حماتي اقتحمت شقتي 3

الموثق قلم حبر أسود حطه قدام هالة، والمكتب كله بقى ساكت، مستني كلمتي. بصيت للورق، وبصيت لنور بنتي اللي كانت بتبص حولين منها ببراءة ومش فاهمة إيه “التنازل” ولا إيه “البيع القطعي” اللي بيتكلموا عنه.

قربت من الكرسي المتحرك بتاع هالة، ونزلت لمستواها، مسكت إيدها اللي كانت بترتعش، وقولت بصوت هادي وفيه غصة: “أنا مسمحاكي يا طنط على اللي فات.. والمسامح كريم زي ما أمي بتقول دايماً. بس أنا مش هقبل إنك تتنازلي عن شقا عمرك لنور بالطريقة دي وأنتِ تحت ضغط المرض أو الإحساس بالذنب. إلغاء القضية والتوكيل ده حقنا وحق بيتي عشان نعيش في أمان، وده اللي هنعمله النهاردة. أما نصيبك في شقا عمرك، يفضل باسمك وبتاعك، وإحنا مش طمعانين في حاجة.”

المحامي سليم اتنفس الصعداء وبص لهالة كأنه بيقولها “سمعتي؟”، لكن هالة مسكت في إيدي بدموع وقالت بصوت مخنوق: “عشان خاطري يا بنتي.. لو ليا غلاوة عندك وافقي.. أنا مش ببيع الشقة عشان خايفة من الموت، أنا بكتبها لنور عشان أثبت لنفسي ولربنا إني اتطهرت من الغل اللي كان عمياني. الطفلة دي هي اللي أحيت قلبي لما كنت هموت لوحدي.”

كريم قرب وحط إيده على كتفي وقال ونبرة صوته كلها رجاء: “وافقي يا حبيبتي.. أمي عاوزه تعمل ده عشان ترتاح، وده حق نور برقبتنا كلنا بعد اللي شافتوه.”

بصيت للموثق وهزيت راسي بالموافقة وأنا دموعي نازلة. الموثق بدأ يكتب الإجراءات: إلغاء التوكيل للمحامي سليم، قفل القضية تماماً، وتنازل وبيع قطعي لنصيب هالة في الشقة لصالح الطفلة نور تحت ولاية أمها.

هالة مسكت القلم بإيدها اللي بترتعش، وبمساعدة كريم، بصمت ووقعت على الورق. في اللحظة دي، المحامي سليم أخد شنطته وخرج من المكتب وهو بيبرطم ومش فاهم إزاي الست القوية اللي كانت جاية تطرد مرات ابنها، بقت هي اللي بتأمن مستقبله ومستقبل بنتها.

رجعنا البيت، وكان التعب أخد من هالة كل مأخذ، بس وشها كان رايق وهادي، كأن جبل انزاح من على صدرها. شلناها ودخلناها أوضتها ترتاح، ونور جرت جابت لها كوباية مية وقعدت جنبها تقرأ لها قصة من كتابها الصغير.

تاني يوم، أمي جاتلنا البيت بعد ما كريم حكالها على كل اللي حصل في المحكمة. أمي دخلت أوضة هالة، وبصت لها بنظرة فيها احترام كبير، وقعدت جنبها على السرير وقالتلها: “النهاردة يا أم كريم، أنا أقدر أقول إنك وبنتي بقيتوا أب وأم بجد للأولاد، والي عملتيه ده عين العقل وأصل الأصول.. كبرتي في نظري ونظر ربنا قبل أي حد.”

هالة ابتسمت وقالت لها: “بنتك هي اللي علمتني الأدب يا أم … بأصلها وصبرها. أنا كنت فاكرة إن القوة بالفلوس والبيوت، طلعت القوة بالقلوب النضيفة.”

مرت الأسابيع، وهالة بدأت تتحسن أكتر وتعمل جلسات العلاج الطبيعي بانتظام، وبقت الحركة ترجعلها بالتدريج. الشقة المتواضعة بقت مليانة ضحك، ونور بقت متعلقة بـ “تيتة هالة” أكتر من أي حد، لدرجة إنها بقت تنام جنبها في الأوضة في بعض الليالي وهي حاضناها.

وفي يوم، وإحنا قاعدين كلنا بنشرب الشاي في الصالة بعد الغدا، وكريم بيضحك مع نور، جرس الباب رن.

قمت أفتح وأنا بالي مرتاح ومفيش في قلبي أي خوف. فتحت الباب، لقيت راجل شيك جداً، لابس بدلة كاملة، ومعاه كاتب وحامل حقيبة جلدية فخمة. الراجل بص في ورقة في إيده وقال بنبرة رسمية حادة:

“مساء الخير.. ده منزل المرحوم الحاج عبد العزيز، والد الأستاذ كريم؟”

كريم سمع الاسم وقام وقف بسرعة وجالي عند الباب وقال بقلق: “أيوة أنا ابنه.. خير يا فندم؟”

الراجل طلع بطاقة رسمية وقدمها لكريم وقال: “أنا المستشار القضائي لإدارة التركات.. إحنا جايين ننفذ حكم الحجر وبطلان التصرفات في أملاك المرحوم، بناءً على القضية المرفوعة من أعمامك من سنة، والنهاردة صدر حكم نهائي بالحجز على الشقة دي وكل ممتلكات والدك بسبب ديون وشيكات قديمة كان ماضي عليها قبل وفاته!”

وقع الخبر علينا كالصاعقة. بصيت لكريم اللي وشه ابيض تماماً، وبصيت ورايا لقيت هالة وقفت على رجليها من الصدمة وهي بتصرخ: “ديون إيه؟! وأعمامه إيه؟! الشقة دي برة التركة!”

المستشار بص للورق وقال ببرود: “الورق بيقول غير كده يا مدام.. الشقة دي مدونة كضمان تجاري، والتنفيذ هيبدأ من الأسبوع الجاي…”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

… “التنفيذ هيبدأ من الأسبوع الجاي، وإخلاء الشقة دي أمر حتمي بناءً على الصيغة التنفيذية الصادرة من المحكمة الكلية.”

الكلمات نزلت علينا زي المرزبة. كريم مسك الورق من إيد المستشار وهو بيقرأ والذهول معمي عينه، إيديه كانت بترتعش وعروق جبهته برزت وهو بيقول بصوت مكسور: “ديون إيه وضمان تجاري إيه؟! أبويا الله يرحمه مات بقاله سنين، والشقة دي إحنا شاريينها من حر مالنا أنا ومراتي.. أعمامي ملهمش دعوة بينا ولا ببيتنا!”

المستشار عدل نظارته وقال بجفاء عملي: “الأستاذ كريم، والدك الله يرحمه كان شريك مع أعمامك في شركة المقاولات القديمة، وقبل ما يموت بـ ست أشهر، كان ماضي على شيكات وضمانات بنكية للشركة بصفته الشريك المتضامن، والأوراق ثبتت إن الأرض اللي اتمولت بيها الصفقة دي، والشقة دي كانت من ضمن الأصول المسجلة في دفاتر الشركة القديمة قبل ما تنفصلوا. أعمامك خسروا القضية ضد البنك، فالمنفذين لجأوا للصيغة البديلة وهي الحجز على التركة وضماناتها. أنا ببلغكم بالصيغة الرسمية، والقرار معاكوا أهو.. قدامكم أسبوع واحد للإخلاء الودي أو الإشكال.”

الراجل لفت وضهره لينا ومشي هو والكاتب اللي معاه، وسابونا في الطرقة زي التماثيل اللي اتهدمت فوق رؤوس أصحابها.

كريم رزع الباب وسند ضهره عليه ونزل على الأرض وهو حاطط راسه بين ركبه وبيعيط بقهر: “شقا عمري.. شقا عمري بيروح عشان طمع أعمامي وغلطات قديمة ماليش ذنب فيها! أنا ومراتي طفحنا الدم عشان نشتري الشقة دي ونفرشها.. وبنتي نور لسه فرحانة بأوضتها!”

هالة كانت واقفة على رجليها وهي ساندة على الحيطة، دموعها كانت بتنزل بصمت وجسمها كله بيترعش. بصت لكريم وقالت بصوت متحشرج: “أعمامك؟ المحاضر ولاد أبويا؟ هما اللي بيعملوا فينا كده؟ طول عمرهم عيناهم على قرشنا، ولما لقوا أبوك مات سابوا لنا الديون وأخدوا هما الأراضي والشركات برا؟!”

جريت على كريم وحضنته وأنا بحاول أكون قوية، بس دموعي خانتني: “اهدى يا كريم.. اهدى يا حبيبي، ربنا مش بيسيب حد مظلوم. إحنا معانا ورقنا ومعانا عقد البيع والشراء بتاع الشقة، وأكيد فيه حل قانوني.”

في وسط الكابوس ده، أمي كانت لسه قاعدة في الصالة، قامت بهدوء وجت وقفت جنبنا، وبصت للورق اللي في إيد كريم وأخدته منه وقرأته بتركيز شديد. ملامح أمي كانت جادة وصارمة، وبصت لهالة وقالت لها: “امسحي دموعك يا أم كريم، العياط مش هيرجع حيطة، وإحنا ولاد عائلات وبنفهم في الأصول والقانون. الشقة دي مش هتروح، طالما وراها رجالة وستات بجد.”

بصينا لأمي بأمل، وكريم رفع راسه وقال لها: “يا طنط، المستشار بيقول إن الشقة مسجلة كضمان تجاري من سنين يعني قبل ما أنا أشتري نصيبي وقبل ما مراتي تكتب نصيبها، والقانون بيقدم حقوق الدائنين!”

أمي ابتسمت ابتسامة ثقة وقالت: “المستشار بيقول اللي في الورق اللي معاه.. بس هو ما يعرفش إن عقد البيع والشراء اللي بينك وبين صاحب العمارة الأصلي، وتاريخ تسجيل الشقة باسمك وباسم بنتي في الشهر العقاري، أقدم من تاريخ تجديد الضمان البنكي اللي أعمامك عملوه بعد وفاة أبوك! أعمامك زوروا تواريخ التجديد عشان يلبسوا التركة في الشقة ويهربوا هما بأملاكهم.”

هالة برقت عينها وقالت: “أنتِ عرفتي منين الكلام ده يا أم …؟”

أمي ردت بقوة: “لأن المرحوم جوزك قبل ما يموت، كان جاي لـ أخويا المحامي الكبير في المحطة، وكان سايب معاه نسخة من دفاتر الشركة القديمة وإخلاء طرفه من الضمانات دي عشان كان حاسس بغدر إخواته! الأوراق دي لسه في مكتب أخويا ومتشالة في الحفظ والصون.”

الأمل رجع ينور في عيوننا من تاني كأن الروح ردت فينا. كريم قام وقف وباس راس أمي وهو مش مصدق: “بجد يا طنط؟! يعني الأوراق دي تقدر توقف الحجز؟”

أمي هزت راسها وقالت: “توقف الحجز وتودّي أعمامك في داهية بتهمة التزوير والنصب كمان. بكرة الصبح من النجمة، هأخدك أنت والورق ونروح لأخويا المستشار، ونرفع قضية إشكال وقف تنفيذ مستعجل وبطلان قرار الحجز.”

هالة جرت على أمي وحضنتها وهي بتبكي بفرحة وتقولها: “الله ينور عليكي يا بنت الأصول.. أنتِ مش بس أنقذتي بنتي ونور، أنتِ بتنقذي شرف اسم جوزي الله يرحمه من غدر إخواته.”

نور الصغيرة كانت واقفة بعيد، شافت الضحكة بدأت ترجع على وشوشنا، فجرت وحضنتنا كلنا في وسط الصالة، وبدأنا نحس إن البيت ده مبروك ومفيش قوة في الدنيا هتقدر تفرقنا طول ما إحنا إيد واحدة.

تاني يوم، كريم وأمي راحوا للمحامي وبدأوا الإجراءات القانونية فوراً، والمحامي طمنهم إن موقفنا قوي جداً والورق القديم يعتبر قنبلة موقوتة في وش الأعمام.

مرت الأيام صعبة وإحنا منتظرين جلسة الإشكال ووقف التنفيذ، وهالة كانت بتدعي في كل صلاة وبتقوم الليل عشان ربنا ينصرنا. وفي ليلة الجلسة، وإحنا قاعدين مستنيين الصبح يطلع عشان نروح المحكمة، جرس الباب رن في وقت متأخر من الليل.

كريم قام فتح الباب وهو قلقان، ولقى واقف قدامه عمّه الكبير “توفيق”.. ومعاه اتنين رجالة ضخام باين عليهم الشرر، وتوفيق باصص لكريم بنظرة كلها تهديد وشر وقال بصوت غليظ:

“سمعنا إنك رايح المحكمة بكرة بورق قديم يا كريم.. لو الورق ده ظهر في الجلسة، اعتبر إن حياتك وحياة مراتك وبنتها هي الثمن!”

كريم وقف زي الأسد في مواجهة عمه، مرجعش خطوة لورا، وصوته طلع جهوري زلزل ريسبشن الشقة: “أنت بتهددني في بيتي يا عمي؟ بتهددني بمراتي وبنتي بعد ما سرقتوا أبويا الله يرحمه وعاوزين ترمونا في الشارع؟! أعلى ما في خيلكم اركبوه، والورق اللي هيوديكم في داهية هيتقدم بكرة للقاضي، والشرطة هي اللي هتصرف معاكم!”

توفيق وشه اسودّ من الغل، وبص لكريم بنظرة حقد وقال بصوت مكتوم وفيه شر: “ماشي يا ابن عبد العزيز.. إحنا قصرنا معاك السكة وجينا بالود، طالما اخترت الدبح، يبقى متلومش غير نفسك.”

لف توفيق والرجالة اللي معاه ونزلوا على السلم بسرعة، وكريم رزع الباب وراه وهو بيلهث، وجسمه كله مشحون بالغضب والخوف علينا. أنا جريت عليه وكنت بترعش، ونور لمت في حضني وهي بتعيط من صوت الزعيق، أما هالة فكانت واقفة وعينها مليانة دموع وقالت بصوت مكسور: “يا مري.. توفيق ده ميعرفش ربنا يا كريم، ده ممكن يعمل أي حاجة عشان الفلوس، أنا خايفة عليكم يا ابني.”

في اللحظة دي، أمي طلعت من المطبخ بكل ثبات، وبصت لكريم وقالتله بلهجة صارمة: “ماتخافش يا كريم، الكلب العواي مبيعضش.. هو لو كان يقدر يعمل حاجة مكنش جالك في نص الليل يتسول منك الورق بالتهديد. هو مرعوب لأن بكرة نهايتهم. ادخلوا ناموا، والحي القيوم مش بينام.”

محدش فينا داق النوم الليلة دي. الكل باصص في السقف ومستني نور الصبح يشق.

الساعة جات تمانية الصبح، لبسنا كلنا.. كريم وأنا وأمي، وصممنا نأخد هالة ونور معانا مش هنفارق بعض خطوة واحدة، وركبنا وروحنا على مجمع المحاكم. المكان كان زحمة ويموت من التوتر. المحامي، خال عيالي وأخو أمي الكبير، كان مستنينا ويده في جيبه وملامحه واثقة جداً.

دخلنا قاعة المحكمة، ولقينا توفيق قاعد في المصف الأول ومعاه المحامي بتاعه، وأول ما شافنا دخلنا ومعانا هالة على الكرسي المتحرك، عينيه زاغت وبان عليه القلق، خصوصاً لما شاف أخو أمي المستشار القديم وهو داخل وشنطته مليانة مستندات.

الحاجب نادى على القضية: “القضية رقم 412 إشكال وقف تنفيذ حجز!”

وقفنا كلنا قدام منصة القاضي. محامي الأعمام بدأ يتكلم ويقدم الأوراق الرسمية ببرود: “يا سيادة القاضي، معانا حكم نهائي وتطبيقي بالحجز على العقار بناءً على ديون الشركة المسجلة كضمان تجاري باسم الشريك المتضامن المرحوم عبد العزيز، والإجراءات قانونية وسليمة 100%.”

القاضي بص في الورق، وبعدين بص لخال مراتي وقال: “دفاع المستشكل، عندك رد؟”

خال أمي قرب بكل هيبة، وطلع ملف من الشنطة وحطه قدام القاضي وقال بنبرة واثقة زلزلت القاعة: “نعم يا سيادة القاضي.. نقدم لعدالتكم أصل دفاتر الشركة القديمة ومستند إخلاء طرف رسمي وموثق من المرحوم عبد العزيز قبل وفاته بـ ستة أشهر، والثابت فيه بطلان أي ضمانات تجارية تُبرم بعد هذا التاريخ باسمه. والأهم من ذلك…”

خال أمي طلع ورقة تانية وحطها فوق الملف وكمل: “نقدم تقرير خبير خطوط رسمي يثبت إن تواريخ تجديد الضمان البنكي اللي قدموه الأعمام تم تزويرها بالكامل بعد الوفاة بسنتين، لإلباس الديون في تركة المرحوم وتهريب أملاكهم الخاصة. وبناءً عليه، نطلب بطلان الحجز، وتحويل المستندات للنيابة العامة بتهمة التزوير والنصب والاحتيال!”

محامي الأعمام وشه جاب ألوان وبدأ يتلعثم، وتوفيق قام وقف في القاعة وهو مبرق ومش مصدق إن السر القديم ده انكشف بالبساطة دي. القاضي بدأ يراجع الورق بتركيز شديد، وعينيه كانت بتتحرك بين المستندات وتقرير الخبير، والقاعة كلها بقت ساكتة سكوت الموت.. الكل مستني النطق بالحكم اللي هيحدد مصير بيتنا وحياتنا.

القاضي رفع راسه، وبص لتوفيق بنظرة حاسمة، وضغط بالشاكوش على المنصة وقال: “حكمت المحكمة بقبول الإشكال شكلاً، وفي الموضوع بوقف تنفيذ حكم الحجز على العقار تماماً، وبطلان كافة الإجراءات المتخذة ومصادرة المستندات المزورة، وإحالة الأوراق للنيابة العامة للتحقيق في واقعة التزوير ضد المستشكل ضدهم!”

صوت زغروطة هزت قاعة المحكمة.. كانت أمي وهالة بيزعقوا من الفرحة والدموع مغرقة وشوشهم. كريم أخدني في حضنه وهو بيبكي زي العيل الصغير ويقول: “حقنا رجع يا حبيبتي.. بيتنا رجع لنا ومحدش هيقدر يخرجنا منه!”

توفيق وقع على الكرسي والمحضرين قربوا منه عشان يتحفظوا عليه بناءً على قرار الإحالة للنيابة، وبص لكريم بنظرة انكسار وهزيمة كاملة.

خرجنا من باب المحكمة وإحنا حاسين إننا طايرين في السما، هالة مسكت إيد أمي وبستها وهي بتقول: “أنتِ أختي وسندي يا أم … الله ينصرك زي ما نصرتينا.” وأمي ابتسمت وقالت: “البيت اللي يتبني على أصل وصبر، ميهدهوش طمع البني آدمين.”

رجعنا شقتنا، ونور جرت على أوضتها تفتح الشبابيك وتتفرج على الفراشات اللي على الحيطة وهي بتضحك. قعدنا كلنا في الصالة بنشرب الشاي وإحنا مش مصدقين إن الكابوس انتهى والصفحة دي اتقفلت للأبد.

لكن في وسط الفرحة دي، تليفون كريم رن، بص للرقم ولقاه رقم غريب، رد واستمع دقيقة كاملة ووشه ملامحه اتغيرت من الفرحة للذهول التام، وقفل السكة وبص لنا كلنا وقال بصوت مهزوز:

“مش هتصدقوا مين اللي مات النهاردة في السجن.. ومين اللي ساب وصية تانية هتقلب حياتنا كلنا من جديد!”

… وقفل السكة وبص لنا كلنا وقال بصوت مهزوز:

“أعمامي الاتنين الباقيين كلموني.. عمي توفيق جاله هبوط حاد في الدورة الدموية ومات في الحجز أول ما وصل النيابة من الصدمة والخوف من السجن.”

الكل شهق وصمت تقيل لف المكان، لكن كريم كمل وعينه مبرقة بالذهول: “بس مش ده كل حاجة.. المحامي اللي كان معاه كلمني وقال إن عمي توفيق، قبل ما يدخل في الحوار ده كله ومن سنة كاملة لما عرف إنه عيان وهيموت، كتب وصية رسمية وشالها عند محامي تاني خالص غير سليم وغير محامي القضية. وصية بيعترف فيها بكل قرش سرقوه من أبويا أنا وأمي، وكاتب فيها تنازل عن فيلا العائلة الكبيرة في المجمع السكني الجديد باسمي أنا ونور بنتي كنوع من التكفير عن ذنبه قبل ما يقابل ربنا!”

هالة حطت إيدها على بقها وبدأت تبكي بنحيب، مكنتش بتبكي على الفلوس، كانت بتبكي على أخوها اللي ضيع عمره في الطمع ومات مكسور، بس ربنا أراد يرجع الحق لأصحابه حتى لو بعد حين.

أمي قامت من مكانها، وقربت من كريم وطبطبت على كتفه وقالت بوقار وحكمة: “سبحان المذل المعز.. اللي يمهل ولا يهمل. عمك قابله ربنا بذنبه، والملك رجع لأصحابه لأنكم صنتوا الأصول، وربنا جعل الطفلة اليتيمة دي سبب في فتح أبواب الرزق والرحمة للبيت ده كله.”

كريم بصلي وعيونه مليانة دموع وفرحة لا توصف، قرب مني ومن نور، وأخدنا إحنا الاتنين في حضنه قدام أمه وأمي، وقال بصوت مخنوق من التأثر: “أنا كنت فاكر إني داخل البيت ده عشان أستر عليكي وعلى بنتك يا حبيبتي.. مكنتش عارف إن ربنا بعتكم ليا عشان تكونوا أنتم الستر والأمان والرزق اللي هيغير حياتي وحياة أمي للأبد.”

بصيت لنور اللي كانت بتضحك وسط حضننا، وبصيت لأمي اللي واقفة زي الجبل الشامخ، ولهالة اللي وشها بقى مليان رضا وتسامح.. وحمدت ربنا من كل قلبي.

العاصفة مش بس عدت، العاصفة طهرت النفوس، ورجعت الحقوق، وأثبتت إن القلوب الطاهرة والنوايا الصافية هي اللي بتنتصر في الآخر. الشقة المتواضعة اللي بدأت فيها حكايتنا بورق حائط وفراشات ملونة، بقت هي الشاهد على ولادة عائلة حقيقية مش بيجمعها الدم بس.. بيجمعها الحب، والأصل، والمسامحة.

**تمت**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *