حكايات اسما السيد 4

## الجزء السابع: في حضرة الجبل

تجمد السرداب بأكمله. صدى ضحكة سامح بدا وكأنه يرتد عن جدران الجبل المحيطة بالدير، يحمل معه برودة الموت. الراهب العجوز تراجع خطوة إلى الخلف، واضعاً يده على صليبه الخشبي وهو يتمتم بصلوات صامتة، بينما بقيتُ أنا متشبثة بالمفتاح الحديدي المغروز في قلب الباب الضخم.

“أنت… جيت هنا إزاي؟” خرجت الكلمات من حنجرتي جافة كرماد الصحراء.

خطا سامح خطوة للأمام، والمس*دس الكاتم للصوت في يده يشير إلى صدري مباشرة. ملامحه كانت مشدودة، وعيناه غائرتان بفعل السفر الطويل خلفي بلا نوم.

“فاكراني مغفل يا فريدة؟” قالها بنبرة مشحونة بالغل، “فاكرة إنك لما تركبي تاكسي وتجري على الموقف مش هعرف طريقك؟ تليفونك القديم اللي سيبتيه في الفيلا… ما فكرتيش إني ممكن أكون رابط الـ جي بي إس بتاعه بإيميلك؟ بمجرد ما حجزتي تذكرة شرق الدلتا، كنت وراكي بعربيتي أنا ورجالة بابا. والفضل كله يرجع لأبوكي… لولا المذكرة دي ما كناش عرفنا إن السر مدفون في سانت كاترين.”

أشار بأصبعه السبابة للرجل الذي بجانبه، فاندفع نحو السرداب بعنف، وجذبني من ذراعي المصابة بقوة جعلتني أصرخ ألماً، ثم دفعني ليقذفني بعيداً عن الباب الحجري.

“هات المفتاح،” أمر سامح رجله، وهو يقترب من الخزنة المفتوحة.

تراجعتُ وأنا أستند على الجدار الرطب، عيني على الراهب الذي كان ينظر إليّ بنظرة غريبة… لم تكن نظرة خوف، بل كانت نظرة ترقب، كأنه ينتظر شيئاً لم يحسب له سامح أي حساب.

أمسك سامح بالمفتاح الحديدي الثقيل وأداره بالكامل، لينفتح الباب الحديدي الضخم عن آخره كاشفاً عن تجويف حجر عميق. في الداخل، لم يكن هناك صناديق ذهب أو مستندات ضخمة، بل كانت هناك **”أسطوانة معدنية مشفرة”** سوداء اللون، أشبه بالخزنات الرقمية المحمولة، وعليها لوحة مفاتيح نحاسية قديمة.

“أهي…” همس سامح، وعيناه تتسعان بالجشع وهو يمد يده ليمسك بالأسطوانة، “الشفرة التانية… الـ 400 مليون بقوا في إيدينا يا فريدة.”

“سامح، بلاش!” صرختُ وأنا أحاول النهوض، “الفلوس دي دم ناس ماتت في البحر! أبوك شريك في ق*تلهم، لو خدت الفلوس دي لعنتهم هتطاردك لآخر يوم في عمرك!”

“اللَّعنة هي الفقر يا بنت رأفت!” التفت إليّ وصاح بهستيرية، “اللَّعنة هي إني أعيش طول عمري تحت رحمة أبويا ونفوذه، والنهاردة أنا اللي هبقى الحوت الجديد في الإسكندرية!”

رفع الأسطوانة المعدنية الثقيلة، ولكن بمجرد أن حركها من مكانها، دوى صوت “تكة” ميكانيكية حادة ومختلفة من عمق التجويف الحجري.

في نفس اللحظة، التفت الراهب العجوز ونظر إليّ قائلاً بصوت جهوري هز السرداب: **”انبطحي أرضاً يا ابن النور!”**

لم أفهم الكلمة، لكن غريزتي جعلتني ألقي بنفسي على الأرض الصخرية فوراً وأغطي رأسي بيدي.

وفجأة، انطلق صوت صفير حاد من الأسطوانة المعدنية، وتلاها دوي نظام إنذار ميكانيكي قديم موصول بالدير بأكمله. لم تكن الخزنة مجرد مكان للحفظ؛ لقد كانت “فخاً استراتيجياً” صممه أبي. بمجرد رفع الأسطوانة دون إدخال كود إلغاء التنشيط، انغلق الباب الحديدي الضخم المؤدي للممر الخارجي تلقائياً وبقوة هائلة، ليحبسنا جميعاً داخل السرداب السفلي!

“إيه ده؟! الباب اتقفل ليه؟!” صرخ سامح وهو يلتفت برعب نحو الباب الحديدي الذي انغلق تماماً كقبر من الصلب.

بدأ رجاله بإطلاق النار بغباء نحو الباب، لكن الرصاص كان يرتد عن الصلب والحجر ليملأ المكان بالشرر والدخان الخانق.

وسط الفوضى والدخان، تحرك الراهب العجوز بخفة لا تناسب سنه، واقترب مني، ثم جذبني من يدي وأشار إلى ممر سري ضيق للغاية، يكاد لا يرى خلف أحد الأعمدة الحجرية الدائرية.

“تعالي معي يا فريدة،” قال بصوت حاسم، “هذا المكان صممه والدك مع رهبان الدير القدامى قبل ثلاثين سنة لحالات الطوارئ. هم سيبقون هنا حتى تأتي الشرطة وقوات حرس الحدود التي تم إخطارها تلقائياً بالإنذار… أما أنتِ، فيجب أن تخرجي بالأسطوانة.”

نظرتُ خلفي… كان سامح يركض وسط الدخان باتجاهنا بعد أن لاحظ اختفاءنا، وهو يصرخ كالمجنون: “فريدددة! مش هتمشي من هنا عايشة! الشفرة معايا!”

لكنه لم يكن يعلم… أن الأسطوانة السوداء التي يحملها في يده ليست سوى “نصف الشفرة” الفعلي، وأن أبي كتب في مذكرته التي ما زالت في جيبي: *”الشفرة لا تكتمل إلا بقراءة العهد المحفور على جدار الممر السري…”*

اندفعتُ داخل الممر الضيق خلف الراهب، والظلام يبتلعنا مجدداً، بينما كان صوت سامح يبتعد ويتحول إلى عويل يائس خلف الجدران الحجرية السميكة.

**

## الجزء الثامن: العهد الأخير

كان الممر السري ضيقًا لدرجة أن كتفيّ كانا يحتكان بالجدران الحجرية الخشنة مع كل خطوة. الرطوبة هنا كانت خانقة، وصوت أنفاس الراهب العجوز المتسارعة في الأمام كان دليلي الوحيد في عتمة تقترب من السواد المطلق. بالخلف، بدأت أصوات صراخ سامح وضربات رجاله اليائسة على الباب الحديدي تتلاشى تدريجيًا، لتتركنا في حضرة صمت الجبل المهيب.

تعثرتُ مجددًا، وضغطتُ على كاحلي المصاب فخرجت مني آهة متألمة. توقف الراهب، والتفت إليّ مستعينًا بولاعة معدنية صغيرة أشعلها، ليتراقص ضوؤها الأصفر الهزيل على جدران الممر.

“تحاملي على نفسك يا ابنتي،” قال بنبرة تجمع بين الحنو والجدية الصارمة، “نحن الآن في نفق (التجلي السفلي)، وهو نفق صخري يمتد لـ يخرجكِ تمامًا خارج أسوار الدير، من ناحية وادي الأربعين. والدكِ رأفت كان يعلم أن يومًا كهذا قد يأتي.”

أخرجتُ المذكرة بطلب يد ترتجف، ونظرتُ إلى السطر الأخير الذي قطعه هجوم سامح: *”الشفرة لا تكتمل إلا بقراءة العهد المحفور على جدار الممر السري…”*

رفعتُ عيني ونظرتُ إلى الجدار الذي يشير إليه الراهب. كانت هناك رقعة رخامية سوداء صغيرة، محفورة في قلب الصخر الجبلي، ومكتوب عليها بخط يدوي غائر ومطلي بماء الذهب، كلمات بدت وكأنها وصية من عالم آخر:

> **”إلى من يحمل أمانة الدماء… الرقم السري ليس مالًا يُملك، بل هو تاريخ يُصحح. كود التفعيل النهائي هو تاريخ فاجعة البحر، متبوعًا برقم صك الضحايا: 1998-0521. انطق به أمام الحساب لتبطل توكيل الشريك الخائن.”**

>

“هذا هو الكود…” همستُ والدموع تنهمر على وجنتي، “أبويا ما سابليش فلوس عشان أغتني… أبويا سابلي رسالة عشان أطهر اسمه، وأرجع الحق لأصحابه.”

“والدكِ كان رجلًا صالحًا يا فريدة،” قال الراهب وهو يطفئ الولاعة ليتحرك مجددًا، “لقد تحمل اتهامات آل الغرباوي وظلمهم طوال عقود، وعاش كالمسكين فقط ليحمي هذا السر حتى يأتي الوقت المناسب. والآن، الوقت حان.”

بعد دقائق من السير المضني، انفتحت نهاية النفق عن فجوة صخرية صغيرة تطل على منحدر جبلي وعر. كانت النجوم تملأ سماء سيناء في مشهد ساحر، ونسمات الهواء الباردة أعادت إليّ وعيي. بالأسفل، على بعد مئات الأمتار، كانت أضواء سيارات الشرطة الزرقاء والحمراء وتشكيلات حرس الحدود تحيط بالدير بالكامل، بعد أن انطلق إنذار الخزنة الاستراتيجية.

“من هنا يا ابنتي،” أشار الراهب إلى ممر جبلي صغير يسلكه البدو، “هذا الطريق سيقودكِ إلى بلدة كاترين في الأسفل. رجال الأمن هناك تم إخطارهم بأنكِ صاحبة البلاغ السيادي. اذهبي إليهم، وسلميهم الأسطوانة والكود… وأنهي هذه اللعنة.”

انحنيتُ وقبلتُ يد الراهب العجوز امتناناً، ثم بدأتُ النزول ببطء وحذر عبر الصخور، ممسكة بمذكرات أبي كأنها درعي الأخير.

عندما وصلتُ إلى أسفل الجبل، كانت قوات الأمن قد ألقت القبض على سامح ورجاله بعد أن تم فتح السرداب بمعرفة إدارة الدير. رأيتُ سامح وهو يُقاد مكلبش اليدين نحو سيارة الترحيلات. ملابسه كانت ممزقة، وعيناه تملأهما الهزيمة والجنون.

عندما رآني أخرج من بين ظلال الجبل، صرخ بأعلى صوته: “فريدة! أنتِ مش هتعرفي تعملي حاجة بالأسطوانة! الشفرة ناقصة! الفلوس دي بتاعت عيلتي!”

لم أنظر إليه حتى. تقدمتُ بخطوات ثابتة نحو لواء الشرطة الواقف يتابع العمليات، وأخرجتُ له بطاقتي البنكية السوداء والأسطوانة المعدنية التي تركتها في عهدتهم بعد خروجها من الفخ، وقلتُ بصوت هادئ ومسموع:

“أنا فريدة رأفت عبد الرحمن. أنا هنا لتفعيل حساب الأمانات السيادية لضحايا عام 1998… ومعي كود فك التشفير النهائي الذي سيبطل توكيل آل الغرباوي للأبد.”

اتسعت عينا الضابط باحترام، وانحنى ليفتح لي باب سيارته الرسمية: “تفضلي معانا يا فندم… البنك المركزي ووزارة العدل في انتظارك في القاهرة.”

ركبتُ السيارة، ونظرتُ من النافذة إلى قمة جبل كاترين الشاهقة التي بدأت تشرق عليها شمس يوم جديد. شعرتُ لأول مرة منذ سنوات طويل بأني حرة… وبأن روح أبي يمكنها الآن أن ترقد في سلام.

ولكن… بينما كانت السيارة تتحرك مخترقة دروب سيناء نحو العاصمة، رن هاتف الضابط الجالس بجانبي. استمع للمكالمة بوجوم شديد، ثم التفت إليّ وعلامات القلق تكسو وجهه:

“أستاذة فريدة… عندنا خبر عاجل من الإسكندرية. الحاج إسماعيل الغرباوي، بمجرد ما عرف بـ القبض على ابنه وفشل العملية… اختفى من الفيلا بتاعته، وهناك أنباء إنه هرب لـ جهة غير معلومة، ومعاه الأوراق الأصلية لعقود التأسيس اللي ممكن توقف صرف التعويضات بالكامل لو ما وصلناش ليه قبل ما يوصل للمحكمة الدولية…”

 

## الجزء التاسع والأخير: ميزان العدالة

لم تكن الكلمات التي نطق بها الضابط مجرد تحذير، بل كانت جرس إنذار يعلن أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن رأس الأفعى، الحاج إسماعيل الغرباوي، مستعد لحرق الأخضر واليابس قبل أن يعترف بهزيمته. لكن الخوف الذي كان يتملّك فريدة في الماضي مات في ممرات سانت كاترين؛ والآن، لم يعد يملأ قلبها سوى الرغبة في إحقاق الحق.

وصلت السيارة الرسمية إلى مبنى البنك المركزي بالقاهرة في الصباح الباكر. كان في استقبالنا لجنة رفيعة المستوى تضم مستشارين قانونيين ومندوبين من وزارة العدل. دخلتُ غرفة الاجتماعات الكبرى، ووضعتُ الأسطوانة المعدنية ومذكرات أبي على الطاولة المستديرة.

“أستاذة فريدة،” قال المستشار القانوني وهو يتفحص الأوراق بجدية، “الحاج إسماعيل الغرباوي حرك دعوى قضائية دولية عاجلة عبر مكتب محاماة في لندن، يطالب فيها بتجميد الحساب بناءً على عقود تأسيس قديمة يدّعي فيها أن والدكِ تنازل له عن الحصص عام 2000. إذا لم نقم بتفعيل التشفير النهائي وإثبات بطلان عقوده الآن، فقد تدخل هذه الأموال في نفق التجميد الدولي لسنوات طويلة.”

نظرتُ إلى الأسطوانة، ثم أومأتُ برأسي. تقدم خبير التشفير الرقمي بالبنك، وربط الأسطوانة بالشاشة الرئيسية التي تحولت فورًا إلى نفس اللون الأسود والأخضر الفسفوري الذي رأيته في إسكندرية.

“جاهزون للكود النهائي يا فندم،” قال الخبير.

اقتربتُ من الشاشة، ويدي ثابتة لا ترتجف. بدأتُ بإدخال الرقم السري الذي تركته وصية أبي: **(1998-0521)**.

في تلك اللحظة، أصدر النظام رنينًا متواصلًا، وتغيرت الشاشة بالكامل. اختفت العبارات السيادية الحمراء، وظهرت قوائم الأسماء… أسماء ضحايا العبّارة المنكوبة، وبجانب كل اسم القيمة المستحقة لـ عائلته. وفي أعلى الشاشة، ظهرت خانة مكتوب فيها: **[تم إبطال توكيل الشريك الضامن لإخلاله ببند النزاهة والأمانة – الحساب تحت الولاية الشرعية للوريث الأول]**.

وفجأة، انفتحت نافذة بث مباشر على الشاشة أرسلتها النيابة العامة من الإسكندرية. كان الضابط المسؤول يتحدث عبر الفيديو: “يا فندم، تمكنا من رصد الحاج إسماعيل الغرباوي قبل دقائق أثناء محاولته دخول ميناء الإسكندرية لركوب يخت خاص للهروب خارج البلاد. وبمجرد صدور تفعيل الحساب وتأكيد تزوير عقوده إلكترونيًا، تم إلقاء القبض عليه متلبسًا وبحوزته المستندات المزورة.”

نظرتُ إلى الشاشة ورأيتُ الحاج إسماعيل، الرجل الذي كان يظن نفسه إلهًا في الإسكندرية، يُقاد ذليلاً مكسورًا والكلابشات في يديه، يجر عصاه خلفه دون نفوذ أو هيبة. التفتُّ إلى نافذة الغرفة، ونظرتُ إلى السماء، وهمستُ في سري: “لقد رُدت الأمانات لأصحابها يا أبي… نام مرتاحًا.”

### بعد مرور عام…

أقف الآن على شاطئ البحر في جليم، النور الأبيض لم يعد قاسيًا، بل أصبح دافئًا ومشرقًا. الفيلا الإدارية تحولت بقرار مني إلى “مؤسسة رأفت عبد الرحمن لرعاية أسر ضحايا البحر”، ومن خلالها تم توزيع الـ 400 مليون جنيه بالكامل على مستحقيها، لتبدأ مئات العائلات حياة جديدة كريمة بعد عقود من الظلم.

سامح وأبوه يواجهان الآن أحكامًا بالسجن المشدد بتهم التزوير، والشروع في القت/ل، وسرقة أموال عامة. أما أنا… فلم أعد تلك المرأة التي دخلت البنك بشنطة متهالكة وماسكرا سايلة من البكاء. لقد علمتني هذه الرحلة أن القوة لا تُقاس بما نملكه في جيوبنا، بل بما نحمله في قلوبنا من مبادئ.

### 💡 الحكمة من القصة:

> **”إن الباطل قد يتجبر، ويلبس ثوب القوة والنفوذ لسنوات، حتى يظن أصحابه أنهم ملكوا الأرض ومن عليها. لكن الحق دائمًا يملك توقيته الخاص. الأمانة لا تضيع، ودعوة المظلوم لها أجنحة تسافر بها عبر الزمن لتطرق أبواب العدالة في اللحظة المناسبة.**

> **والإنسان لا يسقط عندما يفقد بيته أو ماله، بل يسقط عندما يفقد كبرياءه ويبيع ضميره. أحيانًا، تكون المحنة التي تظن أنها نهايتك، هي البداية الوحيدة التي تؤهلك لتكون صاحب رسالة وأثر في هذه الحياة.”**

>

**تمت الرواية بحمد الله.**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *