بعد يومين حكايات رومانى مكرم 1

بعد يومين بس من دفع تمن القصر كاش… قصر بملايين الجنيهات في الكومباوند، جوزي “مصطفى” بكل بجاحة أعلن إن أبوه وأمه وأخته المطلقة “منار” جايين يعيشوا معانا.. مش بس كده، ده ادعى إن البيت بتاعه هو، وهددني يرميني في الشارع! بس الغبي مشي برجليه لفخ عمره ما تخيله في حياته.

 

كان المفروض اليوم اللي أستلم فيه مفاتيح بيت أحلامي يكون أسعد يوم في عمري.

بدل كل ده، اليوم ده بقى بداية خيانة تصدم لدرجة إنها في الآخر سابت عيلة كاملة واقفة مذهولة، مش ناطقة بكلمة، فوق أرضية رخام فخمة.. بس فاضية.

أنا اللي دفعت تمن القصر ده من الألف للياء.

كل مليم.. من شقايا.

الفلوس دي كانت تمن بيع شركة البرمجيات والـ (Software) اللي قعدت سنين أبني فيها من الصفر، طوبة طوبة. ده كان نجاحي، وتضحيتي، ومكافأتي من الدنيا.

بس عمري ما اتمنظرت بيها على حد، ولا جرحت كرامة حد.

وبالذات جوزي، مصطفى.

قدام الناس، كنت بسيبه يعيش الدور وياخد اللقطة. كان بيموت في منظرة الفشخرة وهو بيكلم الناس عن بيتنا الجديد. كان يبتسم بفخر في الصور ويتصرف كأننا شقينا وعملنا كل ده سوا.

وأنا عمري ما كسرت مقاديفه ولا صلحته قدام حد.

لحد ما جيه اليوم المشؤوم.. بعد يومين بس من نقل حاجتنا، مصطفى رمى في وشي القنبلة دي بكل برود وأنا واقفة برتب ورق الشغل على رخامة المطبخ (الجزيرة).

بصلي وقاللي: “أبويا وأمي جايين يعيشوا هنا.”

رفعت عيني وبصيت له بذهول: “نعم؟! بتقول إيه؟”

وزاد في البجاحة وقال: “وكمان منار أختي.. أصلها اتطلقت ومحتاجة مكان تقعد فيه بعد البهدلة دي.”

لا ناقشني..

لا خد رأيي..

ولا حتى سألني!

ده قرار.. كأنه أمر واقع اتفرض عليا، ومن ورا ضهري.

لما جيت أتكلم وأعترض، ومستنية منه على الأقل تبرير يفهمه عقل، مصطفى ضحك!

مش ضحكة توتر.. ولا كسوف..

دي كانت ضحكة ثقة وعنجهية.. ضحكة واحد فاكر إنه خلاص ملك الدنيا وضمن الماتش في جيبه.

وقاللي بكل عين قوية: “البيت ده بيتي أنا.. باسمي!”

في اللحظة دي، افتكرته بيموت من الهزار ودمه خفيف.

بس لما ركزت في وشه.. عرفت إنه بيتكلم جد الجد.

زعق فيا وهو بيبرق: “أنا اشتريت البيت ده بفلوسي أنا! ولو قعدتي تتفلسفي وتجادلي كتير، هرميكي برة في الشارع!”

الكلمات دي نزلت عليا زي الكرباج، وجعتني أكتر مما كنت أتخيل.

مش عشان خفت منه.. لأ خالص.

عشان الكلمات دي كشفتلي حقيقة مرعبة.

مصطفى كان مصدق كدبته!

الراجل اللي أمنته على نفسي وحياتي، أقنع نفسه بطريقة مريضة إن نجاحي وشقايا ملكه هو لمجرد إنه جوزي.

تاني يوم الصبح، نزل بدري عشان يجيب عيلته من المطار.

ولأول مرة في حياتي، قعدت وفتحت اللاب توب وبدأت أراجع كل حاجة.

كل ورقة..

كل تحويل بنكي..

كل حساب.

