تجاوزت حكايات اسما 2
الفصل الثالث
كانت يداي ترتجفان وأنا أحدق في ورقة التحليل.
حامل.
كلمة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية لتقلب حياتي كلها رأسًا على عقب.
خرجت من العيادة أمشي بلا هدف.
الناس من حولي يتحركون بصورة طبيعية بينما كنت أشعر أن العالم كله توقف.
قبل أسابيع قليلة فقط كنت زوجة.
كنت أحلم ببيت وأسرة ومستقبل.
والآن أصبحت مطلقة تحمل طفلًا من رجل لا يريد حتى أن يسمع صوتها.
جلست على أحد المقاعد في الحديقة القريبة من المستشفى.
وضعت يدي فوق بطني.
ولأول مرة منذ شهور شعرت بشيء يشبه الأمل.
مهما حدث بيني وبين كريم.
ومهما كانت قسوته.
فهذا الطفل لا ذنب له.
وكان عليّ أن أكون قوية من أجله.
عدت إلى بيت أهلي وأخفيت الخبر عدة أيام.
كنت أحتاج إلى وقت لأستوعب ما حدث.
لكن القدر لم يمنحني هذا الوقت.
بعد ثلاثة أيام فقط فوجئت بجرس الباب.
فتحت أمي.
ثم عادت تنظر إليّ بدهشة.
وقالت:
“في واحدة عايزاكي.”
خرجت لأرى من تكون.
فتجمدت في مكاني.
كانت أم كريم.
لأول مرة منذ عرفتها بدت مختلفة.
لم تكن تلك المرأة المتعالية الواثقة من نفسها.
كان وجهها شاحبًا.
وعيناها ممتلئتين بالخوف.
دخلت وجلسنا في الصالة وسط صمت ثقيل.
ثم قالت بصوت خافت:
“أنا غلطت.”
لم أصدق ما سمعته.
كانت هذه أول مرة تعترف فيها بخطأ.
رفعت رأسي أنظر إليها.
فأكملت وهي تبكي:
“أنا السبب في اللي حصل.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وقالت:
“أنا اللي عرفت كريم على سمر.”
ساد الصمت.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف.
قلت ببطء:
“إيه؟”
أخفضت رأسها.
وقالت:
“في البداية كنت فاكرة إنها بنت محترمة.”
ثم سكتت لحظة.
وأكملت:
“الحقيقة إني كنت عايزة أبعده عنك.”
كانت الكلمات تسقط كالحجارة.
قالت إنها لم تكن راضية عن زواجنا منذ البداية.
وأنها كانت تعتقد أن ابنها يستحق امرأة أخرى.
وحين تعرفت على سمر من خلال إحدى معارفها بدأت تمدحها أمام كريم باستمرار.
وفي البداية لم يكن يهتم.
لكن مع الوقت بدأ يلتقي بها.
ثم أصبحت جزءًا من حياته.
ثم تحول كل شيء إلى كارثة.
قالت وهي تبكي:
“كنت فاكرة إنها هتبعده شوية وخلاص.”
ثم رفعت رأسها وقالت:
“بس البنت دي دمرت ابني.”
علمت منها أشياء صادمة.
كريم لم يعد يقضي وقته معها فقط.
بل بدأ يبتعد عن الجميع.
عن أصدقائه.
عن عائلته.
حتى عن أمه نفسها.
كان يعطيها المال باستمرار.
ويشتري لها أشياء باهظة الثمن.
ويرفض الاستماع لأي نصيحة.
وفي كل مرة تحاول أمه تحذيره كان يطردها من أمامه.
بل وصل الأمر إلى أنه قطع علاقته بها بالكامل.
قالت:
“بقى يكرهني.”
وانفجرت بالبكاء.
في تلك اللحظة لم أشعر بالشماتة.
رغم كل ما فعلته.
كانت تبدو كأم ترى ابنها يضيع أمامها.
وبعد ساعات طويلة من الحديث أخبرتها بالحقيقة.
أخبرتها أنني حامل.
رفعت رأسها فجأة.
واتسعت عيناها.
ثم انفجرت بالبكاء مرة أخرى.
وقالت:
“يعني عندي حفيد؟”
هززت رأسي.
فسقطت دموعها بغزارة.
ولأول مرة منذ سنوات شعرت أن هذه المرأة ندمت حقًا.
