حكايات زهره الربيع 2
مرت الساعات الأولى بعد اللي حصل والبيت كله غرقان في حالة صمت غريبة، صمت عامل زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. شيماء مأخدتش الفلوس المرة دي؛ كبريائها ومنظرها اللي اتكشف قدام الكل منعها، ودخلت رزعت باب شقتها، وأحمد نزل قعد على القهوة كالعادة وكأن الموضوع ميتعلقش بيه.
أما محمود جوزي، فنزل شغله وهو مش قادر يحط عينه في عيني، ونظرة الكسرة اللي كانت في عينه زمان بسبب قلة الحيلة، اتحولت لنظرة حيرة وخوف من اللي أنا ناوية أعمله.
على الساعة ٢ الظهر، ميعاد الغدا، نزلّت عيالي الثلاثة قدامي، وكنت مجهزاهم وملمعاهم، ونزلت شقة حماتي. دخلت المطبخ عندها بكل ثقة، لقيتها واقفة بتطبخ والضيق باين على وشها، وبصتلي وكأنها مش طيقاني، بس أنا قابلت ده بابتسامة باردة وقولت: “تسلم إيدك يا حماتي، الريحة تجنن، يلا يا أولاد اقعدوا عشان تتغدوا من خير ستكم.”
حماتي لفت ليا وقالت بنبرة حدة: “هو أنتي بتتكلمي جد يا هدى؟ وجايبة عيالك وجاية فعلاً؟ هو محمود مأداكيش مصاريف النهاردة ولا إيه؟”
رديت عليها وأنا بقعد ولادي على السفرة: “ومحمود هيجيب منين يا حماتي؟ ما هو الفلوس اللي معاه يا دوب بتكفي خناقات الدور التاني، وعشان المركب تسير والناس متقولش معندناش ناكل، محمود هيدير البيت هناك، وأنتي كتر خيرك هتديري البيت هنا.. مش إحنا أهل برضه وأخوه الصغير أولى؟”
الكلام نزل عليها زي الدبش، لدرجة إنها معرفتش ترد بكلمة واحدة، واكتفت بأنها حطت الأكل وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم. أكلت أنا وعيالي وشبعنا، وبعد ما خلصنا، قولت للعيال: “اطلعوا العبوا فوق.. وأنا يا حماتي عليا غسيل المواعين وترويق المطبخ، عشان أبقى شايلة لقتي بلقمتي.”
فضلت على الحال ده لمدة ثلاثة أيام كاملة. كل يوم فطار وغدا وعشا عندي حماتي، ومحمود جوزي لما كان يرجع من الشغل ملقيش لقمة في الشقة فوق، ينزل ياكل تحت معانا وهو حاسس بالذل والإحراج قدام أمه، لأنه شايف مراته وعياله عايشين على إيد غيرهم وهو راجل وشقيان.
في اليوم الرابع، بدأت الخطة تجيب مفعولها الحقيقي. شيماء سلفتي لما لقت إن محمود مبقاش يطلعلها بالفلوس جاهزة، وإن السهولة اللي كانت بتاخد بيها شقا جوزي اتقطعت، بدأت تزن على أحمد عشان ينزل يشتغل، وأحمد بدأ يزهق من قعد البيت ومن الخناق اللي ملقيش حد يداريه.
أما حماتي، فميزانيتها بدأت تخرم، ومصاريف أكلنا كل يوم بدأت تضغط عليها، وعرفت إن كلمة “بتاكلي من خيري” اللي قالتها في لحظة غضب كلفتها كتير. وفي ليلة، وأنا قاعدة مع حماتي في الصالة بعد العشا، ومحمود كان لسه راجع من بره وتعبان، دخل أحمد أخوه الصغير وعلامات الضيق على وشه، وبص لمحمود وقال بنبرة فيها عتاب قوي: “جرى إيه يا أبو البنات؟ بقالك كام يوم إيدك ناشفة مع أم أمير، والبيت مفيش فيه اللقمه، وأنت عارف البير وغطاه وعارف إن الشغل مريح معايا!”
محمود لسه هيتكلم ويبرر بضعفه المعتاد، لكن أنا وقفت في وسط الصالة، وبصيت لأحمد وحماتي، وجهزت كلامي اللي هيقلب التربيزة تماماً على الكل…
وقفت في وسط الصالة، وحطيت إيدي في وسطي وبصيت لأحمد بنظرة كلها ثقة وقوة، وقولتله بصوت مسمع هز جدران البيت: “جرى إيه يا أبو أمير؟ أنت بتعاتب أخوك الكبير إنه منشف إيده معاك؟ ولا كأنك بتطالبه بنفقة متأخرة! هو محمود كان اتجوزك أنت ومراتك وأنا مش دريانة؟!”
أحمد وشه احمر واتعصب وقال: “جرى إيه يا هدى؟ لِمي لسانك، أنا بكلم أخويا الكبير، والدم عمره ما يبقى مية، وهو طول عمره بيشيلني في الأزمات.”
رديت عليه بضحكة استهزاء: “الأزمات دي لما تكون راجل شقيان وربنا كارمك ويجي عليك وقت تقع فيه، مش لما تكون مقضيها على القهوة عشر أيام وتشتغل يوم واحد وتستني أخوك يرجع هادد حيله وشايل طوب عشان يديك شقاه وعرق عياله! الدم مش مية يا سيدي، بس عرق جوزي مش مية برضه عشان تدلقوه في الأرض.”
حماتي وقفت وزعقت: ” جرى إيه يا بت أنتِ؟ أنتِ هتسوقي فيها ولا إيه؟ ما خلاص عدينا الأيام اللي فاتت وأكلتي أنتِ وعيالك وجوزك من خيري ومن قُوتي لما قُلتي معندناش، جاية دلوقتي تعملي فتنة بين الأخوات في بيتي؟”
بصيت لحماتي بكل برود وقولت: “لا يا حماتي، أنا مبعملش فتنة، أنا جاية أرجع الحق لأصحابه. والأيام اللي فاتت دي أنا جيت أكلت عندك عشان أعرفك إن كلمة (خيرك) دي غالية أوي، واللقمة اللي كنا بناكلها عندك كانت بتطلع من عنينا قصادها كلام يوجع. فمادام محمود معاه فلوس ومبيحوشهاش لبيته وبيديها لأخوه، يبقى أولى بيه يأكلنا هو من شقاه، وأخوه ينزل يشوف لقمة عيشه.”
لفيت لمحمود اللي كان قاعد حاطط راسه بين إيديه من كتر الكسوف والخزي، وقولتله: “سمعت يا محمود؟ سمعت أخوك بيقولك إيه؟ بيعاتبك على شقاك اللي كنت بتحرمنا منه! وسمعت والدتك بتقول إيه؟ عيرتنا باللقمة اللي أكلناها! ها يا أبو البنات؟ هتروح تفتح الدرج وتديله الـ ١٠٠٠ جنيه وتبيت عيالك من غير عشا تاني، عشان ترضي الناس على حساب لحمك ودمك؟”
محمود رفع راسه، وبص لأخوه ولأمه، ولأول مرة أشوف في عينه نظرة غضب حقيقية مش كسرة. وقف على حيله وبص لأحمد وقال بصوت حازم: “هدى معاها حق يا أحمد.. أنا اتقصمت ومبقتش قادر، وشقايا أولى بيه عيالي. من النهاردة كل واحد فينا يشيل شيلته، والشغل على قفا من يشيل في البلد، انزل وشوف لقمة عيشك ومتبصش في جيب غيرك.”
أحمد اتصدم من رد فعل محمود اللي عمره ما قاله “لا”، وحماتي برقت ومكنتش متوقعة إن ابنها الكبير يقف في وشها ووش أخوه الصغير عشان مراته.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط ورزع فوق.. شيماء كانت نازلة على السلم وهي شقا عينيها برضه، وشايلة الشنطة ومنهارة من العياط وبتقول: “بقى كده يا أحمد؟ مخليني قاعدة فوق جعانة ومستني أخوك يديك حسنة؟ أنا ماشية ورايحة لأهلي ومش هقعد في البيت ده تاني!”
أحمد بص لمحمود مستني منه يتحرك أو يجري وراها كالعادة ويمسكها ويديها فلوس، ومحمود بصلي أنا.. وأنا بصيتلهم كلهم بابتسامة نصر، والخطوة اللي جاية كانت هي القاضية اللي هتقلب موازين البيت كله…
شيماء كانت واقفة على السلم عيناها بتلف بيننا مستنية حد يجري وراها ويمسك فيها كالعادة، وأحمد عينُه كانت على جيب محمود مستني الفلوس تطلع. أحمد بص لمحمود بزعيق وقال: “مش هتلحق سلفتك يا محمود؟ هتسيبها تخرج بفضيحة وسط البلد؟”
محمود بصلي وهو متردد، فأنا أخدت خطوتين بكل ثقة لحد باب السلم، وبصيت لشيماء وقولت بعلو صوتي المسمع: “مع السلامة يا شيماء، طريق السلامة يا حبيبتي وأنتي رايحة لأهلك.. بس وأنتي بتشتكي وبتقولي معندناش أكل، خدي بالك وقوليلهم الحقيقة كاملة! قوليلهم أنا غضبانة عشان جوزي مبيشتغلش ومقضيها على القهوة، مش عشان محمود مأصر معاكم! وقوليلهم إن أخو جوزي هو اللي كان شايل مصاريف بيتي وعلاجي ولبن ابني الشهور اللي فاتت دي كلها من قوت عياله لحد ما حيلته اتقطعت!”
شيماء اتسمرت مكانها على السلم، ووشها بقى يجيب ألوان، لأن اللعبة اتكشفت والبلد كلها لو عرفت هتعرف إن العيب في جوزها مش في قلة أصل من بيت عيلته. لما لقت مفيش فايدة ومحدش هيجري وراها بفلوس، نزلت جري وهي بتعيط من قهرتها ومشت فعلاً بره البيت.
أحمد لما شاف مراته مشت بجد ومحدش وقفها، اتجنن وبص لمحمود وقال بغل: “بقى بتسمع كلام مرأتك يا محمود؟ بتخرب بيتي عشان خاطر كلام حريم؟”
حماتي قامت من مكانها وهي بتصرخ وتلطم على صدرها: “يالهوي يا فضيحتنا في البلد! الست مشت وغضبت وأهلها ناس صعبة ومش هيعدوها.. منك لله يا هدى يا حرباية، دخلتي بيتنا ووقفتي الأخوات في وش بعض وخربتي البيت!”
هنا محمود نطق، وصوته كان قوي وزلزل جدران الصالة لأول مرة: “لحد هنا وبس يا أمي! هدى مخربتش حاجة، هدى فوقتني من الغيبوبة اللي كنت فيها. أنا اللي كنت هخرب بيتي بإيديا عشان أداري على خيبة أخويا.. أحمد طول ما هو شايف جيب ممدود له وعارف إن فيه مغفل هيدفع، عمره ما هيتحرك من على القهوة، ومراته واخدة الغضب نمرة ووسيلة عشان تبتزني وتلم فلوس شقايا وعرق عيالي.”
لفيت وبصيت لأحمد وقولتله ببرود: “مراتك راحت لأهلها يا أبو أمير.. ووريني بقى هتروح ترجعها بإيد فاضية إزاي؟ حماتك مش هترضى ترجع بنتها إلا لما تشوف في إيدك قرشين يضمنوا عيشتها، والقرشين دول مفيش محمود خلاص.. انزل بقى من النجمة بكره، شيل طوب واحفر أساسات واشتغل ليل مع نهار عشان تعرف تجيب مراتك وابنك، ورجّع كرامتك اللي رميتها على القهاوي.”
أحمد خرج من البيت وهو بيبرطم وعينه مليانة غل وعجز، وحماتي دخلت أوضتها ورزعت الباب وهي بتدعي عليا.. بس أنا ومحمود أخدنا ولادنا وطلعنا شقتنا فوق.
لأول مرة من شهور طويلة، محمود يقعد في الشقة وهو مرتاح البال، بصلي وقال ونبرة الندم في صوته: “أنا أسف يا هدى.. أنا كنت سادج وكنت هضيعكم من إيديا عشان أرضي الناس.” قولتله: “المهم إنك فوقت يا أبو العيال.. واللقمة اللي هنأكلها من هنا ورايح، حتى لو مش وعيش، هتبقى بالهنا والشفا مادام من شقاك ولينا لوحدنا.”
تاني يوم الصبح، البيت كان هادي جداً.. أحمد نزل بدري لأول مرة من سنين، بس مش عشان يشتغل.. نزل وهو ناوي على مصيبة تانية يكسر بيها كلامنا، وعرفنا المصيبة دي العصر، لما الباب الأرضي اتفتح بقوة وبصوت عالي، ولقينا اللي داخل البيت شخص مكنش يخطر على بال حد فينا، وجاي ومعاه…
