حكايات اسما السيد 2

الفصل الثالث

مرت ثلاثة أسابيع على إعلان الوصية.

وثلاثة أسابيع كانت كافية تقلب حياة سارة عبدالسلام رأسًا على عقب.

الصحافة بدأت تتكلم.

الموظفين بقوا يبصوا لها بطريقة مختلفة.

وأعضاء مجلس الإدارة اللي كانوا زمان ما يعرفوش اسمها، بقوا يقوموا أول ما تدخل أي قاعة.

لكن رغم كل ده…

كان فيه سؤال واحد مش بيفارقها.

ليه؟

ليه الحاج محمود اختارها هي؟

ليه مش جمعية خيرية؟

ليه مش مؤسسة؟

ليه مش أي حد تاني؟

فيه حاجة ناقصة.

حاجة الحاج محمود ما قالهاش.

وحاجة كانت مستخبية ورا الوصية.

في صباح يوم هادئ.

وصلها اتصال من الأستاذ كريم.

وقال:

“محتاج أشوفك فورًا.”

سألته بقلق:

“في مشكلة؟”

رد:

“في حاجة لقيتها بعد فتح مخزن خاص بالحاج محمود.”

بعد ساعة كانت قاعدة قدامه.

فأخرج ملف جلدي قديم.

وقال:

“المخزن ده ما اتفتحش من عشرين سنة.”

ثم دفع الملف ناحيتها.

وأضاف:

“والظاهر إن المرحوم كان مستني اليوم ده.”

فتحت سارة الملف.

وكان أول شيء ظهر قدامها صورة قديمة جدًا.

صورة بالأبيض والأسود.

لرجلين واقفين جنب بعض.

واحد منهم الحاج محمود وهو شاب.

أما التاني…

فخلّى قلبها يقف.

لأنه كان أبوها.

الحاج أحمد عبدالسلام.

والدها المتوفي.

سارة شهقت.

ومسكت الصورة بإيدين بترتعش.

“إزاي؟!”

ابتسم المحامي بهدوء.

وقال:

“كانوا أصحاب عمر.”

سارة حست إن الأرض بتميد بيها.

أبوها عمره ما قال أي حاجة عن ده.

ولا مرة.

ولا حتى لمح.

بدأت تقلب باقي الأوراق بسرعة.

خطابات.

صور.

عقود قديمة.

رسائل مكتوبة بخط اليد.

ثم وقعت عيناها على رسالة مختومة.

مكتوب عليها:

“تُفتح بعد وفاتي.”

فتحت الرسالة.

وكان الخط واضح.

خط الحاج محمود نفسه.

بدأت تقرأ.

“إذا وصلت الرسالة دي لسارة…”

“يبقى أخيرًا جه الوقت تعرف الحقيقة.”

“أبوك ماكانش مجرد صديق.”

“أبوك أنقذ حياتي.”

سارة رفعت رأسها بسرعة.

غير مصدقة.

وأكملت القراءة.

“من خمسة وثلاثين سنة كنت شابًا مفلسًا.”

“عندي فكرة مشروع.”

“لكن ماعنديش جنيه واحد.”

“كل البنوك رفضتني.”

“والناس ضحكت عليا.”

“في الوقت اللي الكل قفل الأبواب في وشي…”

“أبوك فتح لي باب بيته.”

دموع سارة بدأت تنزل.

أما الكلمات فاستمرت.

“باع قطعة الأرض الوحيدة اللي كان يملكها.”

“وأداني ثمنها.”

“وقال لي جملة عمري ما نسيتها.”

“قال: لو نجحت… ساعد غيرك.”

“ولو فشلت… اعتبرها رزق مكتوب.”

سارة كانت تبكي بصمت.

لأنها تعرف الأرض دي.

كانت الأرض اللي أبوها طول عمره يتحسر عليها.

وكانت السبب في إن الأسرة عاشت سنين طويلة في ضيق مالي.

لكنها عمرها ما عرفت إنه باعها عشان يساعد حد.

ولا أمها كانت تعرف.

ولا أي حد.

واصلت القراءة.

“نجحت.”

“والمشروع كبر.”

“وبقيت مليونير.”

“ثم ملياردير.”

“لكن لما رجعت أدور على أحمد…”

“لقيته مات.”

“ولقيت أسرته بتكافح عشان تعيش.”

“كنت عايز أساعدكم.”

“لكن أمك رفضت.”

“وقالت إن أحمد عمره ما عمل الخير عشان ياخد مقابل.”

“ومن يومها قررت أراقبكم من بعيد.”

سارة توقفت عن القراءة.

وقلبها بيدق بقوة.

راقبنا؟

إزاي؟

أكملت.

“كنت أعرف أخبارك كلها تقريبًا.”

“أعرف يوم تخرجك.”

“وأعرف يوم جوازك.”

“وأعرف يوم طلاقك.”

“وأعرف يوم مرضت أمك.”

“وأعرف إنك اشتغلتي شغلانتين في نفس الوقت عشان تصرفي على إخواتك.”

“وأعرف إنك عمرك ما طلبتي مساعدة من حد.”

هنا انهارت سارة تمامًا.

لأن كل كلمة كانت حقيقية.

كل موقف.

كل ألم.

كل ليلة قضتها تبكي لوحدها.

كان يعرف عنها.

ثم وصلت للسطر اللي غيّر كل شيء.

“لما دخلتي الشركة لأول مرة…”

“عرفتك من أول دقيقة.”

“لأنك شبه أبوك.”

“في ملامحك.”

“وفي أخلاقك.”

“وفي قلبك.”

سارة أغمضت عينيها.

وافتكرت أول يوم.

افتكرت الحاج محمود وهو بيدعوها تقعد جنبه.

افتكرت ابتسامته.

افتكرت اهتمامه الغريب بيها.

كل حاجة بدأت تتضح.

لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصفحة الأخيرة.

لأن الحاج محمود كتب:

“فيه شيء عمري ما قلته لأي حد.”

“حتى لمحاميّ.”

“حتى لمجلس الإدارة.”

“وأنتِ الوحيدة اللي لازم تعرفيه.”

بلعت ريقها.

وأكملت.

“ابني الوحيد ما ماتش في الحادث.”

سارة شهقت بقوة.

وقفت من مكانها.

وعينيها اتسعت من الرعب.

إيه؟!

رجعت تقرأ بسرعة.

“الجميع صدق إنه مات.”

“لكن الحقيقة إن ابني اختفى.”

“اختفى قبل الحادث بأيام.”

“ومن يومها ما شفتوش.”

“وبعد أربعين سنة من البحث…”

“عرفت الحقيقة قبل وفاتي بشهور قليلة.”

يد سارة كانت بترتعش.

وقلبها بيدق بجنون.

ثم قرأت السطر التالي.

السطر اللي خلّى الدم يتجمد في عروقها.

“ابني كان يعمل في نفس الشركة.”

“وتقابلت معاه مئات المرات.”

“لكنه لم يكن يعرف أنني أبوه.”

الصمت ملأ الغرفة.

حتى المحامي كان مذهول.

لأنه أول مرة يقرأ الرسالة كاملة معها.

أما سارة فكانت عيناها تتحركان بسرعة فوق الكلمات.

إلى أن وصلت للجملة الأخيرة.

“اسمه موجود داخل الظرف الأحمر الموجود في الخزنة الخاصة.”

“وأنتِ وحدك المسؤولة عن فتحه.”

ثم انتهت الرسالة.

رفعت سارة رأسها ببطء.

ونظرت للمحامي.

فقال بصوت منخفض:

“فيه فعلًا خزنة.”

“وفيها ظرف أحمر.”

“والمرحوم كتب في وصيته إنك إنتِ اللي تفتحيه.”

سارة حست بقشعريرة تسري في جسمها كله.

لأنها فجأة أدركت…

إن الحكاية ما كانتش عن ميراث.

ولا عن شركة.

ولا عن ثروة.

الحكاية كلها كانت لسه في بدايتها.

وفي مكان ما داخل الشركة…

كان فيه شخص عاش عمره كله من غير ما يعرف مين أبوه الحقيقي.

وشخص ده…

ممكن يكون أي حد.

يتبع… الفصل الرابع: فتح الظرف الأحمر واكتشاف هوية الابن المفقود، والصدمة التي ستضرب الشركة كلها في يوم واحد.

الفصل الرابع

طوال الليلة دي…

ما نامتش سارة دقيقة واحدة.

كانت قاعدة في أوضة المعيشة.

أمامها رسالة الحاج محمود.

والظرف الأحمر شاغل كل تفكيرها.

كل ما تغمض عينيها تتخيل وجوه الموظفين في الشركة.