لكن المشكلة لم تكن في الندم.
المشكلة كانت في كريم.
كان يغرق أكثر كل يوم.
وبعد أسبوعين فقط وصلتنا أخبار مرعبة.
سمر بدأت تستولي على أمواله.
باع سيارته الفاخرة.
سحب مبالغ ضخمة من حساباته.
بدأ يهمل عمله.
وغاب عن شركته أيامًا متتالية.
حتى إن مجلس الإدارة بدأ يتحدث عن عزله من منصبه.
الرجل الناجح الذي كان الجميع يحترمونه أصبح نسخة محطمة من نفسه.
وفي إحدى الليالي رن هاتفي فجأة.
رقم مجهول.
ترددت قبل الرد.
لكنني أجبت في النهاية.
جاءني صوت متعب أعرفه جيدًا.
كان كريم.
ساد الصمت بيننا عدة ثوان.
ثم قال:
“أنا تعبان.”
أغمضت عيني.
كان صوته مختلفًا.
ضعيفًا.
مكسورًا.
بعيدًا عن ذلك الغرور الذي كان يتحدث به أثناء الطلاق.
قلت ببرود:
“عايز إيه؟”
سكت طويلًا.
ثم قال:
“مش عارف.”
وبدا كأنه يبكي.
لأول مرة منذ شهور شعرت أن شيئًا ما بدأ يتغير.
لكنني كنت أعرف أن الطريق لا يزال طويلًا.
طويلًا جدًا.
وفي الوقت نفسه كانت سمر تكتشف أمر الحمل.
وتدرك أن وجود طفل من كريم يعني وجود وريث قد يهدد أحلامها كلها.
ومنذ تلك اللحظة بدأت تخطط لشيء جديد.
شيء أخطر بكثير مما فعلته من قبل.
شيء سيجعل المواجهة القادمة الأعنف على الإطلاق.
وفي صباح اليوم التالي وصلتني رسالة مجهولة.
فتحتها.
فوجدت بداخلها صورة.
صورة لكريم.
لكنه لم يكن وحده.
وكان ما ظهر في الصورة كافيًا ليجعل الدم يتجمد في عروقي.
لأن كريم بدا وكأنه محتجز في مكان لا أعرفه.
وعلى وجهه آثار إصابة واضحة.
أما الرسالة المكتوبة أسفل الصورة فكانت أكثر رعبًا.
“إذا أردتِ إنقاذه… تعالي وحدك.”
يتبع…الفصل الرابع
ظللت أحدق في الصورة عدة دقائق غير قادرة على استيعاب ما أراه.
كان كريم جالسًا على كرسي خشبي قديم داخل غرفة مجهولة.
وجهه شاحب.
ملابسه غير مرتبة.
وتوجد آثار كدمات واضحة حول عينه.
أما الرسالة المكتوبة أسفل الصورة فكانت قصيرة ومخيفة:
“إذا أردتِ إنقاذه فتعالي وحدك.”
شعرت بأنفاسي تتسارع.
ورغم كل ما فعله بي.
ورغم الطلاق.
ورغم الإهانة التي عشتها بسببه.
لم أستطع أن أتجاهل الصورة.
في النهاية كان الرجل الذي أحببته يومًا.
ووالد طفلي الذي لم يولد بعد.
اتصلت بأم كريم فورًا.
وعندما رأت الصورة أطلقت صرخة مرتعبة.
وقالت:
“لازم نعرف هو فين.”
قضينا ساعات نحاول الوصول إليه.
لكن هاتفه كان مغلقًا.
وأصدقاؤه لا يعرفون عنه شيئًا.
حتى شركته أكدت أنه لم يذهب إلى العمل منذ أيام.
بدأ الخوف يتحول إلى حقيقة مرعبة.
كريم اختفى.
وفي تلك الليلة لم أنم.
كنت أفكر في كل ما حدث منذ بداية الكارثة.
كيف تحول شاب ناجح ومحبوب إلى شخص محطم خلال أشهر قليلة.
كيف خسر بيته وزواجه وعمله وأصدقاءه.
وكيف انتهى به الحال مختفيًا لا يعرف أحد مكانه.
وفي صباح اليوم التالي قررت الذهاب إلى العنوان المرفق مع الرسالة.
رغم اعتراض الجميع.
أصررت على الذهاب.
لكنني لم أكن متهورة.
أخبرت والدتي وأم كريم بالمكان.
وطلبت منهما إبلاغ الشرطة إذا تأخرت.
وصلت إلى منطقة قديمة على أطراف المدينة.
شوارع ضيقة.
ومبانٍ متهالكة.
وأجواء جعلتني أشعر بعدم الارتياح منذ اللحظة الأولى.
كان العنوان يقود إلى منزل قديم شبه مهجور.
طرقت الباب.
ففتحته امرأة أعرفها جيدًا.
سمر.
ابتسمت ابتسامة باردة وهي تنظر إلي.
وقالت:
“أهلا بالمطلقة.”
حاولت التماسك.
وسألتها مباشرة:
“فين كريم؟”
ضحكت.
ثم تنحت جانبًا.
وقالت:
“اتفضلي.”
دخلت بحذر.
وكانت المفاجأة أن كريم لم يكن محتجزًا كما ظننت.
بل كان موجودًا بالفعل.
لكن حالته كانت صادمة.
جلس على أريكة قديمة شارد الذهن.
ضعيفًا.
هزيلًا.
وكأنه فقد سنوات من عمره خلال أشهر قليلة.
نظر إلي للحظات طويلة.
ثم قال بصوت مبحوح:
“ليلى؟”
كانت تلك أول مرة ينطق اسمي فيها منذ الطلاق بهذا القدر من الهدوء.
اقتربت منه.
لكن سمر وقفت بيننا.
وقالت بحدة:
“هو دلوقتي بتاعي.”
شعرت بالغضب يتصاعد داخلي.
لكنني لم أرد.
أما كريم فظل صامتًا.
وكأنه عاجز عن اتخاذ أي قرار.
وأثناء الحديث بدأت أفهم الحقيقة كاملة.
سمر لم تكن تحب كريم أصلًا.
كل ما كانت تريده هو أمواله.
استنزفته ماليًا.
وأقنعته ببيع أشياء كثيرة.
وأبعدته عن كل شخص يهتم به.
وعندما بدأت أمواله تقل.
بدأت معاملتها له تتغير.
حتى صار يعيش في ذلك المكان البائس بدلًا من بيته.
خرجت من المنزل يومها وأنا أشعر بالحزن أكثر من الغضب.
لأنني رأيت النهاية التي وصل إليها.
ورأيت كيف يمكن للإنسان أن يدمر نفسه عندما يسلم عقله لمن يستغله.
لكن القدر كان يخبئ مفاجأة أخرى.
بعد أيام قليلة تعرض كريم لأزمة صحية مفاجئة.
ونقل إلى المستشفى.
وهناك حدث شيء غير متوقع.
عندما فتح عينيه بعد ساعات من العلاج.
طلب رؤيتي.
أنا.
وليس سمر.
وعندما دخلت الغرفة نظر إلي طويلًا.
ثم بدأت الدموع تنزل من عينيه.
لأول مرة منذ سنوات.
قال بصوت مكسور:
“سامحيني.”
لم أتكلم.
كنت أنتظر.
فأكمل:
“أنا ضيعت كل حاجة.”
وبدأ يحكي.
حكى عن الشهور الماضية.
عن الندم.
عن العزلة.
عن الشعور الدائم بالضياع.
عن كل ليلة كان يستيقظ فيها ويشعر أن حياته تنهار أكثر.
وقال شيئًا جعل الدموع تملأ عيني.
قال:
“كنت فاكر إني كسبان… وفي الحقيقة كنت بخسر نفسي.”
ساد الصمت طويلًا.
ثم أخبرته بالحقيقة.
حقيقة الحمل.
في البداية لم يستوعب.
ظل ينظر إليّ عدة ثوان.
ثم قال:
“أنا… هبقى أب؟”
هززت رأسي.
فانفجر بالبكاء.
بكاءً لم أتخيل يومًا أن أراه منه.
وكانت تلك اللحظة بداية طريق طويل نحو إصلاح ما تحطم.
لكن الطريق لم يكن سهلًا.
لأن سمر عندما علمت بالحمل.
وعلمت أن كريم بدأ يبتعد عنها.
قررت الانتقام.
وفي ليلة عاصفة وقبل أشهر قليلة من ولادتي.
فعلت شيئًا جعل الجميع يدخل في أخطر مواجهة منذ بداية القصة.
شيئًا أوصل الأحداث إلى نقطة لم يعد بعدها مجال للهروب.
وبدأت المعركة .
يتبع بالفصل الخامس الفصل الخامس
لم تكن سمر امرأة تعرف معنى الهزيمة.
منذ اللحظة التي دخلت فيها حياة كريم كانت تنظر إليه كغنيمة لا كرجل.
كانت ترى الأموال قبل أن ترى الإنسان.
وترى النفوذ قبل أن ترى القلب.
وعندما بدأ كريم يستعيد شيئًا من وعيه بعد أزمته الأخيرة أدركت أن قبضتها عليه تضعف يومًا بعد يوم.
كانت تراقبه.
وتراقب تحركاته.
وتعرف أنه عاد يتواصل مع بعض أصدقائه القدامى.
وتعرف أنه بدأ يراجع حساباته.
وتعرف أيضًا أنه علم بحملي.
وهنا تحديدًا بدأت تخاف.
لأن الطفل القادم لم يكن مجرد طفل.
بل كان رابطًا جديدًا بيني وبين كريم.
رابطًا لا تستطيع قطعه مهما حاولت.
في تلك الأيام كان كريم يعيش حالة من الصراع لم أرها من قبل.
كان يجلس بالساعات في مكتبه القديم داخل الشركة.
ينظر إلى الملفات المتراكمة أمامه.
يحاول إصلاح ما أفسده خلال الأشهر الماضية.
لكن الخسائر كانت أكبر مما توقع.
بعض العملاء انسحبوا.
بعض الشركاء فقدوا الثقة.
وأموال كثيرة اختفت في أماكن لا يعلمها.
وكان يعرف جيدًا أين ذهبت.
ذهبت إلى سمر.
أما أنا فكنت أحاول أن أعيش بهدوء من أجل طفلي.
لكن الهدوء لم يكن يريد أن يزور حياتي.
في أحد الأيام كنت عائدة من مراجعة طبية عندما شعرت بأن سيارة تسير خلفي.
في البداية تجاهلت الأمر.
لكن السيارة ظلت خلفي طوال الطريق.
وعندما اقتربت من منزل أهلي توقفت فجأة.
ونزلت منها امرأة.
عرفتها فورًا.
كانت سمر.
تجمد الدم في عروقي.
أما هي فابتسمت ابتسامة باردة.
وقالت:
“مبروك الحمل.”
شعرت بقبضة في صدري.
قلت بحذر:
“عايزة إيه؟”
اقتربت خطوة.
وقالت:
“عايزة أقولك إن كريم عمره ما هيرجعلك.”
ثم ضحكت.
واستدارت لتغادر.
لكن قبل أن تركب السيارة التفتت نحوي وقالت:
“إنتِ لسه ما تعرفيش حاجة.”
وغادرت.
تركتني واقفة في الشارع وقلبي ينبض بعنف.
ومنذ تلك اللحظة بدأ القلق يزداد داخلي.
كانت تعرف شيئًا.
شيئًا لا أعرفه.
وفي الوقت نفسه كانت أم كريم تمر بأسوأ أيام حياتها.
كانت تعيش وسط ندم لا ينتهي.
كل ليلة كانت تسترجع اللحظة التي دفعت فيها ابنها للتعرف على سمر.
كل كلمة قالتها ضدي.
كل مرة حاولت فيها إفساد علاقتنا.
وكلما رأت صورة كريم وهو ينهار أمامها شعرت أن جزءًا من روحها يحترق.
وفي إحدى الليالي اتصلت بي.
كان صوتها مرتجفًا.
وقالت:
“لازم أشوفك.”
ذهبت إليها في اليوم التالي.
وعندما دخلت منزلها وجدتها مختلفة.
بدت أكبر بعشر سنوات كاملة.
وجهها شاحب.
وعيناها غارقتان في التعب.
جلست أمامي بصمت طويل.
ثم فتحت درجًا صغيرًا وأخرجت ملفًا قديمًا.
وضعته أمامي.
وقالت:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
نظرت إليها باستغراب.
فقالت:
“سمر ما دخلتش حياة كريم بالصدفة.”
شعرت أن قلبي توقف.
وأكملت:
“في حد كان بيمولها.”
ساد الصمت.
ثم قالت اسمًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
كان أحد أقارب كريم.
رجل دخل في صراعات مالية قديمة مع العائلة.
وكان يحمل حقدًا كبيرًا تجاه والده.
ومن خلال شهور طويلة خطط لإفساد حياة كريم بالكامل.
استغل ضعف أمه.
واستغل غباءها.
واستغل وجود سمر.
حتى تحولت حياة ابنه إلى جحيم.
شعرت بالصدمة.
لأن الأمر أصبح أكبر بكثير مما تصورنا.
لم يعد مجرد رجل ضل طريقه.
بل مؤامرة كاملة كانت تتحرك في الظل.
وفي تلك الأثناء كان كريم يقترب من اكتشاف الحقيقة أيضًا.
بدأ يراجع تحويلات مالية قديمة.
وحسابات مصرفية.
وعقودًا مشبوهة.
وكلما تعمق أكثر ظهرت أسماء جديدة.
ووجوه جديدة.
وأسرار جديدة.
حتى وصل إلى معلومة خطيرة.
معلومة جعلته يترك مكتبه في منتصف الليل ويتجه مباشرة إلى منزل والده.
دخل المنزل بعنف.
وكان والده جالسًا في مكتبه.
نظر إليه كريم وقال:
“عايز الحقيقة.”
رفع والده رأسه ببطء.
وقال:
“حقيقة إيه؟”
فألقى أمامه مجموعة من الأوراق.
وقال:
“كل ده إيه؟”
نظر الأب إلى الأوراق.
وتغير وجهه فجأة.
وفي تلك اللحظة عرف كريم أنه وصل إلى شيء كان مدفونًا منذ سنوات طويلة.
شيء لم يكن أحد يريد له أن يظهر.
أما أنا فلم أكن أعلم شيئًا من ذلك.
كنت منشغلة بأمر آخر.
ففي صباح اليوم التالي استيقظت على ألم قوي ومفاجئ.
ألم جعلني أفقد توازني.
وسقط الهاتف من يدي.
وركضت أمي نحوي مذعورة.
وبعد دقائق كنت في طريق المستشفى.
والأطباء يحيطون بي من كل جانب.
أما في الجهة الأخرى من المدينة.
فكان كريم يركض هو الآخر.
لكن ليس إلى المستشفى.
بل إلى مكان مختلف تمامًا.
مكان قاده إلى مواجهة لم يكن مستعدًا لها.
مواجهة مع الرجل الذي خطط لكل شيء منذ البداية.
وعندما فُتح الباب أخيرًا.
ورأى الشخص الجالس أمامه.
اتسعت عيناه في صدمة كاملة.
لأن آخر شخص توقع أن يجده هناك…
كان فردًا من عائلته نفسها.
يتبع…
الفصل السادس
ظل كريم واقفًا مكانه عدة ثوانٍ غير قادر على استيعاب ما يراه.
كان الرجل الجالس أمامه هو عمه حسام.
شقيق والده الأصغر.
الرجل الذي دخل بيتهم آلاف المرات.
والذي كان يجلس معهم في المناسبات والأعياد.
والذي طالما تحدث عن حب العائلة والترابط بينهم.
لم يتخيل كريم يومًا أن يكون اسمه موجودًا وسط كل تلك الخيوط المظلمة.
نظر إليه حسام بهدوء غريب.
ثم أغلق الملف الذي كان أمامه.
وقال:
“كنت عارف إنك هتوصل.”
شعر كريم بغضب هائل.
تقدم نحوه.
وقال:
“إنت اللي عملت كل ده؟”
لم يجب حسام فورًا.
بل ظل ينظر إليه للحظات طويلة.
ثم قال:
“أيوه.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل حتى إن كريم سمع صوت أنفاسه.
قال بصوت مرتجف:
“ليه؟”
ابتسم حسام ابتسامة باهتة.
وقال:
“علشان أبوك.”
اتسعت عينا كريم.
أما حسام فاستند إلى مقعده.
وبدأ يتحدث.
قبل ثلاثين عامًا كان والد كريم هو المسيطر على معظم أعمال العائلة.
وكان الجميع يثق به.
لكن حسام كان يرى الأمور بطريقة مختلفة.
كان مقتنعًا أن أخاه حرمه من أشياء كثيرة.
وكان يعتقد أن نجاح أخيه جاء على حسابه.
مرت السنوات.
وكبر الحقد داخله.
حتى تحول إلى رغبة في الانتقام.
لكنه لم يستطع الوصول إلى أخيه مباشرة.
فقرر أن يضربه من خلال ابنه.
من خلال كريم.
وعندما سنحت الفرصة استغل ضعف أم كريم.
وأقنعها بأشياء كثيرة.
ثم ساعد في إدخال سمر إلى حياة كريم.
ومن هناك بدأت الكارثة.
كان يتحدث وكأنه يروي قصة عادية.
أما كريم فكان يشعر أن عالمه كله ينهار.
قال بغضب:
“دمرت حياتي علشان خلاف قديم؟”
رد حسام ببرود:
“أنا ما دمرتش حياتك.”
ثم أضاف:
“أنا فتحت الباب بس… والباقي عملته بإيدك.”
كانت الكلمات مؤلمة.
لأن جزءًا منها كان صحيحًا.
نعم.
هناك من خطط.
لكن كريم نفسه هو الذي اتخذ القرارات.
هو الذي تجاهل التحذيرات.
وهو الذي طرد أقرب الناس إليه.
وهو الذي هدم زواجه بيديه.
خرج كريم من ذلك المكان وهو يشعر أن الهواء يختنق في صدره.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا كنت أنا داخل المستشفى.
الأطباء يتحركون حولي بسرعة.
وأمي تجلس بجواري وهي تبكي.
لحسن الحظ لم يكن الأمر خطيرًا كما خفنا.
لكن الطبيبة أكدت أنني أعاني من إرهاق شديد وتوتر متواصل.
وقالت بلهجة حازمة:
“لازم تبعدي عن أي ضغط.”
ابتسمت في مرارة.
وكأن الضغط شيء يمكن إغلاقه بضغطة زر.
خرجت من المستشفى مساء ذلك اليوم.
لكنني لم أكن أعلم أن الأيام القادمة تحمل مفاجآت أكبر.
بعد أسبوع واحد فقط.
وصلتني رسالة مجهولة.
لم يكن فيها سوى صورة.
صورة قديمة جدًا.
نظرت إليها باستغراب.
ثم شعرت بالصدمة.
كانت صورة زفافي.
لكن الغريب أن الصورة لم تكن من الصور التي أملكها.
كانت ملتقطة من زاوية بعيدة.
وكأن شخصًا كان يراقب الحفل.
وتحت الصورة جملة قصيرة:
“الحقيقة بدأت.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وأسرعت بالاتصال بكريم.
كان أول مرة أتصل به من تلقاء نفسي منذ شهور.
رد بسرعة.
وكأنه كان ينتظر.
قلت:
“وصلتلي رسالة غريبة.”
أرسلت له الصورة.
وبعد دقائق فقط اتصل بي.
كان صوته متوترًا.
وقال:
“متخرجيش لوحدك.”
سألته:
“في إيه؟”
لكنه لم يجب.
وقال فقط:
“أنا جاي.”
وصل بعد أقل من ساعة.
وعندما رأيته لأول مرة منذ فترة طويلة.
لاحظت كم تغير.
لم يعد ذلك الرجل الواثق الذي كان يعرفه الجميع.
ولا ذلك الشخص الغاضب الذي طلقني.
بدا وكأنه رجل خرج من حرب طويلة.
جلس أمامي.
وأخرج مجموعة صور أخرى.
صور قديمة.
وصور حديثة.
وأسماء.
وتحويلات مالية.
وقال:
“الموضوع أكبر مما كنا فاكرين.”
ثم أخبرني بكل ما اكتشفه.
وأخبرني عن عمه.
وعن الخطة.
وعن السنوات الطويلة من الحقد.
لكن أكثر ما صدمني لم يكن ذلك.
بل شيء آخر.
شيء جعل الدم ينسحب من وجهي.
قال:
“في حد لسه شغال معاهم.”
رفعت رأسي نحوه.
فأكمل:
“وهو قريب جدًا مننا.”
في تلك اللحظة فقط أدركت أن الكابوس لم ينتهِ بعد.
وأن حسام لم يكن آخر شخص في هذه اللعبة.
بل مجرد طرف واحد منها.
أما الطرف الآخر فما زال حرًا.
ويراقبنا.
وينتظر.
وفي الليلة نفسها.
بينما كنت أحاول النوم.
سمعت صوتًا غريبًا في حديقة المنزل.
في البداية ظننته قطًا أو شيئًا عابرًا.
لكن الصوت تكرر.
فقمت ببطء واقتربت من النافذة.
وأبعدت الستارة قليلًا.
وعندها تجمدت في مكاني.
كان هناك شخص يقف في الظلام.
ينظر مباشرة إلى نافذتي.
وعندما لاحظ أنني رأيته.
استدار واختفى بسرعة.
لكن قبل أن يختفي تمامًا.
رأيت وجهه للحظة واحدة فقط.
لحظة كانت كافية لأعرفه.
ولأشعر أن الخطر أصبح أقرب إلينا من أي وقت مضى.
لأن الرجل الذي كان يقف هناك…
لم يكن غريبًا.
بل كان شخصًا نعرفه جميعًا.
شخصًا كنا نثق به.
يتبع…
الفصل السابع
ظللت واقفة خلف النافذة عدة دقائق كاملة.
أنظر إلى المكان الذي اختفى فيه الرجل.
وأحاول إقناع نفسي أنني أخطأت.
أن الظلام خدعني.
أنني لم أرَ ما ظننت أنني رأيته.
لكن الحقيقة كانت واضحة.
كنت أعرف ذلك الوجه جيدًا.
بل أكثر مما ينبغي.
أمسكت هاتفي بيد مرتجفة واتصلت بكريم فورًا.
رد بعد الرنة الأولى.
وكأنه لم يكن نائمًا أصلًا.
قلت بصوت متوتر:
“في حد كان واقف تحت البيت.”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم سأل بسرعة:
“مين؟”
ابتلعت ريقي.
وقلت الاسم.
في البداية لم يصدق.
ثم كررت الاسم مرة أخرى.
فسمعته ينهض من مكانه فجأة.
وقال:
“إنتِ متأكدة؟”
أغمضت عيني.
وأجبت:
“متأكدة.”
أغلق الهاتف وأخبرني أنه قادم.
وخلال أقل من نصف ساعة كان أمام المنزل.
تفقد المكان كله.
لكن الرجل اختفى.
وكأنه تبخر.
جلسنا داخل الصالة.
أنا وكريم وأبي وأمي.
وكان الصمت يسيطر على الجميع.
لأن الاسم الذي ذكرته لم يكن اسم شخص عادي.
بل اسم سامح.
أفضل صديق لكريم منذ أيام الجامعة.
الرجل الذي وقف بجواره في كل مراحل حياته.
والذي كان يعرف تفاصيل حياته أكثر من بعض أفراد عائلته.
قال أبي ببطء:
“ممكن يكون سوء تفاهم.”
لكن كريم لم يبدُ مقتنعًا.
لأنه تذكر شيئًا فجأة.
تذكر أن سامح كان حاضرًا تقريبًا في كل مرحلة من مراحل الأزمة.
كان يعرف تفاصيل الخلافات.
ويعرف تحركات كريم.
ويعرف أماكن وجوده.
بل وكان من أوائل الأشخاص الذين شجعوه على الابتعاد عني عندما بدأت مشكلاتنا.
في ذلك الوقت لم ينتبه أحد.
أما الآن فقد بدأت الصورة تختلف.
وفي اليوم التالي بدأ كريم يبحث خلف سامح.
في البداية لم يجد شيئًا.
ثم ظهرت أول مفاجأة.
أحد التحويلات المالية التي اكتشفها سابقًا كانت مرتبطة بحساب يعود إلى شركة صغيرة.
وعندما تعمق أكثر اكتشف أن مالكها الحقيقي ليس إلا سامح نفسه.
شعر كريم بصدمة عنيفة.
لكنه أكمل البحث.
وكلما تقدم خطوة ظهرت أسرار جديدة.
حتى وصل إلى حقيقة لم يكن يتخيلها.
سامح كان يعمل مع عمه حسام منذ سنوات.
ليس بدافع الحقد.
ولا بدافع الانتقام.
بل بدافع المال.
كان يحصل على مبالغ ضخمة مقابل نقل الأخبار.
ومراقبة كريم.
ومعرفة كل ما يحدث في حياته.
وكلما زادت المعلومات.
زادت الأموال.
وحين أخبرني كريم بما اكتشفه شعرت بالغثيان.
لأن معنى ذلك أن كل ما مررنا به كان مراقبًا.
كل خلاف.
كل مشكلة.
كل لحظة ضعف.
كان هناك من يتابعها وينقلها.
وكأن حياتنا كلها كانت لعبة في أيدي أشخاص آخرين.
لكن المفاجأة الأكبر لم تأتِ بعد.
بعد أيام قليلة تلقى كريم اتصالًا من محامٍ قديم كان يعمل مع والده.
طلب مقابلته بشكل عاجل.
وعندما التقيا.
وضع الرجل ملفًا كبيرًا فوق الطاولة.
وقال:
“كان لازم تعرف الحقيقة من زمان.”
فتح كريم الملف.
وبدأ يقرأ.
ومع كل صفحة كان وجهه يتغير أكثر.
ثم رفع رأسه فجأة.
وقال:
“مستحيل.”
لكن المحامي هز رأسه.
وقال:
“للأسف دي الحقيقة.”
وعندما عاد إليّ مساء ذلك اليوم كان شاحبًا بصورة لم أرها من قبل.
جلس بصمت طويل.
ثم قال:
“أنا طول عمري كنت فاهم الحكاية غلط.”
سألته:
“حكاية إيه؟”
فقال:
“عمي حسام.”
ثم أخبرني بشيء قلب الأحداث كلها.
اتضح أن الخلاف القديم بين والده وعمه لم يكن كما رواه حسام.
بل كان العكس تقريبًا.
فوالد كريم لم يسرق حق أخيه.
ولم يحرمه من شيء.
بل أنقذه أكثر من مرة من الإفلاس.
وسدد عنه ديونًا ضخمة.
وأعطاه فرصًا متكررة للنجاح.
لكن حسام كان يخسر كل مرة بسبب قراراته الخاطئة.
ومع مرور السنين بدأ يقنع نفسه أن الآخرين سبب فشله.
حتى تحول الوهم إلى حقيقة داخل عقله.
ثم تحول إلى حقد.
ثم إلى انتقام.
أما سامح فقد استغل ذلك كله للحصول على المال.
وبينما كنا نحاول استيعاب كل هذه الحقائق.
كانت هناك حقيقة أخرى تتحرك بصمت.
حقيقة لم يكن أحد منتبهًا لها.
في أحد أيام المتابعة الطبية أخبرتني الطبيبة أن هناك مشكلة بسيطة تحتاج إلى مراقبة مستمرة.
لم تكن خطيرة.
لكنها استدعت راحة أكبر.
ومتابعة أدق.
وهنا بدأ كريم يصر على مرافقتي في كل زيارة.
في البداية رفضت.
لكن مع الوقت وجدت نفسي أقبل.
ليس لأنني سامحته.
بل لأنني رأيت لأول مرة حجم الندم الذي يحمله.
كان يحاول أن يصلح كل شيء.
حتى الأشياء التي لا يمكن إصلاحها.
وفي إحدى الليالي بينما كنا نعود من المستشفى.
لاحظنا سيارة تسير خلفنا.
مرة أخرى.
نفس الشعور القديم.
نفس التوتر.
لكن هذه المرة لم يكن الأمر مجرد شك.
لأن السيارة استمرت خلفنا لمسافة طويلة.
ثم اقتربت أكثر.
ثم أكثر.
حتى أصبح واضحًا أنها تراقبنا.
نظر كريم في المرآة.
وتغير وجهه.
ثم قال بهدوء مخيف:
“امسكي كويس.”
وقبل أن أسأله لماذا.
ضغط على المكابح فجأة.
فانحرفت السيارة التي خلفنا بعنف.
وكادت تصطدم بالحاجز الجانبي.
ثم انطلقت هاربة بسرعة كبيرة.
لكن قبل أن تختفي.
استطاع كريم رؤية السائق.
وعندما رآه شعر بصدمة أكبر من كل ما سبق.
لأن الشخص خلف المقود لم يكن سامح.
ولم يكن حسام.
ولم يكن أي اسم عرفناه من قبل.
بل امرأة.
امرأة كان الجميع يعتقد أنها اختفت من حياتنا إلى الأبد.
سمر.
لكن السؤال الذي جعل النوم يهرب من أعيننا تلك الليلة كان:
كيف عادت؟
ولماذا عادت الآن بالتحديد؟
وما السر الذي جعلها تخاطر بالظهور من جديد بعدما انهارت كل خططها؟
الإجابة كانت مخبأة في مكان لم يخطر ببال أحد.
مكان سيقودنا إلى السر الأخطر منذ بداية القصة.
يتبع…