خطيبة ابنى حكايات اسما 1

أحضر ابني خطيبته إلى البيت على العشاء… وعندما خلعت عباءتها، تعرفتُ على القلادة التي دفنتُها منذ خمسةٍ وعشرين عامًا… لم أشعر بهذا القدر من التوتر منذ سنوات طويلة.

 

كان ابني “ياسر” سيُحضر خطيبته إلى المنزل لأول مرة. قضيتُ النهار كله في المطبخ دجاج محمر، أرز بالخلطة، ومحشي كانت أمي دائمًا تطهوه في المناسبات. أردتُ أن يكون كل شيء مثاليًا. فعندما يقول ابنك الوحيد: “يمّه، هذه البنت اللي ناوي أتزوجها”، فأنتِ تأخذين الأمر بجدية.

 

كان اسمها “ليان”. بدت مؤدبة عبر الهاتف. صوتها هادئ، وكلامها راقٍ.

 

وعندما دخلا البيت، عانقتُ ابني أولًا… ثم رحبتُ بها.

 

ابتسمت لي بخجل وخلعت عباءتها.

 

وفي تلك اللحظة… رأيتها.

 

سلسلة ذهبية رفيعة، تتدلّى منها قلادة بيضاوية تستقر أسفل رقبتها مباشرة. حجر أخضر داكن في المنتصف، تحيط به نقوش صغيرة تشبه أوراق الزيتون.

 

تجمّد الدم في عروقي.لم تكن القلادة مجرد قطعة مشابهة.

 

كنت أعرف ذلك اللون الأخضر. أعرف تلك النقوش. وأعرف المفصلة الصغيرة المخفية على الجانب.

 

كانت تُفتح.مثل تعويذة قديمة.

 

قبل خمسةٍ وعشرين عامًا، وضعتُ تلك القلادة داخل قبر أمي بيديّ، في مقبرة العائلة بمدينة الموصل.

 

كانت إرثًا عائليًا تتناقله نساء العائلة منذ أجيال. لكن في ليلتها الأخيرة، أمسكت أمي يدي وهمست بصوت متعب:

 

“ادفنيني بها يا هناء… وخلي سرّها يندفن وياي.”

 

ورأيتُ النعش يُغلق.

 

ورأيتُ التراب يُهال فوق قبرها.

 

لم تكن هناك نسخة ثانية.

 

ولا يمكن أن تكون.

 

لابد أن وجهي شحب، لأن “ليان” لمست القلادة بابتسامة خفيفة وقالت:”قطعة قديمة… من زمن جدتي.”

 

أجبرتُ نفسي على التماسك وسألتها بصوت مرتجف:

 

“من أين حصلتِ عليها؟”ترددت لثانية واحدة فقط…

 

ثم نظرت إليّ مباشرة وقالت جملة جعلت الأرض تهتز تحت قدمي…

 

لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

الفصل الثاني

 

ابتسمت ليان ابتسامة هادئة وهي تلمس القلادة بأطراف أصابعها.

 

ثم قالت:

 

“ورثتها عن جدتي… وكانت دايمًا تقول لي: أوعي تفرطي فيها مهما حصل.”

 

شعرت بأنفاسي تتسارع.

 

قلت بصعوبة:

 

“وجدتك اسمها إيه؟”

 

ردت بسرعة:

 

“أمينة.”

 

الاسم لم يكن مألوفًا بالنسبة لي.

 

لكن ذلك لم يطمئنني.

 

بل زاد حيرتي.

 

جلست على الكرسي حتى لا تسقط قدماي من شدة الارتباك.

 

أما ياسر، فكان يظن أنني مرهقة بسبب تجهيز الطعام.

 

قال وهو يضحك:

 

“يمّه… واضح إنك تعبتي النهارده.”

 

أجبرته على الابتسام.

 

“شوية إرهاق بس.”

 

جلسنا على مائدة الطعام.

 

لكنني لم أتذوق لقمة واحدة.

 

كل نظرة كانت تذهب إلى القلادة.

 

كانت هي نفسها.

 

حتى الخدش الصغير الموجود بجانب الحجر الأخضر ما زال في مكانه.

 

أنا من أحدثته قبل أكثر من ثلاثين سنة عندما سقطت القلادة من يدي فوق أرضية المطبخ.

 

لا…

 

لم يكن هناك أي احتمال للخطأ.

 

بعد العشاء، استأذنت ليان لتساعدني في جمع الأطباق.

 

وجدتها فرصة.

 

دخلت معي المطبخ.

 

أغلقت الباب بهدوء.

 

ثم التفت إليها.

 

قلت:

 

“ممكن أشوف القلادة؟”

 

ابتسمت.

 

وفكتها من رقبتها دون تردد.

 

وضعتها في يدي.

 

أول ما لمستها…

 

شعرت برعشة سرت في جسدي كله.

 

قلبتها بين أصابعي.

 

ثم ضغطت على المفصلة الصغيرة.

 

انفتح الغطاء البيضاوي بنفس السهولة التي كنت أعرفها.

 

شهقت.

 

في الداخل…

 

كانت هناك صورة قديمة باهتة.

 

لكنها لم تكن صورة أمي.

 

كانت صورة لطفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات.

 

نظرت إلى ليان باستغراب.

 

قلت:

 

“مين الطفلة دي؟”

 

ابتسمت بحزن.

 

“أنا.”

 

أغلقت القلادة ببطء.

 

ثم سألتها:

 

“وجدتك قالت لك جابتها منين؟”

 

هزت رأسها.

 

“كل اللي أعرفه إنها كانت بتقول إن القلادة وصلت لها بعد حرب طويلة.”

 

ازدادت حيرتي.

 

قلت:

 

“يعني ما قالتش مين صاحبها الأول؟”

 

قالت:

 

“لأ.”

 

سكتنا للحظات.

 

ثم قالت فجأة:

 

“حضرتك ليه مهتمة بيها بالشكل ده؟”

 

نظرت إلى عينيها.

 

كان القرار صعبًا.

 

لكنني لم أستطع الكذب.

 

قلت بصوت منخفض:

 

“لأن القلادة دي… أنا دفنتها بإيدي مع أمي.”

 

تراجعت ليان خطوة للخلف.

 

حدقت في وجهي وكأنها لم تستوعب ما سمعته.

 

قالت:

 

“إزاي؟”

 

قصصت عليها كل شيء.

 

كيف أوصتني أمي أن تُدفن بها.

 

وكيف أغلقت القبر بنفسي.

 

وكيف لم تغادر القلادة ذلك النعش أبدًا.

 

عندما انتهيت…

 

كانت ليان شاحبة الوجه.

 

قالت وهي تهمس:

 

“يبقى في حد فتح القبر.”

 

الكلمات خرجت منها كالسهم.

 

شعرت بقلبي ينقبض.

 

لم أجرؤ حتى على التفكير في هذا الاحتمال طوال السنوات الماضية.

 

لكن الآن…

 

لم يعد هناك تفسير آخر.

 

في تلك اللحظة…

 

دخل ياسر المطبخ وهو يبتسم.

 

وقال:

 

“إيه يا جماعة؟”

 

أخفيت القلادة بسرعة داخل كف ليان.

 

وقلت بابتسامة مصطنعة:

 

“ولا حاجة… كنا بنتكلم عن الذهب القديم.”

 

لكنه لاحظ التوتر في وجوهنا.

 

وقال:

 

“في حاجة حصلت؟”

 

نظرت أنا وليان إلى بعضنا.

 

واتفقنا بصمت…

 

أن الحقيقة الكاملة…

 

لن تُقال الليلة.

 

لكن بعد أن غادر ياسر إلى غرفة الجلوس…

 

اقتربت مني ليان وهمست:

 

“أنا لازم أحكيلك حاجة.”

 

“جدتي قبل ما تموت بأسبوع…”

 

“اعترفت لي بسر احتفظت بيه أكتر من أربعين سنة.”

 

ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت:

 

“قالت إنها في إحدى ليالي الحرب… اشترت هذه القلادة من رجل كان يرتجف من الخوف، وأقسم لها أنه استخرجها من قبر قديم مقابل مبلغ كبير من المال.”

 

تجمدت الدماء في عروقي.

 

لأول مرة…

 

أدركت أن قبر أمي…

 

ربما لم يبقَ مغلقًا كما كنت أظن طوال خمسةٍ وعشرين عامًا…

الفصل الثالث

 

في تلك الليلة…

 

لم يغمض لي جفن.

 

بعد أن غادر ياسر وليان، بقيت جالسة في غرفة المعيشة، والبيت غارق في صمت ثقيل.

 

أمام عيني كانت صورة أمي وهي تمسك يدي على سرير المرض.

 

“ادفنيني بها يا هناء… وخلي سرها يندفن وياي.”

 

كنت أظن أنني نفذت وصيتها.

 

لكن الحقيقة التي سمعتها من ليان جعلت كل شيء يهتز.

 

مع أول ضوء للصباح…

 

أخرجت صندوقًا خشبيًا قديمًا من أعلى خزانتي.

 

كان صندوقًا لم أفتحه منذ سنوات.

 

فتحت القفل الصدئ.

 

وفي الداخل…

 

وجدت ألبوم الصور القديم.

 

وشهادة وفاة أمي.

 

وورقة مطوية بعناية.

 

كانت بخط يدها.

 

ارتجفت يداي وأنا أفتحها.

 

لم تكن وصية.

 

كانت رسالة.

 

“إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أن القلادة لم تعد معي.”

 

تجمدت مكاني.

 

كيف كتبت هذا؟

 

وكأنها كانت تعرف أن القلادة ستختفي يومًا ما.

 

أكملت القراءة.

 

“يا هناء… القلادة ليست أغلى ما أملك… لكنها تحمل شيئًا أخطر من الذهب.”

 

بدأت دقات قلبي تتسارع.

 

“داخل القلادة يوجد مفتاح صغير جدًا… لا يعرف بوجوده أحد غيري.”

 

نظرت إلى الورقة ثم إلى الفراغ أمامي.

 

مفتاح؟

 

أنا فتحت القلادة ليلة أمس.

 

ولم أرَ أي مفتاح.

 

أكملت القراءة بسرعة.

 

“إذا لم تجديه… فاعرفي أن أحدًا سبقك إليه.”

 

سقطت الرسالة من يدي.

 

إذن…

 

الشخص الذي فتح القبر لم يسرق القلادة فقط.

 

بل أخذ شيئًا من داخلها.

 

لكن ماذا كان يفتح ذلك المفتاح؟

 

في المساء…

 

اتصلت بليان.

 

طلبت منها أن تأتي وحدها.

 

وصلت بعد ساعة.

 

وضعت الرسالة أمامها.

 

قرأتها كاملة.

 

ثم رفعت رأسها وقالت:

 

“أنا عمري ما شفت أي مفتاح.”

 

قلت:

 

“أنا كمان.”

 

سكتت قليلًا.

 

ثم قالت:

 

“بس في حاجة نسيتها.”

 

نظرت إليها بسرعة.

 

قالت:

 

“جدتي كانت تحتفظ بصندوق حديدي قديم.”

 

“وكانت كل ما حد يسألها عنه تقول: مستني صاحبه الحقيقي.”

 

شعرت بقشعريرة.

 

“والصندوق فين؟”

 

قالت بحزن:

 

“بعد وفاتها، البيت اتباع.”

 

“بس أعتقد إن الصندوق لسه هناك.”

 

لم أتردد.

 

في صباح اليوم التالي…

 

أنا وليان سافرنا إلى الموصل.

 

كان البيت القديم يقع في زقاق ضيق لم يتغير كثيرًا.

 

الباب الخشبي أصبح باهتًا.

 

لكن البناء ما زال قائمًا.

 

طرقنا الباب.

 

فتح لنا رجل في الستين من عمره.

 

رحب بنا.

 

ولما سمع قصة ليان…

 

سمح لنا بالدخول.

 

قال:

 

“إحنا اشترينا البيت بكل اللي فيه.”

 

“وفي المخزن فعلًا صندوق حديدي قديم.”

 

قلبي كاد يقف.

 

أحضر الرجل الصندوق.

 

كان صغيرًا.

 

أسود اللون.

 

وعليه طبقة كثيفة من الصدأ.

 

قال:

 

“حاولت أفتحه كذا مرة.”

 

“لكن مفتحش.”

 

اقتربت منه.

 

مررت أصابعي على الغطاء.

 

وفجأة…

 

لاحظت نقشًا صغيرًا.

 

كان نفس نقش أوراق الزيتون الموجود على القلادة.

 

نظرت إلى ليان.

 

هي أيضًا لاحظته.

 

همست:

 

“يبقى المفتاح كان هنا.”

 

لكن المفتاح…

 

اختفى منذ خمسة وعشرين عامًا.

 

ظننت أن الطريق انتهى.

 

إلى أن قال الرجل فجأة:

 

“على فكرة…”

 

“وأنا بنضف المخزن من كام سنة…”

 

“لقيت ظرف قديم تحت الصندوق.”

 

ناولني الظرف.

 

كان مغلقًا بالشمع الأحمر.

 

وعليه بخط باهت ثلاث كلمات فقط:

 

“إلى هناء… إذا تأخرتِ.”

 

تجمدت في مكاني.

 

لم يكن أحد غير أمي…

 

يعرف أن اسمي هناء.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *