمااني على الأرض بعيدًا وهو يضحك بهستيرية: “خليه يتحرق! خليه يتساوى بالتراب! عشان الرصد والجن اللي جوه يتحرقوا معاه.. وعشان ترتاحي يا سماح!”
تجمع أهل القرية على صوت النيران وصراخي. بدأت جلبة كبيرة، والكل يحاول إطفاء الحريق بجرادل المياه والتراب، لكن النيران كانت أسرع من الجميع. في غضون ساعة، انهار السقف الخشبي بالكامل، وتحول بيت عمري وذكرياتي إلى كومة من التراب الأسود والدخان المتصاعد الذي يزكم الأنوف.
وقف الجميع في صدمة، وكريم كان يقف بعيدًا يدّعي البكاء والذهول أمام الناس ويصرخ: “بيتي اتقاد فيه النار لوحده! البيت مرصود يا ناس! الجن حرق البيت!”
انتهت الليلة، وغادر أهل القرية وهم يتهامسون برعب عن اللعنة التي حلت ببيت عائلة كريم وسماح. بقيت أنا وحدي، جالسة على الأرض المقابلة للرماد، ووجهي مغطى بالسواد، وعيناي تلمعان بدموع جافة من كتر القهر والغل. لقد حرق ذكرياتي، حرق الأمان الوحيد الذي كان متبقيًا لي من رائحة أمي وأبويا.
كريم كان يظن أنه بحرق البيت قد أنهى المعركة لصالحه؛ فلا أنا سأرث، ولا هو سيُطالب بالعيش فيه، وسيبدو أمام القرية كضحية للقوى الخفية مما يدفع أعمامي لمساعدته ماديًا لتبدأ حياته من جديد.
لكنه أخطأ مجددًا في تقديري.
في اليوم التالي، وبينما كان كريم يجلس في المقهى يستمع إلى تعاطف رجال القرية ويجمع تبرعاتهم ووعود أعمامي بمساعدته في دفع مقدم شقة جديدة لعروسته، دخلت أنا إلى وسط المقهى.
كان المقهى يعج بالرجال. صمت الجميع فجأة وهم ينظرون إليّ؛ فتاة في الثامنة عشرة، وحيدة، مكسورة، وملابسها ما زالت تحمل آثار رماد الحريق.
وقفت أمام كريم مباشرة، وكان في يدي كيس قماشي صغير قديم ومحروق الأطراف.
نظر إليّ كريم بضيق وقال بصوت منخفض: “إيه اللي جابك هنا يا بت؟ روحي على أوضتك!”
لم أتحرك خطوة واحدة. فتحت الكيس القمشي ببطء، وأخرجت منه شيئاً جعل وجه كريم يتحول من اللون الأسمر إلى البياض الشديد، وسقطت كوب الشاي من يد رئيس المقهى من فرط المفاجأة!
أخرجت من الكيس علبة حديدية صغيرة كانت أمي قد دفنتها تحت أرضية غرفتي القديمة قبل وفاتها بأيام، ولم يكن يعلم بمكانها أحد سواها.. وسواي أنا.
فتحت العلبة أمام عيون أعمامي ورجال القرية جميعاً، وأخرجت منها ورقة مطوية بعناية، وصحت بصوت هز أركان المقهى:
“يا أهل البلد! يا أعمامي اللي سيبتوني لقمة سائغة في يد كريم! كريم محرقش بيته.. كريم حرق بيتي أنا! دي ورقة تنازل وبيع وشراء رسمية بصمة عليها أمي الله يرحمها قبل ما تموت بأسبوع، ومسجلة بالشهر العقاري، بتكتبلي فيها البيت ده كامل مكمل كتعويض عن حقي الشرعي اللي كان عايز ياكله.. البيت ده كان بيتي قانوناً وشرعاً من قبل ما أمي تموت.. وكريم حرقه قاصد ومتعمد!”
ارتجف كريم ووقف صارخاً: “كدابة! الورقة دي مزورة!”
لكنني لم أعطه فرصة للتنفس؛ بل أخرجت من نفس الكيس شيئاً ثانياً لم يكن يتوقعه قط.. شيء سيهوي بكرامته ومستقبله إلى سابع أرض!
