أنا وبنت خالتي ولدنا في يوم واحد 2
فتحت الملف اللي في إيدي براحة، وعيوني منزلتش من على وش منال. الغريب إنها في أول لحظة حاولت تبان طبيعية، بس حركة صوابعها وهي بتفرك في فستانها كشفت الرعب اللي بدأ يتسلل لقلبها.
قربت من “مروان” — ابني الحقيقي اللي عاش عمره كله في ضلها وضيمها — حطيت إيدي على كتفه وشددّت عليها. الولد بص لي باستغراب، كانت في عيونه نظرة كسيرة ومتعودة على إن الفرحة مش ليه، وكأنه بيسألني: “هو أنا عملت حاجة غلط عشان تقفي جنبي؟”. في نفس الوقت، “يوسف” كان واقف جنب العربية الجديدة اللي جابهاله مدحت، بيضحك وفرحان، ومش فاهم النظرات المتبادلة بين الكبار شكلها إيه.
قالت منال بصوت متحشرج حاولت تخليه عالي:
ـ مفاجأة إيه دي يا حبيبتي؟ مش وقته، خلينا نفرح بالولاد وعربيتها الجديدة، ابقي قولي اللي أنتِ عايزاه بعدين لما الناس تمشي.
جوزها مدحت خطى خطوة لئيمة ناحيتي، وبابتسامة صفرا قال:
ـ أيوة يا أم يوسف، الجماعة منوريننا والوقت متأخر، بلاش نشغل الولاد بحاجات تانية.
بصيت لمدحت وضحكت الضحكة اللي بتخنقهم. قلت بصوت مسموع للكل:
ـ بالعكس يا أبو مروان.. ده هو ده الوقت الصح، والمفاجأة دي بالذات تخص الولاد أكتر من أي حد تاني، وتخصك أنت ومنال بشكل خاص.
طلعت من الملف ورقتين؛ الأولى كانت شهادة ميلاد يوسف، والتانية كانت الورقة الرسمية اللي مدحت كتب فيها النصيب الأكبر من أملاكه ومحلاته لـ “يوسف” كهدية بمناسبة تخرجه، وطبعًا الورقة دي مكنتش هتتنفذ قانونيًا إلا لما يوسف يوقع عليها بالاستلام.
منال لما شافت الأوراق، عيونها وسعت لدرجة الرعب، افتكرت إني عرفت بخطة الميراث والشركات، وقالت بسرعة وهي بتقدم رجله عشان تخطف الورق:
ـ أنتِ بتدخلي في اللي مالكيش فيه ليه؟ دي أملاك جوزي وهو حر يكتبها للي هو عايزه! يوسف يستاهل، ومروان بكره يدخل كلية حكومية ويصرف على نفسه، إحنا أحرار في مالنا!
رديت عليها بكل برود، وأنا ببعد الورق عن إيدها:
ـ وأنا مقلتش حاجة يا منال.. مدحت حر في ماله يكتبه للي هو عايزه.. بس السؤال هنا: هو مدحت كاتب الأملاك دي ليوسف عشان بيحبه؟ ولا عشان فاكر إن يوسف هو ابنه اللي من صلبه، والشاب اللي هيشيل اسمه، وبالتالي الفلوس هتفضل في جيبه وجيبك؟
الصالة كلها سكتت. كريم جوزي قرب مني بذهول وقال:
ـ في إيه يا فادية؟ إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ يوسف ابننا ومروان ابنهم، الكلام ده معناه إيه؟
بصيت لكريم وقلت له:
ـ استنى يا كريم، متستعجلش.. الخطة كانت مرسومة صح قوي من ١٨ سنة. من الليلة اللي ولدنا فيها في المستشفى. منال قلقِت بليل، وقامت من سريرها، ودخلت أوضة الأطفال.. وبدّلت الولاد! نقلت الأساور من إيد ده لإيد ده، وغيرت السراير.
في اللحظة دي، منال صرخت بصوت هز المكان:
ـ أنتِ اتجننتي! أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ عايزة تبوظي فرحة ابني وتطلعيني مجرمة؟ أنتِ بتخرفي!
مدحت وشه بقا أزرق، وبدأ ينهج وصوته اختفى وهو بيبص لمنال ويبص لي.
كملت كلامي بثقة تزلزل الأرض:
ـ مكنتش بخرف يا منال.. أنتِ فعلاً عملتِ كده، وكنتِ فاكرة إنك أذكى من الدنيا كلها. عملتِ كده عشان تاخدي ابني اللي صحته كويسة وتديني ابنك، وعشان لما تكبروا، تخلوا ابنكم (اللي فاكرينه يوسف) يورث كل شقا مدحت وعزّه، وفي نفس الوقت تعيشوا ابني أنا في الذل والفقر والكسرة، وتخلوا ابنك الحقيقي سيد عليه!
مروان ويوسف كانوا واقفين مذهولين، يوسف بص لمنال وقال:
ـ ماما.. الكلام ده صح؟ أنا مش ابنك؟
منال جريت عليه وحضنته وهي بتعيط بهيستريا:
ـ لا يا حبيبي! أنت ابني، أنت روحي، دي واحدة مجنونة وغيرانة من نجاحك ومن العربية اللي جيبناهالك!
بصيت لها وقلت بقسوة:
ـ لاء يا منال.. أنتِ اللي مش فاهمة. أنتِ عملتِ كل ده.. بس نسيتِ حاجة واحدة.. نسيتِ إن ربنا صاحي ومش بينام، ونسيتِ إن الأم اللي بجد قلبها بيصحى قبل عيونها.
التفتت لكريم وجوزها وللناس كلها وقلت:
ـ منال لما دخلت وبدلت الولاد، مكنتش تعرف إني واقفة ورا الباب.. شوفتها خطوة بخطوة وهي بتغير الأساور والأسماء. واستنيتها لما رجعت سريرها ونامت واطمنت إن خطتها نجحت.. وقمت أنا!
الكل كتم أنفاسه. منال برقت عيونها بشكل يخوف، ونزلت إيدها من على يوسف وهي بتترعش.
كملت:
ـ قمت ورجعت كل طفل لمكانه الصح.. رجعت يوسف لسرير منال، ورجعت مروان لحضني أنا. يعني يوسف اللي أنتِ طول السنين دي بتدلعيه، وبتأكليه أحسن أكل، وبتشتري له أغلى لبس، وبتذلي مروان قدامه.. يوسف ده يبقى ابنك الحقيقي اللي من بطنك ولحمك ودمك! ومروان اللي حرمتيه، وذليتيه، وقللتِ منه، وكنتِ بتقولي له هتبقى خدام عند يوسف.. مروان ده يبقى ابني أنا!
منال وقعت على الركبة من الصدمة، وبصت ليوسف اللي واقف بعيد عنها وبصت لمروان. الصدمة شلت لسانها.
أما مدحت، فمسك دماغه وبص للورقة اللي كاتب فيها كل أملاكه ليوسف (ابنه الحقيقي فعلاً) اللي هو كان فاكر إنه بيديها لابن خالة مراته عشان يضحكوا علينا! اللعبة اتقلبت عليهم. هما دلعوا ابنهم الحقيقي وافتكروه ابننا، وذلوا ابننا وافتكروه ابنهم!
مروان دموعه نزلت، وبص لي وهو مش مصدق.. قربت منه وحضنته بكل قوتي وبكيت: “سامحني يا ابني.. سامحني إني سيبتك تتوجع، بس كان لازم يعلموا فيك السبع وأنت في بيتهم، وكان لازم أخليهم يشربوا من نفس الكاس اللي حاولوا يسقوهولنا”.
منال بدأت تصرخ وتلطم على وشها زي المجنونة، ومدحت مسك قميصها وهو بيزعق: “أنتِ خربتِ بيتنا! أنتِ ضيعتينا!”.
بصيت لهم وأنا بلم الورق بتاعي، وقلت لهم بصوت واثق وهادي:
ـ الحفلة خلصت يا جماعة.. بس الحساب لسه مبدأش. بكره المحامين هيبدأوا الشغل، والكل هيعرف حقيقتكم.. لسه اللي جاي أتقل بكتير من اللي فات.
منال كانت لسه واقعة على الأرض، بتشهق ومش قادرة تنطق، النَفَس كان بيطلع منها بصعوبة وكأن جبل انهدّ فوق دماغها. ومدحت جوزها سابها وبدأ يلف حوالين نفسه في الصالة زي المجنون، يبص ليوسف ويبص لمروان، وعينيه رايحة جاية بين الورق اللي في إيدي وبين العربية المركونة تحت.
الضيوف اللي كانوا معزومين بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني في صمت، الكل كان باصص لبعضه بذهول، والحفلة اللي كانت مليانة زغاريط وأنوار اتقلبت لمأتم.
كريم جوزي قرب من مروان، حط إيده على كتفه وعينيه مغرورقة بالدموع. كريم طول عمره كان بيحب مروان وبيصعب عليه من معاملة منال ليه، بس مكانش يتخيل أبدًا إن النبض اللي كان بيحسه ناحية الولد ده هو نبض الدم والأبوة الحقيقية. بص لي كريم وصوته بيترعش:
ـ يعني مروان ابني يا فادية؟ مروان اللي كان بيبات دمعته على خده من قهر أمه.. هو اللي من صلبي؟
هزيت راسي وأنا بمسح دموع مروان اللي كان واقف مشلول، مش مستوعب الصدمة. الولد بص لمنال وقال بصوت مبحوح ومليان وجع:
ـ يعني أنتِ مش أمي؟ يعني كل الكسرة دي، والذل ده، وتقليلك مني طول السنين اللي فاتت كان عشان فاكراني ابن خالتو؟ كنتِ بتنتقمي من طفل ملوش ذنب عشان تريحي غلك؟
منال حاولت تمد إيدها ناحيته وهي بتعيط:
ـ مروان.. أنا.. أنا مكنتش أعرف.. أنا كنت فاكرة..
قاطعتها بقسوة وأنا بقف في وشها:
ـ كنتِ فاكرة إيه؟ كنتِ فاكرة إنك بتذلي ابني أنا؟ كنتِ فاكرة إنك لما تحرميه من اللبس النظيف والأكل الحلو، وتديه ليوسف، إنك بكده بتكبري ابنك على حساب ابني؟ أديكِ شربتِ من نفس الكاس يا منال! أنتِ اللي حرمتِ ابنك الحقيقي من حنان الأم، وأنتِ اللي كبّرتيه على الأنانية والاتكال، وأنتِ اللي كنتِ بتقولي له بكره ابن خالتك يبقى خدام عندك.. وطلع ابنك هو اللي محتاج لمروان!
في اللحظة دي، يوسف اتقدم وشه شاحب، باصص لمنال وباصص لمدحت بنظرة غريبة.. نظرة خوف وضياع. يوسف كبر وهو شايف مروان بيتهان، وكان ساعات بيشارك في الإهانة دي بدافع الغرور اللي أمه زرعته فيه. بص لمدحت وقال:
ـ يعني الفلوس دي.. والعربية.. والشركات اللي كنت بتقول هكتبها باسمي.. دي مش حقي؟ أنا ابنكم أنت وفادية؟
مدحت قعد على أقرب كرسي ودفن وشه بين إيديه وبدأ يبكي بنشيج مرير. مدحت مكانش زعلان على منال، مدحت كان زعلان على الإمبراطورية اللي بناها وكان فاكر إنه بيكتبها لابن فادية وكريم عشان يضمنوا إن يوسف (اللي فاكرينه ابنهم) يفضل تحت رحمتهم، فطلعوا بيكتبوا أملاكهم لابنهم الحقيقي اللي هما دلعوه لدرجة إنه طلع معندوش مسؤولية ولا مجموع يدخله كلية عدلة!
التفت لمروان، مسكت إيديه الاتنين وقلت له:
ـ مروان يا حبيبي.. اطلعي فوق شقتك.. شقتك مع بابا كريم ومعايا أنا. من السيرفيس ده مفيش قهر تاني، ومفيش كلمة هتهزك. أنت طلعت من الأوائل بمجهودك وبصبرك، واليوم اللي كنت بتتمناه عشان تخلص من البيت ده جه، بس هتخلص منه وأنت رافع راسك، وبحقك الشرعي والقانوني.
مروان بص ليوسف نظرة طويلة.. مكنش فيها شماتة، كان فيها زهد وقرف من كل السنين اللي فاتت، ولف ضهره وطلع على السلم، وكريم جوزي طلع وراه وضامه تحت دراعه.
فضلت واقفة في الصالة لوحدي قدام منال ومدحت ويوسف.
مدحت رفع راسه وبص لي بعيون حمرا وقال:
ـ أنتِ شيطانة يا فادية.. ١٨ سنة شيفانا بنموت في الغلط وساكتة؟ شيفانا بنربي يوسف وبندلعه وأنتِ بتتفرجي ومستنية اللحظة دي؟
ضحكت بقوة، والضحكة رنت في الصالة الفاضية:
ـ أنا مش شيطانة يا مدحت.. أنا أم اتحطت في اختبار صعب. لو كنت واجهت مرتك في المستشفى، كانت هتنكر وتعمل نفسها مظلومة، والشك كان هيفضل يعشش في قلوبكم وفي قلب كريم، ومكنتش هعرف أثبت حاجة والكل كان هيقول عليا مجنونة وموسوسة. أنا سيبت الأيام تثبت، وسيبت النوايا تبان. مرتك كانت نيتها سودة، وأنت شاركتها اللعبة لما لقيت فيها مصلحة وفلوس.. ربنا هو اللي رتب المشهد ده، مش أنا.
قربت من يوسف، اللي كان واقف بيعيش أصعب لحظات حياته، وبصيت له بشفقة:
ـ يوسف.. أنت عشت ١٨ سنة فاكر نفسك أمير، بس الحقيقة إنك ضحية لأم وأب فكروا في الغرور والانتقام قبل ما يفكروا في مصلحتك. أنا مش هحرمك من حاجة، والبيت اللي عشت فيه هيفضل مفتوح لك، بس من هنا ورايح.. كل واحد هيقعد في حجمه الطبيعي.
التفت لمنال اللي كانت لسه بتصرخ في الأرض وبتقول: “ابني.. ضيعت ابني بإيدي.. يا رب سامحني”، وسبتها وخرجت.
رجعت شقتي، دخلت أوضة مروان لقيت كريم قاعد جنبه وبيتكلموا والدموع في عيونهم. قعدت جنبهم وحسيت لأول مرة من ١٨ سنة إن النَفَس بيدخل صدري مرتاح، وإن الحمل التقيل اللي شيلته لوحدي طول السنين دي بدأ ينزل من على كتافي.
بس منال ومدحت مكنوش هيسكتوا.. الصدمة كانت أكبر من إنهم يستوعبوها ويستسلموا. وفي الوش الفجر، سمعت صوت خناقة رهيبة تحت، تكسير وصريخ وصوت مدحت وهو بيطرد منال في الشارع، ويوسف بيزعق..
وكانت دي مجرد البداية.. لأن الستار لما اترفع، مبقاش في مجال للمداراة، والكل بدأ يلعب على المكشوف، وخصوصًا مدحت اللي بدأ يفكر في طريقة تخليه ميتنازلش عن القرش اللي حيلته لمروان بعد ما عرف الحقيقة.