وتسأل نفسها:

مين؟

مين فيهم ابن الحاج محمود؟

هل واحد من المديرين؟

ولا موظف عادي؟

ولا حد عمرها ما انتبهت له أصلًا؟

وفي كل مرة كانت ترجع لجملة واحدة.

“تقابلت معاه مئات المرات.”

يعني الشخص ده موجود فعلًا داخل الشركة.

وشاف أبوه يوميًا تقريبًا.

من غير ما يعرف الحقيقة.

في صباح اليوم التالي.

وصلت سارة إلى المبنى الرئيسي قبل الجميع.

كان الأستاذ كريم في انتظارها.

ومعه مدير الأمن.

اتجهوا إلى الطابق الأخير.

ثم إلى غرفة صغيرة خلف مكتب مجلس الإدارة.

غرفة قديمة محدش كان بيدخلها تقريبًا.

فتح مدير الأمن بابًا فولاذيًا ثقيلًا.

وظهرت الخزنة.

نفس الخزنة اللي اتقفلت بأمر من الحاج محمود قبل سنين طويلة.

اقتربت سارة.

وإيدها كانت بترتعش.

ثم أدارت المفتاح.

صدر صوت خفيف.

وانفتح الباب.

في الداخل كانت توجد ملفات كثيرة.

وأوراق.

وصناديق صغيرة.

لكن وسط كل ده…

كان فيه ظرف أحمر واحد فقط.

موضوع بعناية فوق الجميع.

كأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.

سحبته سارة ببطء.

ثم نظرت للمحامي.

ابتلع كريم ريقه.

وقال:

“افتحيه.”

مزقت سارة طرف الظرف.

وأخرجت الورقة الموجودة بداخله.

وفي اللحظة التالية…

اتسعت عيناها من الذهول.

ثم نظرت للمحامي.

ثم للورقة مرة أخرى.

وكأن عقلها رافض يستوعب المكتوب.

قال كريم بقلق:

“فيه إيه؟”

لكنها لم ترد.

لعدة ثوانٍ كاملة.

ثم ناولته الورقة.

فقرأها.

وتحول وجهه إلى اللون الأبيض.

كان الاسم المكتوب في الورقة هو:

“ياسر الجندي.”

المدير التنفيذي للشركة.

الرجل الأقوى بعد مجلس الإدارة.

والشخص اللي كان بيشتغل في الشركة منذ أكثر من عشرين سنة.

جلس كريم على أقرب كرسي.

غير قادر على الكلام.

أما سارة فكانت ما تزال تنظر للورقة.

مش مصدقة.

ياسر؟!

الرجل اللي كان يقابل الحاج محمود كل يوم تقريبًا؟

الرجل اللي كان يمر من أمامه صباحًا ومساءً؟

الرجل اللي أحيانًا كان يطلب منه يجيب له قهوة من الكافتيريا؟

هو نفسه ابنه؟

لكن الصدمة الأكبر كانت في الورقة الثانية.

لأنها كانت رسالة أخرى.

رسالة قصيرة.

مكتوبة بخط الحاج محمود.

“إذا وصلتم لهذه الورقة… فأخبروا ياسر بالحقيقة فقط إذا أثبت أنه يستحقها.”

رفع المحامي رأسه.

وقال:

“يعني إيه؟”

فتحت سارة بقية الملف.

وهنا ظهرت عشرات الصفحات.

تقارير.

ملاحظات.

مراقبات.

وأشياء لم يتوقعها أحد.

كان الحاج محمود يسجل ملاحظاته عن ياسر منذ سنوات.

كل تصرف.

كل قرار.

كل موقف.

كأنه كان يختبره دون أن يشعر.

وفي البداية بدت الأمور رائعة.

اجتهاد.

ذكاء.

نجاح.

قيادة.

لكن مع مرور السنوات…

بدأت تظهر أشياء أخرى.

صفحة بعد صفحة.

كانت سارة تكتشف جانبًا لم تكن تعرفه.

صفقات مشبوهة.

قرارات ظلمت موظفين.

ترقيات قائمة على المحسوبية.

مكافآت ضخمة لنفسه.

وفصل موظفين أكفاء فقط لأنهم اختلفوا معه.

في آخر تقرير.

كان الحاج محمود قد كتب:

“ابني ناجح.”

“لكنه نسي معنى الرحمة.”

“وأخشى أنه لو عرف الحقيقة الآن… سيدمر كل ما بنيته.”

ساد الصمت.

ثقيلاً.

مخيفًا.

بعد ساعات.

عادت سارة إلى مكتبها.

لكنها لم تكن تعرف أن كارثة أخرى كانت في انتظارها.

لأن سكرتيرتها دخلت مسرعة.

وقالت:

“الأستاذة سارة… عندنا مشكلة كبيرة.”

رفعت رأسها.

“إيه اللي حصل؟”

قالت السكرتيرة:

“فيه صحفيين تحت.”

“وعندهم نسخة من الوصية.”

تجمدت سارة.

“إزاي؟!”

“مش عارفة.”

“لكن الأخبار بدأت تنتشر.”

وفي أقل من ساعتين…

كانت القنوات الإخبارية تتكلم عن القصة كلها.

الحاج محمود.

البواب الملياردير.

والموظفة اللي ورثت إمبراطوريته.

الشركة تحولت إلى فوضى.

هواتف لا تتوقف.

صحفيون.

مساهمون.

مستثمرون.

ووسط كل ده…

دخل ياسر الجندي مكتب سارة.

وأغلق الباب خلفه.

بعنف.

كان وجهه أحمر من الغضب.

وقال:

“عايز أفهم.”

“إيه اللي بيحصل هنا؟”

سارة نظرت إليه.

لأول مرة.

بطريقة مختلفة.

مش كمدير تنفيذي.

بل كرجل يقف أمامها من غير ما يعرف أن الحقيقة كلها تخصه.

جلس أمامها.

وقال:

“من ساعة وفاة الحاج محمود والشركة بتنهار.”

“والصحافة بتاكل فينا.”

“والمستثمرين مرعوبين.”

ثم نظر مباشرة في عينيها.

وأضاف:

“وأنتِ مخبية حاجة.”

شعرت سارة أن قلبها قفز داخل صدرها.

لكنها تماسكت.

وقالت:

“ليه بتقول كده؟”

رد بسرعة:

“لأن الحاج محمود ماكانش يثق غير فيك.”

“وأنا متأكد إنه ساب لك أسرار.”

لثوانٍ طويلة.

لم تتكلم.

ثم سألت:

“لو عرفت إن فيه سر يغير حياتك كلها… هتحب تعرفه؟”

استغرب ياسر.

وقال:

“طبعًا.”

“أي إنسان هيقول كده.”

ابتسمت سارة ابتسامة غامضة.

ثم نظرت إلى الملف الموجود أمامها.

الملف الذي يحتوي على الحقيقة كاملة.

وقالت في داخلها:

“لو عرفت الحقيقة يا ياسر…”

“مش حياتك بس اللي هتتغير.”

“إمبراطورية كاملة هتتهز.”

لكنها لم تكن تعلم أن هناك شخصًا آخر داخل الشركة…

كان يبحث عن نفس الملف.

وشخصًا مستعدًا لفعل أي شيء.

حتى الق..تل.

حتى لا تصل الحقيقة إلى ياسر.

يتبع… الفصل الخامس: محاولة سرقة ملف الحاج محمود، واكتشاف أن اختفاء الابن قبل أربعين عامًا لم يكن حادثًا أبدًا… بل جر..يمة مدبرة.
الفصل الخامس

في نفس الليلة…

كانت سارة آخر شخص غادر مبنى الشركة.

بعد ساعات طويلة من الاجتماعات والاتصالات والفوضى اللي سببتها أخبار الوصية.

الساعة كانت قرب منتصف الليل.

والمبنى كله تقريبًا أصبح فارغًا.

أغلقت الكمبيوتر.

جمعت أوراقها.

ثم وضعت ملف الحاج محمود داخل درج المكتب وأغلقته بالمفتاح.

لكن وهي خارجة…

حست بحاجة غريبة.

إحساس قديم.

إحساس إن فيه حد بيراقبها.

وقفت فجأة.

ونظرت خلفها.

الممر كان فارغًا.

الإضاءة خافتة.

ولا يوجد أي صوت.

لكن قلبها ما كانش مرتاح.

أخرجت هاتفها.

واتصلت بالأمن.

وطلبت منهم يراجعوا كاميرات الطابق بالكامل بعد مغادرتها.

بعد أقل من ساعة…

وصلها اتصال عاجل من مدير الأمن.

صوته كان متوترًا بشكل واضح.

قال:

“لازم ترجعي فورًا.”

سارة انتفضت.

“في إيه؟”

رد بسرعة:

“حد حاول يدخل مكتبك.”

وصلت الشركة خلال عشرين دقيقة.

وكان رجال الأمن واقفين أمام مكتبها.

الباب الخارجي مكسور.

والدرج اللي فيه الملف مفتوح بالقوة.

لكن الغريب…

إن الملف ما اتسرقش.

قال مدير الأمن:

“واضح إننا وصلنا قبل ما يهرب بحاجة.”

ثم أشار إلى شاشة المراقبة.

وبدأ تشغيل التسجيل.

ظهر شخص يرتدي ملابس سوداء.

ووجهه مغطى بالكامل.

دخل المبنى باستخدام بطاقة موظف.

وتحرك مباشرة نحو مكتب سارة.

من غير ما يتردد.

كأنه عارف المكان بالضبط.

وعارف هو جاي يدور على إيه.

قالت سارة:

“نقدر نعرف البطاقة بتاعة مين؟”

رد مسؤول الأمن:

“للأسف تم تعطيل النظام لمدة خمس دقائق.”

ثم أضاف:

“وده معناه إن اللي عمل كده عنده خبرة كبيرة.”

شعرت سارة بقشعريرة.

لأن الأمر لم يعد مجرد سر عائلي.

فيه حد خائف من الحقيقة.

وخائف لدرجة إنه مستعد يقتحم الشركة عشان يمنع ظهورها.

في صباح اليوم التالي.

اجتمعت مع المحامي كريم.

وحكت له كل شيء.

فجلس صامتًا للحظات.

ثم قال:

“أنا بدأت أشك في حاجة.”

سارة نظرت له.

“إيه هي؟”

فتح أحد الملفات القديمة.

وقال:

“قصة اختفاء ابن الحاج محمود.”

بدأ يقلب الأوراق.

ثم أخرج قصاصة جريدة صفراء قديمة.

عمرها أكثر من أربعين سنة.

العنوان كان يقول:

“اختفاء نجل رجل الأعمال الشاب محمود الجندي في ظروف غامضة.”

قال كريم:

“زمان الشرطة قالت إنه هرب.”

“وبعدين بعد الحادث اعتبروا إنه مات.”

“لكن فيه حاجة غريبة.”

رفع ورقة أخرى.

وقال:

“التحقيق الأصلي اتقفل بسرعة جدًا.”

“أسرع من الطبيعي.”

بدأت سارة تقرأ.

وكل سطر كان يزيد الصدمة.

شهود اختفوا.

أقوال متناقضة.

وأدلة لم يتم فحصها.

وكأن أحدًا كان يضغط لإغلاق القض..ية.

ثم ظهرت معلومة أخطر.

اسم شخص.

شخص كان شريكًا للحاج محمود في بداية تأسيس الشركة.

اسمه:

حسن الدمنهوري.

قال كريم:

“الراجل ده باع حصته واختفى بعد سنوات.”

“لكن الغريب إنه كان آخر شخص شاف الطفل قبل اختفائه.”

سارة رفعت رأسها.

“تقصد إنه متورط؟”

رد المحامي:

“ما عنديش دليل.”

“لكن عندي إحساس.”

وفي تلك اللحظة…

دخلت السكرتيرة فجأة.

ووجهها شاحب.

وقالت:

“الأستاذة سارة…”

“فيه حد تحت عايز يقابلك.”

“مين؟”

ردت:

“راجل كبير في السن.”

“بيقول إنه كان سواق الحاج محمود من أربعين سنة.”

نزلت سارة فورًا.

وكان هناك رجل عجوز يجلس في الاستقبال.

شعره أبيض بالكامل.

وعصاه بين يديه.

بمجرد ما رآها…

وقف بصعوبة.

وقال:

“أخيرًا لقيتك.”

أخذته إلى مكتبها.

وقدمت له كوب ماء.

ثم قالت:

“حضرتك تعرف الحاج محمود؟”

ضحك الرجل بحزن.

وقال:

“أنا كنت أشتغل عنده قبل ما الشركة تتأسس أصلًا.”

ثم أخرج من جيبه صورة قديمة.

ووضعها على المكتب.

الصورة كانت لطفل صغير.

عمره حوالي خمس سنوات.

يقف بجوار الحاج محمود.

قال الرجل:

“ده ياسر.”

شعرت سارة أن أنفاسها توقفت.

لكن العجوز أكمل:

“وفي يوم اختفى.”

“بس الحقيقة…”

سكت.

ثم نظر حوله.

وكأنه خائف حتى الآن.

وأضاف بصوت منخفض:

“الطفل ما اختفاش.”

سارة اقتربت منه.

“أمال حصل إيه؟”

الرجل تنهد.

وقال:

“اتخطف.”

ساد الصمت.

ثقيلاً.

مرعبًا.

“مين خطفه؟”

ارتجفت يد العجوز.

ثم قال:

“أنا شفتهم.”

“لكن طول عمري كنت خايف أتكلم.”

“مين؟”

رفع عينيه إليها.

وقال الجملة التي قلبت كل شيء:

“شريك الحاج محمود.”

“حسن الدمنهوري.”

وقبل أن يكمل…

دوى صوت انفجار هائل في الطابق السفلي.

اهتز المبنى بالكامل.

وتحطم زجاج النوافذ.

وسقطت الملفات من فوق المكاتب.

صرخت السكرتيرة في الخارج.

وبدأت أجهزة الإنذار تعمل.

أما العجوز…

فنظر إلى سارة بعينين مليئتين بالرعب.

وقال:

“عرفوا إني جيت.”

ثم همس:

“دلوقتي هيق..تلونا كلنا.”

يتبع… الفصل السادس: الانفجار يكشف شبكة أسرار عمرها أربعون سنة، وسارة تكتشف أن حسن الدمنهوري لم يختفِ أبدًا… بل ما زال داخل الشركة باسم آخر.

الفصل السادس

دوى صوت الإنفجار في أرجاء المبنى كله.

الأرض اهتزت تحت أقدامهم.

وأجهزة الإنذار بدأت تصرخ بجنون.

أما الموظفون الموجودون في الأدوار السفلى فاندفعوا ناحية المخارج في حالة ذعر.

سارة تمسكت بحافة المكتب حتى لا تسقط.

بينما الرجل العجوز كان يرتعش بشكل واضح.

وعيناه مليئتان بالخوف.

الخوف الحقيقي.

الخوف اللي بييجي من شخص عارف إنه مطارد.

بعد دقائق وصلت قوات الحماية المدنية والشرطة.

واتضح أن الانفجار لم يكن ضخمًا كما بدا.

عبوة صغيرة انفجرت داخل غرفة التخزين الخلفية.

الهدف منها لم يكن التدمير.

بل الرسالة.

رسالة واضحة جدًا.

“ابعدوا عن الحقيقة.”

وقفت سارة وسط الفوضى.

تراقب رجال الأمن وهم يتحركون.

وفجأة تذكرت الرجل العجوز.

التفتت بسرعة.

لكن الكرسي كان فارغًا.

اختفى.

كأنه تبخر.

بدأت تبحث عنه في كل مكان.

في الاستقبال.

في الممرات.

خارج المبنى.

لكن لم يكن هناك أي أثر له.

بعد ساعتين.

كانت جالسة مع المحامي كريم في غرفة الاجتماعات.

وأمامهما تسجيلات الكاميرات.

في أحد المشاهد ظهر العجوز وهو يغادر المبنى.

ثم توقفت الصورة فجأة.

ثلاثون ثانية كاملة من التسجيل اختفت.

ثم عادت الصورة للعمل من جديد.

لكن الرجل لم يعد موجودًا.

قال كريم وهو يمرر يده فوق وجهه:

“اللي بيحصل أكبر من مجرد قض..ية قديمة.”

سارة أومأت.

لأنها بدأت تشعر بذلك أيضًا.

وفي تلك الليلة.

رجعت إلى بيتها مرهقة.

لكن النوم رفض يزور عينيها.

ففتحت من جديد مذكرات الحاج محمود.

وبدأت تقلب الصفحات التي لم تقرأها من قبل.

إلى أن سقطت ورقة صغيرة من بين الأوراق.

ورقة لم تلاحظها سابقًا.

فتحتها.

وكان مكتوبًا عليها بخط مرتعش:

“لو وصلتِ هنا يا سارة… يبقى غالبًا هيبدأوا يتحركوا.”

تجمدت.

وأكملت القراءة.

“أخطر شخص في الشركة ليس من تتوقعينه.”

“وهو ليس بعيدًا عنك.”

شعرت بقشعريرة.

وأكملت.

“لو اختفى أي شاهد…”

“أو تعرض أحد للأذى…”

“ابحثي عن الرجل الذي غير اسمه.”

أسفل الجملة كان هناك رقم ملف.

ورقم موظف.

لا أكثر.

في صباح اليوم التالي.

ذهبت مباشرة إلى قسم الموارد البشرية.

وطلبت الملف.

في البداية رفضوا لأن الملف يعود لعشرات السنين.

لكن بصفتها المالكة الرئيسية حصلت عليه.

بدأت تقلب الصفحات.

إلى أن وصلت إلى الاسم.

وهنا شعرت أن قلبها توقف للحظة.

لأن الموظف المقصود لم يكن عاملًا عاديًا.

ولا مديرًا صغيرًا.

بل كان أحد أعضاء مجلس الإدارة.

رجل اسمه:

فؤاد السيوفي.

كان من أقدم الشخصيات داخل الشركة.

محترم.

هادئ.

ومعروف بنزاهته أمام الجميع.

لكن الملف كشف شيئًا غريبًا.

قبل ثلاثين سنة.

لم يكن اسمه فؤاد السيوفي.

كان اسمه:

حسن الدمنهوري.

سقط الملف من يد سارة.

واتسعت عيناها.

الرجل لم يختفِ.

لم يسافر.

ولم يمت.

كان يعيش بينهم طوال هذه السنوات.

تحت اسم جديد.

في نفس اللحظة.

فتح باب المكتب.

ودخل ياسر الجندي.

وكان يبدو غاضبًا.

لكنه توقف فجأة عندما رأى الملف المفتوح أمامها.

ثم نظر للاسم.

وتجمد مكانه.

قال بصوت منخفض:

“إنتِ لقيتيه.”

سارة رفعت رأسها ببطء.

“إنت كنت عارف؟”

تنهد ياسر.

وجلس أمامها.

ثم قال:

“من أسبوع.”

الصدمة ضربتها من جديد.

“إيه؟!”

أخرج ياسر ظرفًا من حقيبته.

ووضعه فوق المكتب.

“وصلني بعد وفاة الحاج محمود.”

فتحت الظرف.

وكان بداخله خطاب.

بخط الحاج محمود.

بدأت تقرأ.

“يا ياسر…”

“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة فمعنى ذلك أنني لم أعد موجودًا.”

“وأغلب الظن أنك اكتشفت بالفعل جزءًا من الحقيقة.”

“لكن هناك حقيقة أكبر.”

سارة رفعت عينيها نحو ياسر.

أما هو فظل صامتًا.

أكملت القراءة.

“الشخص الذي خطفك وأنت طفل…”

“هو نفسه الشخص الذي حاول قت..لي مرتين.”

“وهو نفسه الذي سرق جزءًا من الشركة.”

“وهو نفسه الذي يجلس اليوم داخل مجلس الإدارة.”

تسارعت أنفاسها.

ثم وصلت إلى آخر سطر.

السطر الذي جعل الدم يتجمد في عروقها.

“إذا قرأت هذه الرسالة…”

“فلا تواجه حسن الدمنهوري وحدك.”

“لأنه لا يزال يعتقد أنك مت.”

ساد الصمت.

الصمت الثقيل.

المرعب.

ثم قال ياسر أخيرًا:

“أنا محتاج أعرف حاجة.”

“الحاج محمود كان يقصد إيه بكلمة مت؟”

سارة نظرت إليه.

وتذكرت صورة الطفل.

وتذكرت شهادة السائق.

وتذكرت الرسائل.

ثم همست:

“عشان…”

وتوقفت.

في اللحظة نفسها رن هاتفها.

رقم مجهول.

ردت بتردد.

لكن ما سمعته جعل لون وجهها يختفي تمامًا.

الصوت قال:

“لو عايزة تشوفي السواق العجوز حي…”

“تعالي لوحدك.”

ثم أغلق الخط.

وأرسل بعدها مباشرة صورة.

صورة للسائق.

مربوط على كرسي.

والخوف يملأ عينيه.

وخلفه وقف رجل لا يظهر منه سوى ظله.

لكن على يده اليمنى…

كان هناك خاتم ذهبي يحمل حرفًا واحدًا.

الحرف:

ح

الحرف نفسه الذي كان منقوشًا على توقيع حسن الدمنهوري في الملفات القديمة.

يتبع… الفصل السابع: سارة تذهب وحدها لمواجهة أخطر رجل في تاريخ الشركة، وتكتشف السر الذي أخفاه الحاج محمود أربعين عامًا عن الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *