حكايات اسما السيد 3

## الجزء الخامس: أنفاس في الظلام

تجمّد الدم في عروقي. انقطاع الكهرباء في هذا التوقيت بالذات، وصوت تكسير الزجاج الذي تبعه، لم يكن مصادفة أبداً. آل الغرباوي لم ينتظروا الصباح، ولم تكن لديهم أي نية لخوض معركة قانونية طويلة. لقد قرروا حسم الأمر الليلة، وبأعنف طريقة ممكنة.

احتضنت صندوق القطيفة الأحمر وضممته إلى صدري كأنه طوق نجاتي الوحيد. تسللت دقات قلبي المتسارعة إلى أذني لتنافس صوت الخطوات الثقيلة التي بدأت تتحرك في الصالة الخارجية. كانوا أكثر من شخص، يتحركون بخفة مدروسة، وكشافات هواتفهم المحمولة تقطع عتمة القصر بخطوط بيضاء مرعبة.

“فتشوا الدور الأرضي بسرعة،” جاءني صوت خفيض مألوف… صوت سامح! كان يرتجف، لكنه كان يرتجف طمعاً وليس خوفاً. “المذكرة أو الكارت لازم يكونوا هنا. الفيلا مقفولة بقالها سنين، وهي أكيد ما لحقتش تخبي الحاجة برة.”

رد عليه صوت أخر أجش وغريب: “لو لقيناها… هنعمل إيه في البنت؟”

ساد صمت مرعب لثوانٍ، قبل أن يقول سامح بنبرة حسمت كل شيء بيننا: “مش مهم… المهم الشفرة والمذكرة. اخلصوا قبل ما الحراسة اللي برة تحس بحاجة.”

في تلك اللحظة، أدركت أن سامح الذي عرفته قد مات، أو ربما لم يكن موجوداً من الأساس. الرجل الذي شاركته عمري كان مستعداً للتخلص مني دون أن يطرف له جفن في سبيل الـ 400 مليون جنيه.

انحنيت ببطء أسفل المكتب الخشبي الضخم، كاتمة أنفاسي، والدموع تحرق عيني ليس حزناً عليه، بل رعباً من الموقف. نظرت إلى المذكرة في يدي مستعينة بإضاءة خاطفة عبر النوافذ من أعمدة الإنارة الخارجية. كان يجب أن أعرف أين الشفرة الثانية قبل أن يصلوا إليّ. قلبت الصفحة بسرعة، وقرأت السطور الأخيرة التي كتبها أبي قبل وفاته:

> *”الشفرة الثانية يا فريدة ليست مع إسماعيل… إسماعيل يملك مفتاحاً مزيفاً ظن أنني أعطيته إياه لتهدئته. المفتاح الحقيقي والشفرة الثانية وضعتها في أيدٍ أمينة… أيدٍ لا يمكن أن تطالها يد الغرباوي. اذهبي إلى…”*

>

“هي هنا!”

صرخة دوت داخل الغرفة قطعت أنفاسي. شعاع كشاف قوي سُلط على المكتب مباشرة. أحد الرجال اكتشف مكاني.

لم أفكر. غريزة البقاء حركتني قبل عقلي. اندفعت من أسفل المكتب من الناحية الأخرى، وقذفت كرسي المكتب الخشبي الثقيل باتجاه الرجل صاحب الكشاف، ليسقط أرضاً مسبباً جلبة شديدة.

“فريدة!” صرخ سامح من الصالة وهو يندفع نحو غرفة المكتب.

جريت بأقصى سرعة لدي في الظلام، مستغلة معرفتي البسيطة بممرات الدور الأرضي التي فحصتها مساءً. صعدت السلم المؤدي للدور العلوي كالمجنونة، بينما كانت خطواتهم تتعقبني كوحوش ضارية. وصلت إلى الطابق الأول، ودخلت أول غرفة واجهتني وأغلقت الباب الحديدي القديم وخلفته بالقفل، ثم سحبت خزانة ملابس خشبية ثقيلة بكل ما أوتيت من قوة لأضعها خلف الباب.

تراجع حثيثاً نحو النافذة المطلة على الحديقة الخلفية. بالخارج، كان الظلام دامساً، والمسافة بين النافذة والأرض لا تقل عن أربعة أمتار.

بدأ ضرب عنيف على الباب الخشبي للغرفة. صوت الخشب وهو يتشقق كان يملأ المكان.

“افتحي يا فريدة!” كان سامح يصرخ بهستيرية من خلف الباب، “مش هتقدري تهربي! هاتي المذكرة والكارت وهنسيبك تمشي… صدقيني مش هتاخدي مليم واحد من الفلوس دي لوحدك!”

تجاهلت صراخه، ونظرت مجدداً في المذكرة تحت ضوء القمر الخافت الذي بدأ يتسلل من بين السحب. قرأت الكلمة التي بُترت قبل قليل:

> *”اذهبي إلى… خزائن الأمانات السرية في دير سانت كاترين… هناك، تحت اسم مستعار (محب غريب)، توجد الشفرة الثانية التي تفتح حساب التعويضات. المفتاح الحديدي الذي في الصندوق هو مفتاح تلك الخزانة. احمي حقوق الناس يا فريدة… ولا تثقي بأحد.”*

>

دير سانت كاترين؟! في قلب سيناء؟ كيف سأصل إلى هناك وأنا محاصرة في غرفة مغلقة بالإسكندرية؟

فجأة، تحطم الجزء العلوي من الباب، وظهرت يد أحد الرجال وهي تحاول إزاحة الخزانة الثقيلة من الداخل. لم يعد أمامي سوى ثوانٍ معدودة.

نظرت إلى النافذة، ثم إلى صندوق القطيفة الذي ربطته بحزام حبل حول خصري بإحكام. فتحت النافذة، ووقفت على الحافة، الهواء البارد يضرب وجهي بشدة. نظرت للأسفل… كانت هناك شجيرة ضخمة كثيفة الأوراق تقع مباشرة تحت النافذة.

“أهو عندك!” صرخ سامح وهو يكسر الباب بالكامل ويدخل الغرفة.

اندفع نحوي ممسكاً بيدي، لكنني نظرت في عينيه للمرة الأخيرة بنظرة احتقار جعلته يتراجع خطوة للخلف. وبتلقائية، أفلتّ يدي… وألقيت بنفسي في الفراغ.

**

## الجزء السادس: طريق الدم والنار

ارتطمتُ بالأرض بعد رحلة سقوط بدت وكأنها دامت لسنوات. لم تكن الشجيرة كافية لامتصاص الصدمة بالكامل؛ شعرتُ بألم حاد يمزق كاحلي الأيمن، وخدوش لاهبة تشق وجهي ويداي. لكن الأدرينالين كان يتدفق في جسدي كالمخدر، فلم أسمح للألم أن يوقفني.

زحفتُ لثوانٍ وسط شجيرات الحديقة الخلفية، وصوت سامح يتردد من الأعلى بهستيرية: “نزلت تحت! انزلوا هاتوها بسرعة قبل ما تخرج من البوابة!”

تحاملتُ على قدمي الملتوية، وضغطتُ على أسناني حتى كادت تتهشم من شدة الألم. تلمستُ خصري… كان صندوق القطيفة الأحمر ومذكرات أبي ما زالا هناك، مثبتين بإحكام. تحركتُ في الظلام الدامس مستغلة ظلال أشجار الفيلا الكثيفة، متجهة نحو السور الجانبي وليس البوابة الرئيسية التي يتجمع عندها رجالهم بالتأكيد.

عند السور، وجدتُ كتلة خرسانية قديمة استخدمتها كدرجة، وتشبثتُ بحافة السور الحديدي المدبب، ثم ألقيتُ بنفسي إلى الشارع الجانبي المظلم. هبطتُ على قدمي السليمة هذه المرة، وبدأتُ أركض… أركض بعرج واضح، وأنفاسي المتقطعة هي الصوت الوحيد في شارع جليم الهادئ.

لم يكن هناك وقت للبكاء أو التفكير في خيانة سامح. بعد عدة شوارع، رأيتُ سيارة أجرة (تاكسي الإسكندرية الأصفر والأسود) تقف على ناصية طريق الحرية. ارتميتُ في المقعد الخلفي وأنا ألهث: “الموقف الجديد… كرموز… بسرعة أرجوك!”

نظر إليّ السائق بذهول عبر المرآة، وعلامات الفزع واضحة على وجهي وملابسي الممزقة، لكنني أخرجتُ من جيبي ورقة بمتين جنيه من المخصصات التي سحبتها من البنك وقذفتها له، فتحرك بالسيارة على الفور دون أن ينطق بكلمة.

في موقف الأوتوبيسات، كان الوقت قد تجاوز الثالثة فجراً. نجحتُ في حجز مقعد في حافلة متجهة إلى القاهرة، ومنها سأبحث عن وسيلة للانتقال إلى جنوب سيناء، وتحديداً إلى دير سانت كاترين وسط الجبال.

طوال الطريق، لم تغمض لي عين. كنتُ أخرج المفتاح الحديدي الثقيل من الصندوق، وأتأمل تفاصيله الصدئة. هذا المفتاح الصغير يحمل حقوق مئات العائلات التي ماتت في عرض البحر سنة 1998، ويحمل أيضاً براءة أبي وتاريخه الذي حاول آل الغرباوي تلطيخه.

عندما وصلتُ إلى القاهرة مع شروق الشمس، لم أنتظر. توجهتُ إلى موقف شرق الدلتا واستقليتُ حافلة متجهة مباشرة إلى الطور وسانت كاترين. الرحلة كانت طويلة ومرهقة، والكمائن الأمنية المنتشرة على طول الطريق كانت تزيد من توتري. كنتُ أخشى أن يكون إسماعيل الغرباوي بنفوذه وعلاقاته القديمة قد أبلغ عني بتهمة سرقة أو تزوير.

بعد ساعات طوال من قطع الصحراء والجبال الشاهقة، بدأت قمم جبال سيناء الرمادية والوردية تلوح في الأفق. كان المشهد مهيباً ومرعباً في آن واحد. هنا دفن أبي السر… في البقعة الأكثر عزلة وروحانية في العالم.

وصلتُ إلى منطقة الدير مع دقات الساعة الرابعة عصراً. كانت برودة الجبل تقرص عظامي. نزلتُ من الحافلة، وربطتُ شالاً حول رأسي لأخفي وجهي والخدوش التي عليه، وتحاملتُ على قدمي المصابة وتوجهتُ نحو بوابة دير سانت كاترين الأثرية.

الدير كان يضج بالزوار والسياح، مما منحني شعوراً مؤقتاً بالأمان. دخلتُ من الأبواب الحجرية الضخمة، وتوجهتُ مباشرة نحو أحد الرهبان كبار السن الذي كان يقف بالقرب من كنيسة التجلي، وكان يرتدي ثوباً أسود طويلاً ولحية بيضاء كثيفة.

“معذرة يا أبتي،” قلتُ بصوت منخفض، “أنا أبحث عن مكان خزائن الأمانات القديمة… الأمانات التي تُحفظ بأسماء مستعارة هنا.”

نظر إليّ الراهب بنظرة فاحصة وعميقة، وكأنه يقرأ الخوف والاضطراب في عيني، ثم قال بصوت هادئ ومطمئن: “الأمانات القديمة لا يدخلها إلا من يملك المفتاح… والكلمة. هل معكِ المفتاح يا ابنتي؟”

أومأتُ برأسي، وأخرجتُ له طرف المفتاح الحديدي من تحت الشال.

تغيرت ملامح الراهب فجأة، وظل ينظر للمفتاح بذهول، ثم همس: “مفتاح رأفت… مرّت سنوات طويلة ولم يأتِ أحد. اتبعي من فضلك ببطء.”

مشينا عبر ممرات حجرية ضيقة ومتعرجة، نزولاً إلى سرداب أسفل الدير، حيث كانت الرطوبة عالية ورائحة البخور القديم تملأ المكان. توقفنا أمام باب حديدي ضخم للغاية، يعود لعقود مضت. أشار الراهب إلى ثقب قفل كبير وقال: “ضعي المفتاح… ولكن تذكري، القفل لن يدور إلا إذا نطقتِ بالاسم المستعار الصحيح.”

وضعتُ المفتاح الحديدي في القفل. كان ثقيلاً ومتوافقاً تماماً. شعرتُ برعشة في يدي.

“الاسم المستعار…” قال الراهب منتظراً.

قلتُ بثقة: “محب غريب.”

أدرتُ المفتاح… وسمعتُ صوت تكة ميكانيكية ضخمة تردد صداها في السرداب، وبدأ الباب الحديدي يتحرك ببطء ليفتح فجوة في الجدار.

لكن قبل أن أخطو خطوة واحدة نحو الداخل، جاءني صوت من خلفنا في الممر المظلم… صوت ضحكة ساخرة، تلاها صوت تعمير س-لاح ناري!

“شكراً ليكي يا فروحة… وفرتي علينا تدوير سنين، ووصلتينا لحد الخزنة بنفسك.”

التفتُّ برعب… لـ أجد سامح واقفاً في عتمة السرداب، وبجانبه رجلان يحملان أسلحة كاتمة للصوت، وعيناه تلمعان بشرٍ مطلق. لقد تتبعوني طوال الطريق من الإسكندرية إلى هنا!

**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *