حكايات صافى هانى 3
علوان وقع على الأرض، والناس بدأت تتلم وتصرخ: «يموت! الحقوا يا ناس راجل بيتق*تل!».. الساحة اللي كانت من دقيقة هادية ومطمنة، اتتحولت لخرابة من الجري والخوف.
أنا مكنتش حاسس برجلي، كنت واقف في النص زي الصنم. عيني رايحة لعلوان اللي بيفرفر وبيرفص على الأسفلت والدم بيمشي بين رجلينا، ورايحة للزحمة اللي بلعت الراجل أبو جلابية بيضا في ثانية وكأن الأرض انشقت وبلعته.
لقيت إيد بتترعش وبتمسك في بنطلوني بكل قوتها.. بصيت تحت، لقيتها هي. الست اللي عشت سبعة وعشرين سنة فاكرها أمي، والنهاردة عرفت إنها يمكن تكون غربية عني.. بس نظرة عيونها الخضرا، نفس عيوني، مكانتش بتقول كدة! كانت بتنهج وتصرخ وهي حاطة إيدها على قلبها:
— «شريف.. متصدقوش.. علوان كداب.. كداب وعايز يخرب بيتك ويفضح أبوك.. أنت ابني.. أنت حتة مني يا ابني!»
شلت إيدها عني براحة، وأنا حاسس إن أي لمسة دلوقتي بتوجعني. رجعت خطوتين لورا، وبصيت لخطيبتي أسماء اللي كانت واقفة بعيد ووشها أصفر زي الليمونة ومش قادرة تنطق من منظر الدم ومن الكلام اللي سمعته.
في وسط الهيصة دي، وصوت سرينات الإسعاف والشرطة بدأ يظهر من بعيد ويقرب من الساحة، لقيت أمي (أو الست دي) بتطلع ورق مطبق ومتبهدل من كيس قماش قديم كانت مخبياه تحت هدومها، وقامت رامياه في حجري وهي بتقول بصوت مخنوق من البكا:
— «لو مش مصدقني.. خد ده.. ده ورق المستشفى الحقيقي اللي أبوك خبّاه عن علوان وعن الدنيا كلها.. اقراه وأنت هتعرف مين فيهم اللي كان بيحميك ومين اللي كان عايز يدبحك!»
خدت الورق وإيدي بتترعش، وجيت أفتح أول صفحة.. وفجأة، لقيت أمي بتمسك رقبتها، وعينها برقت لفوق، ونفَسها اتقطع ووقعت على سِيفها على الرصيف، من غير ما تنطق ولا كلمة زيادة!
#حكايات_صافي_هاني
الناس سابت علوان اللي قطع النفس، وبقوا يجروا على أمي.. الست اللي لسه مالحقتش أشبع من ريحة الفل والياسمين اللي فيها، ولقيتها بتضيع مني تاني ولتاني مرة في حياتي!
صرخت بعلو صوتي وسط الزحمة: «أميييي!».. رميت نفسي عليها على الرصيف، رفعت راسها على ركبتي وأنا بتهز كلي، وبقيت بضرب على وشي زي المجنون: «فوقي يا أمي.. متعمليش فيا كده.. متسيبنيش وسط كل السكاكين دي لوحدي!»
أسماء جِريت عليا وهي بتعيط، وقعدت على ركبها جمبي وبقت تقيس نبضها وإيدها بتترعش، وبصتلي وعيونها مليانة رعب وقالت: «النفس واقف يا شريف.. السكته القلبية خطفتها.. الصدمة كانت أكبر من قلبها الغلبان!»
صوت سرينات البوكس والإسعاف بقوا في قلب الساحة خلاص، والناس بدأت تتفرق وتوسع عشان العساكر والمسعفين اللي نازلين يجروا. في اللحظة دي، وأنا عيني غرقانة دموع وباصص لوشها المجهد اللي الشارع كل من نضارته، افتكرت الورق المطبق اللي رمتّه في حجري قبل ما تقع.
بسرعة ومن غير ما حد يلمحني، لميت الورق المتبهدل والدموع مغرقة الحبر اللي عليه، وحطيته في جيب جاكيت البدلة الداخلي.. الجيب اللي جه جهة قلبي بالظبط، وكأن الورق ده بقى هو النبض الوحيد اللي باقيلِي في الدنيا دي.
المسعفين شالوها على النقالة، والظابط بدأ يطلب بطاقتي وبطاقة أسماء عشان يستجوبنا كشهود عيان على ق*تلة علوان وعلى الوفاة. قضيت الساعات اللي بعد كده في القسم وكأني مغيب عن الوعي، بنطق كلام وبمضي على محاضر وأنا عقلي وروحي لسه هناك.. واقفين في ساحة الحسين تحت المئذنة.
على الفجر، رجعت بيتي.. البيت الكبير اللي أبويا مصطفى بناه من عرق جبينه وشقاه. دخلت مكتبي وقفت الباب ورايا بالمفتاح. السكون في البيت كان مرعب، وصورة أبويا اللي متعلقة على الحيطة بزيه الرسمي المبتسم، بقت بتبصلي بنظرة تانية خالص.. نظرة كلها أسرار وخبايا مكنتش بشوفها زمان.
قعدت على الكرسي، وطلعت الورق المطبق من جيب جاكيتي وإيدي لسه بتترعش. فردت أول صفحة براحة عشان متتقطعش، وكانت عبارة عن شهادة ميلاد قديمة جداً ومكتوبة بخط الإيد، وصادرة من نفس المستشفى الحكومي اللي علوان قال عليه..
نزلت بعيني على خانة اسم المولود، وبعدين خانة اسم الأب، وفجأة عيني برقت، والورقة وقعت من إيدي على المكتب وأنا مش قادر أصدق الاسم اللي قريته مكتوب في خانة الأب الحقيقي!
#حكايات_صافي_
الاسم اللي كان مكتوب في خانة الأب الحقيقي مكانش اسم أبويا مصطفى.. ولا كان خانة فاضية زي ما علوان حاول يلمّح. الاسم اللي هز كياني وخلّى الدم يتجمد في عروقي كان اسم “علوان نفسه”!
”علوان عبد الرحمن النجعاوي”.. الاسم كان مكتوب بخط إيد واضح وجنبه ختم المستشفى الباهت.
وقعت على الكرسي وضهري ساند لورا، وأنا حاسس إن الأوكسجين اتقطع عن الأوضة كلها. يعني علوان مكانش مجرد مبتز؟ علوان كان الأب الحقيقي اللي أبويا مصطفى دفع عمره وشقاه وفلوسه عشان يشتري سكوتُه ويحميني منه؟
افتكرت في ثانية كل نظرات الشماتة والغل اللي كانت في عين علوان وهو بيبصلي في الساحة.. وافتكرت صرخة أمي المكتومة ونَفَسها اللي اتقطع وهي بتحاول تمنعه إنه ينطق بالسر الكامل. هي مكانتش بتخبي عليا إني ابن حرام أو ابن شوارع.. هي كانت بتخبي عني إن الراجل الندل اللي واقف بيشمت فينا، الراجل اللي بيشحت على حسي بقاله سنين، هو نفس الراجل اللي رماني وأنا لحمة حمرا وباعني لأبويا مصطفى!
فتحت الصفحة التانية من الورق، وكانت عبارة عن مكاتبة قديمة بخط إيد أبويا مصطفى، الله يرحمه. كان كاتب فيها:
«أنا مش ندمان إني اشتريت ابني شريف بمالي وعمري.. علوان باع قطة لحم من صلبُه عشان يسدد ديونه، والست الغلبانة (أمي) ملهاش ذنب غير إنها وافقت تمثل دور الميتة عشان تضمن إن الواد يكبر في عز وبعيد عن أصل أبوه النجس.. سامحني يا رب لو كنت خالفت شرعك في التبني، بس أنا محرمتوش من أمه.. أنا حميته من أبوه».
الدموع نزلت من عيني زي المطر، بس المرة دي مكانتش دموع صدمة.. كانت دموع فخر بأبويا مصطفى، الراجل اللي بجد شال الشيل وصان الأمانة ورباني بنظافة لغاية ما بقيت شريف بيه.
لميت الورق كله في جيب وفجأة.. سمعت صوت خبط رزين وقوي على باب الشقة برة في وقت الفجر ده. قمت مشيت بخطوات تقيلة وفتحت الباب..
وقفت مكاني مذهول وأنا شايف قدامي الراجل أبو جلابية بيضا.. الراجل اللي ضرب علوان بالمطواة في وسط الساحة وهرب.. واقف قدام باب بيتي وحاطط إيده في جيبه وباصصلي وعيونه كلها غموض!
#حكايات_صافي_هاني..
الراجل أبو جلابية بيضا فضّل واقف مكانه، ملامحه كانت هادية لدرجة ترعب، وعيونه مفيهاش أي ندم على الروح اللي لسه مخلص عليها من كام ساعة.
حطيت إيدي على الباب وأنا سانده، وحبست نَفَسي وسألته بصوت متحشرج:
— «أنت مين؟ وعايز مني إيه؟ وأزاي عرفت مكان بيتي؟»
الراجل نزل إيده من جيبه، وبص حواليه في الممر الفاضي للتأكد إن مفيش حد، وقال بنبرة هادية وصعيدية أصيلة:
— «أنا ولد عمك يا شريف بيه.. علوان اللي مات ده يبقى أبوي أنا كمان، يعني أخوك في الدم اللي رماه زمان ومسألش فيه.. وعرفت طريقك لأن علوان مكانش وراه سيرة طول السنين اللي فاتت غيرك أنت وأبوك مصطفى الله يرحمه».
اتسعت عيني بذهول، وهو كمل وعينه فيها لمعة انكسار:
— «أنا مق*تلتوش عشان أخبيك، ولا عشان السر يندفن.. أنا قت*لته عشان أطهر عيلتنا من نجاسته. علوان مكانش بيبتز أبوك مصطفى وبس، علوان كان بيذل أمك اللي قاعدة في الشارع، وكان ناوي يجيلك بعد ما أبوك مات عشان يهد حياتك ويقولك يا تدفعلي ملايين يا هفضحك وسط ناسك والبيزنس بتاعك.. أنا قولت كفاية لحد كده، كفاية وسخ لحد هنا.. علوان عاش ينهش في الكل، وكان لازم يموت عشان الكل يرتاح.. أمك ترتاح في تربتها، وأنت تعيش نظيف زي ما أبوك مصطفى أراد ليك».
سكت الراجل شوية، وطلع من جيبه مفتاح قديم ومصدي، وحطه في إيدي:
— «ده مفتاح الأوضة اللي كان عايش فيها في السيدة زينب.. فيها كل الورق والمكاتبات اللي تخصك أنت وأبوك مصطفى.. روح خدهم واحرقهم يا شريف بيه، وم تخليش للماضي ده أثر في حياتك».
وقبل ما أنطق بكلمة واحدة، دار ضهره ومشي بخطوات سريعة ونزل السلم واختفى وسط ضلمة الفجر، وكأنه كان ملاك عذاب جِه عشان يقفل الصفحة دي للأبد.
وقفت في نص صالة بيتي، في إيد المفتاح المصدي، وفي جيب صدري ورق عمري الحقيقي. بصيت لصورة أبويا مصطفى المتعلقة على الحيطة، ودموعي نازلة بس المرة دي ابتسمت.. ابتسمت لأني عرفت إن الأب مش بالدم، الأب باللي صان، باللي ربى، باللي ضحى بعمره وفلوسه وسمعته عشان يخليني راجل واقف على رجلي.
نزلت على ركبي وصليت الفجر، ودعيت لأبويا مصطفى بالرحمة والمغفرة، ولأمي الغلبانة اللي ماتت مكسورة بالسلام.. وقررت إن من الصبح، هبدأ أدور على عيلة أمي الحقيقية وأكرمهم، وهقفل باب الماضي ده، وأعيش شريف الشريف.. زي ما أبويا مصطفى خطط لي بالظبط.
تمت..
#حكايات_صافي_هاني