في الأول، كنت فاكرة إني هطلع الورق وأثبت له إنه غلطان ونعدي الأزمة.

لكن اللي اكتشفته كان أسوأ بمراحل.. كابوس حقيقي.

قبلها بأسابيع، مصطفى قعد يزن عليا ويقنعني إني أسهل المعاملات المالية وأعمله توكيل أو أديله صلاحية دخول على حساب من حساباتي البنكية الكبيرة عشان “إحنا واحد ومفيش فرق بينا”.

وأنا غباوتي خلتني أثق فيه.

ودلوقتي، وأنا مبحلقة في شاشة اللاب توب وبشوف كشف الحساب وتاريخ المعاملات، جالي غثيان وكنت هترعش من الصدمة.

تحويل ورا تحويل.. كله ورا بعضه على الشاشة:

500,000 جنيه.

1,000,000 جنيه.

800,000 جنيه.

مرة.. وتانية.. وتالتة!

وكل تحويل مكتوب جنبه نفس السبب: “دعم الأسرة”.

إيديا بدأت تترعش..

مش من الخوف ولا الغضب.. من الصدمة والإدراك.

ده مكنش مجرد سوء تفاهم ولا طمع مفاجئ..

دي كانت خطة ملعوبة ومترتبة من زمان!

على ما خلصت مكالماتي مع البنك والمحامي بتاعي، كنت عرفت بالظبط أنا هعمل إيه.

عشان كده، فضلت هادية.. هادية تماماً.

ما اتصلتش بمصطفى.

ما بعتلوش رسالة عتاب واحدة.

ولا حتى حذرت أي حد من عيلته.

أنا ببساطة.. جهزت الرد.

وعلى الساعة 4:17 العصر بالظبط، لفت عربيات عيلته ودخلت بوابات الكومباوند ووقفت قدام الفيلا.

مصطفى نزل الأول، والابتسامة مالية وشه من الودن للودن.

وراه على طول نزل أبوه وأمه وهوما بيعدلوا هدومهم بفخر.

وبعدين نزلت أخته “منار” وهي بتجر وراها كمية شنط سفر تخليك تتأكد إنها مش جاية زيارة كام يوم.. دي جاية تعشش وتورث.

الأربعة مشيوا في اتجاه الباب الرئيسي وهما بيبصوا للقصر بنظرات كلها تملك، كأنهم ملوك داخلين مملكتهم.

مصطفى وقف قدام الباب وبكل ثقة بدأ يكتب الباسورد (رمز الدخول) على القفل الإلكتروني الذكي.

سمعنا صوت “تكة” القفل.. بس الباب مأتحركش.

جرب تاني.. وبرضه مفيش فايدة.

الملامح المفتخرة والابتسامة بدأت تتقلب لعلامات حيرة وقلق بسرعة الصاروخ.

في اللحظة دي.. أنا اللي فتحت الباب من جوه.

أول ما الباب اتفتح، كل ابتسامة على وشوشهم اتمسحت في ثانية.

لأن القصر اللي ورايا كان على البلاط.. فاضي تماماً!

مفيش كنبة.. مفيش سفيرة.. مفيش نجفة.. مفيش لوحة واحدة على الحيطة.

ولا حتى سجادة.

مفيش أي حاجة.. مجرد أرضيات رخام عريانة بتعكس صدى الصوت.

#الكاتب_رومانى_مكرم

وعلى الحيطة اللي جنب المدخل بالظبط، كان فيه ظرف أبيض وحيد ومتعلق، ومكتوب عليه اسم “مصطفى” بخط أسود عريض وواضح.

أول ما عينه جت على الظرف ده، الدم هرب من وشه وبقى زي الأموات.

لأنه بشكل ما.. وبذكائه اللي خانه..

كان عارف ومتوقع إيه اللي جوه الظرف ده.

واللي قراه مصطفى في الورقة دي بعد كده، دمر وهد كل حاجة في حياته.. كل حاجة كان فاكر إنه قدر يسيطر عليها ويسرقها مني!

 

أول ما عينه جت على الظرف، مصطفى مد إيده وهو بيترعش وسحبه من على الحيطة. فتح الظرف وصوابعه مش قادرة تشيل الورقة، وبدأ يقرأ الكلام المكتوب بصوت واطي، وعيلته كلها ملمومة حواليه بأنفاس مكتومة.

الورقة مكنتش رسالة عتاب، دي كانت كشف حساب حقيقي وموثق بالورق والختم:

> “عزيزي مصطفى،

> أولاً: التوكيل اللي أنت استغليته عشان تسحب الـ 2.3 مليون جنيه تحت بند ‘دعم الأسرة’، اتلغى رسمي الساعة 9 الصبح، وقضية الخيانة الأمانة والسرقة الموثقة بكل تحويل بنكي اترفت خلاص في النيابة بفضل كاميرات المراقبة وكشوف الحسابات اللي بتثبت إنك حولت الفلوس لحسابك الشخصي وحساب والدك بدون علمي.

> ثانياً: القصر ده متسجل بعقد بيع نهائي باسم شركتي الخاصة، يعني ملكية تجارية وفردية ليا أنا لوحدي، والشركة اللي باعتلي هي اللي استلمت الشيكات المقبولة الدفع من حسابي الشخصي مش حسابك.

> ثالثاً: العفش كله اللي أنت اخترته واتفشخرت بيه، رجع لشركة الديكور لأنها ببساطة ملكي برضه، والشرط الجزائي دفعته من فلوسك اللي جمدتها في الحساب المشترك.”

>

مصطفى رفع عينه من الورقة وشه بقى أزرق، وبصلي بصدمة وهو مش قادر ينطق، والورقة وقعت من إيده على الأرضية الرخام الفاضية.

أبوه خطف الورقة من على الأرض وبدأ يقرأها، وملامح الفخر والوجاهة اللي كانت على وشه اختفت تماماً، وبدأ يزعق وهو بيبص لمصطفى: “إيه الكلام ده؟ أنت مش قولت لنا إنك شاري البيت ده بفلوسك وكله تمام؟ أنت هتحبسنا معاك ولا إيه؟”

في اللحظة دي، منار أخته سابت الشنط اللي في إيدها وقعدت على الأرض تلطم وتصرخ: “يعني أنا جاية من بيت طليقي متبهدلة عشان أتبهدل هنا كمان؟ مفيش مكان نقعد فيه؟”

أما حماتي، فوقفت تبص للمساحة الفاضية حواليها بذهول، كأنها مش مستوعبة إن القصر اللي كانت داخلة تتملكه بقى مجرد جدران وأرضية رخام باردة.

أنا فضلت واقفة في مكاني، مربعة إيديا وببص لهم بمنتهى الهدوء والثبات. مكنش في قلبي أي شماتة، كان فيه بس راحة ونظرة استحقاق لشقايا اللي حاولوا يسرقوه في لحظة عين.

مصطفى حاول يقرب مني ويقنعني، وبدأ صوته يتغير من لغة التهديد والوعيد للغة الرجاء: “يا حبيبتي، إحنا عشرة عمر.. أنا كنت بس عايز أأمن مستقبلي ومستقبل عيلتي.. أنتِ عارفة الظروف، منار ملهاش حد، وأبويا وأمي كبروا في السن.”

ضحكت ضحكة خفيفة سخرت من كل الكلام ده، وقولت له بصوت مسموع ومحدد: “العشرة دي أنت اللي دوست عليها برجليك لما قولت لي هرميكي في الشارع، ولما مديت إيدك على شقايا وفاكرني نايمة على وداني. عيلتك تقدر تاخدها وترجعوا من مطرح ما جيتوا، لأن الأمن بتاع الكومباوند على البوابة مستني إشارة مني بس عشان يخرجكم برة.”

مصطفى حس إن الأرض بتلف بيه، وبص حواليه لقى المحامي بتاعي داخل من بوابة الفيلا ومعاه اتنين من أفراد الأمن، وفي إيدهم أمر إخلاء فوري وعدم تعرض.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *