مع سقوط آخر حبة تراب4
الرسالة فضلت قدامي كأنها خيال، الكلام المكتوب فيها كان كفيل يهز أركان الكون اللي اتبنى حواليا في الساعات اللي فاتت. “مستنيكي يا أم أحمد”. الشفرة دي، الطريقة دي، الريحة اللي كانت في المكتب.. كل ده كان بيقول إن اللي بيحصل ده مش صدفة، ومش تمثيلية تانية من توأم أو محامي طماع.
قمت وقفت، رجليا كانت بتسندني بصعوبة، بس كان فيه نار جوايا أقوى من أي وجع. مشيت بعيد عن عربيات الشرطة اللي كانت لسه بتلم الآثار، ووقفت تاكسي بآخر ما كان معايا من فلوس، ووريت السواق اللوكيشن.
ـ “طريق السويس؟ دي منطقة مقطوعة يا حاجة، ومفيش حد بيمشي فيها بالليل.”
ـ “مش مهم.. اتحرك.”
طول الطريق، التاكسي كان بيشق الضلمة، وأنا عيني مش بتتشال من على شاشة الموبايل. اللوكيشن كان بيتحرك ببطء، وكأنه بيستدرجني لمكان بعيد، لمكان مهجور تماماً وسط الصحراء. قلبي كان بيدق زي الطبول، خايفة تكون مصيدة جديدة، وخايفة يكون أمل كاذب.. بس في أعماق قلبي، كان فيه صوت بيقولي: “محمود ما كانش هيسيبك تواجهي كل ده لوحده.”
وصلنا لمكان عبارة عن استراحة قديمة متهالكة، منورة بكشاف وحيد ضعيف. السواق خاف ونزلني عند أول الطريق ومشي بسرعة قبل ما ألحق أحاسبه بالكامل.
مشيت على رجليا في الرمل.. الهوا كان ساقع، والهدوء كان مخيف لدرجة إن صوت أنفاسي كان بيسمع في السكون. قربت من الاستراحة، وبدأت أسمع صوت راديو قديم شغال.. صوت موسيقى أم كلثوم، “أمل حياتي”.. الأغنية اللي محمود كان بيشغلها لي كل عيد جواز.
دخلت الاستراحة، الخشب كان بيزيق تحت رجلي.. الأوضة اللي في الوش كان خارج منها نور دافي. وقفت قدام الباب، وإيدي بتترعش وهي بتمسكه.
فتحت الباب ببطء.
الأوضة كانت مجهزة كأنها مكتب محمود بالظبط.. نفس المكتب الأنتيك، نفس الكرسي، ونفس ريحة البخور. وعلى المكتب، كان فيه ظرف أصفر كبير، مفتوح.
الراجل كان قاعد مدي ظهره للباب، بيبص من الشباك للصحراء.
ـ “اتأخرتي يا روايح.. كان لازم توصلي قبل ما الفجر يطلع.”
الصوت.. كان صوته. مش صوت مدحت الغليظ، ولا نبرة رفعت الماكرة. ده كان صوت محمود.. صوت جوزي، رفيق عمري.
اتسمرت في مكاني، ودموعي نزلت من غير صوت.
ـ “محمود؟ أنت عايش؟ أنت اللي ميت؟! مين اللي في القبر؟ ومين مدحت؟”
لف الكرسي ببطء.. كان هو. وشه كان تعبان، دقنه طويلة، وعينيه دبلانة، بس هي هي عيون محمود اللي عرفتها.
قام ووقف، ولقيته حاطط جهاز طبي صغير تحت قميصه، جهاز مساعد للقلب.. وبصلي وهو بيبتسم ابتسامة مكسورة:
ـ “يا روايح.. الحكاية أطول وأقذر مما تتخيلي. الجثة اللي دفنتوها كانت جثة راجل غريب، أنا اللي رتبت كل ده بمساعدة الدكتور نبيل في الأول، قبل ما يحصل اللي حصل. مدحت.. أخويا التوأم اللي أنا نفسي مكنتش أعرف مكانه غير من سنتين بس! اكتشفت إنه عايش وإنه بيطاردني وبيهددني بفضايح وهمية عشان يشاركني في كل حاجة. ولما ولادي قرروا يخلصوا مني، مدحت استغل الفرصة.. هو اللي كان بيخطط لكل حاجة من ورا الستار، وهو اللي كان بيبعت الرسايل، وهو اللي كان عايز يورطني ويورطكم ويطلع هو بالثروة!”
ـ “يعني هو اللي قتل نفسه؟” سألته بصدمة.
ـ “لأ.. هو اللي خلى رفعت يقتل نفسه، مدحت كان فاكر إنه هيقدر يمثل دوري، بس أنا كنت مراقبه.. كنت عارف إنه هيجي المعادي، وكنت عارف إنه هيحاول يخلص من ولادي ومنك.”
محمود مسك الظرف الأصفر وفتحه، وطلع منه عقود.. عقود حقيقية مش مزورة.
ـ “هنا كل حاجة.. العقود اللي تخلي ولادك يخرجوا من السجن، بس بشرط.. إنهم ميعرفوش إني عايش. لازم يفضلوا فاكرين إنهم قتلوا أبوهم، لازم يعيشوا بذنبهم ده طول العمر في السجن، ده العقاب الوحيد اللي يستحقوه.”
بصيتله برعب:
ـ “هتسيبهم في السجن؟ دول ولادك!”
ـ “دول مش ولادي يا روايح.. اللي يقتل أبوه عشان قرش مش ابني.”
فجأة، سمعت صوت عربيات بتتحرك بره الاستراحة. محمود بص للشباك وش وشه اتخطف:
ـ “رفعت! رفعت عرف المكان!”
محمود شد إيدي وجري بيا ناحية باب خفي جوه الدولاب.
ـ “اسمعيني يا روايح.. العقود دي لازم توصل للنيابة النهاردة.. رفعت مش جاي عشان يقتلني، هو جاي عشان ياخد العقود دي ويختفي للأبد. لو مسكها، هيضيع كل حاجة.”
ـ “مش هسيبك!” صرخت وأنا متمسكة بقميصه.
ـ “لازم تروحي.. فيه عربية مستنياكي ورا الاستراحة، السواق ده أمين. العقود دي هي الحقيقة.. اطلعي النيابة، قولي لهم إنك لقيتي الظرف ده في المكتب، من غير ما تجيبي سيرتي.. عيشي حياتك يا روايح، واعتبري محمود رسلان مات فعلاً.”
دفعني ناحية الباب الخفي وهو بيسمع أصوات ضرب نار بره.. رفعت وصل.
قبل ما يقفل الباب، بصلي نظرة أخيرة، نظرة حنين وألم.. نظرة وداع حقيقي.
ـ “أنا بحبك يا روايح.. بس الحقيقة أصعب من إننا نعيشها سوا.”
قفلت الباب، ولقيت نفسي في ممر ضلمة بيوصلني لبره الاستراحة.. والشرطة والمجرمين بيتبادلوا الضرب بره..
ركبت العربية اللي كانت مستنياني، والظرف في إيدي..
العربية اتحركت بسرعة، وأنا ببص ورايا، والاستراحة بدأت تولع نار..
هل محمود ضحى بنفسه عشان ينهي اللعبة؟ وهل دي كانت فعلاً النهاية.. ولا لسه فيه فصل أخير ما يعرفوش غير القدر؟
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
أول ما العربية اتحركت بعيد عن الاستراحة، بصيت للمراية.. ألسنة اللهب كانت بتطلع من كل حتة في المكان، وصوت انفجارات متتالية خلى الأرض تتهز تحتنا. السواق اللي كان معايا كان شاب ملامحه جامدة، ماسك الدركسيون بقوة ومابيبصش وراه، وكأنه عارف كل تفصيلة في الخطة.
ـ “أنت مين؟ ومين اللي بعتك؟” سألته وصوتي بيترعش.
ـ “أنا واحد من رجالة محمود باشا القدام.. الحاج قالي لو شفتك طالعة من الباب الخفي، أخدك فوراً على النيابة العامة بوسط البلد، ومعايا ظرف تاني فيه أدلة إدانة رفعت بكل عمليات النصب اللي عملها.”
فتحت الظرف اللي كان في إيدي.. أوراق، عقود، صور، وتسجيلات صوتية. كل حاجة كانت كاملة. كان حاطط لي دليل براءة ولادي من “تُهمة القتل العمد” (لأنهم كانوا فاكرين إنهم قتلوا أبوهم، لكنه كان لسه عايش)، بس في نفس الوقت كان مدي للنيابة أدلة كافية عشان يفضلوا في السجن بتهمة “الشروع في القتل” وتزوير أوراق رسمية. محمود كان قاسي لدرجة إنه اختار لهم السجن بدل الموت، بس اختار لهم عقاب يفضلوا عايشين جواه بمرارة خيانتهم.
وصلنا قدام مبنى النيابة. كان الوقت لسه ما وصلش للفجر. سلمت الظرف لضابط النيابة المناوب اللي كان مستني إشارة من جهة سيادية عليا.. دخلت، قعدت على كرسي خشب في الممر، وحسيت إن كل ذرة حيل في جسمي اتبخرت.
بعد ساعات من التحقيقات والأسئلة، خرج الضابط ووشه فيه نظرة احترام غير مسبوقة:
ـ “يا حاجّة روايح.. رفعت اتقبض عليه وهو بيحاول يهرب لمطار القاهرة، والظرف اللي سلمتيه قلب القضية كلها. ولادك في الحبس الاحتياطي، وهما اللي اعترفوا بكل حاجة لما عرفوا إن رفعت خانهم.”
ـ “ومحمود؟” سألت بلهفة.
الضابط سكت، وبص للأرض بأسى:
ـ “الاستراحة اتفحمت تماماً يا حاجّة.. ملقيناش أي أثر لأي كائن حي جوه. القوة اللي وصلت بعد الانفجار ما لقتش غير بقايا هيكل معدني لجهاز تنظيم ضربات القلب.”
غمضت عيني، والدموع نزلت بصمت. محمود مات.. المرة دي بجد.. وبنفس الطريقة اللي كان خايف منها.. في النار.
رجعت لبيتنا في المعادي.. البيت اللي كان شاهد على أغلى سنين عمري. دخلت الصالة، ريحة البخور لسه موجودة، وكأن محمود لسه قاعد في مكانه. قعدت على كنبة الصالة، وفتحت الموبايل.. لقيت رسالة واحدة بس مبعوتة ليا من رقم “غير معروف” وصلت في اللحظة اللي دخلت فيها البيت:
“يا روايح.. العقود اللي سلمتيها كانت ناقصة ورقة واحدة.. الورقة اللي بتورثك كل حاجة باسمي في الخارج. الورقة دي موجودة في خزنة بيتنا القديم في بورسعيد.. روحي هناك.. هتلاقي اللي يخليكي تعيشي ملكة.. أو اللي يخليكي تعرفي مين الحقيقي اللي كان بيحرك الخيوط من وراي أنا ومدحت.”
جسمي قشعر.. رسالة تانية؟ بعد ما مات في الحريق؟
قمت وقفت، وبصيت لصورة محمود اللي على الحيطة.. ابتسامته في الصورة كانت بتبصلي، وفجأة حسيت إن ورا الابتسامة دي سر لسه ما عرفتوش.. سر أكبر من التوأم، وأكبر من رفعت.
لقيت شنطة صغيرة محطوطة عند باب الشقة، شنطة سفر قديمة لسه بريحة هدوم محمود.. فتحتها، لقيت جواها تذكرة قطر لبورسعيد، ومفتاح بيت، وورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيده:
“بورسعيد مش نهاية الرحلة.. دي بداية الحقيقة اللي مكنتش أقدر أقولها وأنا عايش.”
لبست عبايتي، وخدت الشنطة، وخرجت من البيت. الطريق لبورسعيد كان بيستناني.. ومعاه السؤال اللي هيهد اللي باقي من عقلي: مين هو “الشخص الحقيقي” اللي كان بيحرك الخيوط؟
ركبت القطر لبورسعيد، وأنا حاسة إن كل كيلومتر ببعده عن القاهرة بيقربني أكتر من حقيقة كنت دافناها في قلبي قبل ما يدفنوا محمود. بورسعيد.. بيتنا القديم اللي ما زرتهوش من سنين، البيت اللي بدأنا فيه حياتنا بقرش واحد وطموح مالوش آخر.
نزلت من القطر، والجو كان مليان بريحة البحر والذكريات. مشيت في الشوارع اللي لسه محتفظة بروح زمان، لحد ما وقفت قدام باب خشب مقشر، لونه أزرق مطفي. دخلت المفتاح في الكالون، ولف.. الباب اتفتح بصوت صرير وكأنه بيرحب بيا بعد غياب.
البيت كان هادي، مغطى بطبقة خفيفة من التراب. مشيت بخطوات تقيلة لحد ما وصلت للأوضة اللي ورا.. “المكتب السري” اللي محمود كان بيحب يقعد فيه لوحده. فتحت الخزنة اللي كان مخبيها ورا دولاب الخشب، وطلعت الورقة اللي قال عليها.
ما كانتش ورقة إرث.. كانت خريطة. خريطة لمكان في قلب بورسعيد، ومكتوب جنبها: “هنا الحقيقة اللي دمرت حياتنا.”
اتجهت للمكان المذكور في الخريطة.. كان قبو تحت مبنى قديم مهجور في منطقة الميناء. نزلت بخطوات مترددة، ومع كل درجة سلم كنت بسمع صوت خبط خفيف.. كأنه صوت حد بيتحرك في الضلمة.
شغلت كشاف الموبايل، وبصيت حواليا.. المكان كان مليان صناديق خشبية، ملفات، وأجهزة قديمة. وفجأة، لمحت خيال راجل واقف قدام مراية كبيرة مكسورة في آخر القبو.
وقفت، ونطقت بصوت مهزوز:
ـ “محمود؟”
الراجل لف ببطء.. كان لابس هدوم قديمة، ووشه باين فيه آثار حروق خفيفة.. بس النظرة في عينيه كانت أقوى من أي وقت مضى. مكنش محمود، ولا مدحت.. كان الدكتور “نبيل المحلاوي”.
برقت عيني بالذهول:
ـ “نبيل؟! أنت اللي بتعمل ده كله؟ أنت اللي قتلت محمود؟!”
نبيل ضحك ضحكة باردة، وقرب مني:
ـ “قتلت محمود؟ يا روايح، محمود مات من زمان، من لحظة ما قرر يبيع ضميره ويستخدم توأمه عشان يكبر إمبراطوريته. أنا مكنتش مجرد صديق، أنا كنت شريكه، والمحرك الحقيقي لكل خيوطه. كنت بساعده عشان أوصل لكل الأسرار اللي مكنش حد يقدر يوصلها غيري.”
ـ “ليه؟ ليه تعمل فينا كدة؟”
ـ “عشان الفلوس، يا روايح.. الفلوس اللي محمود كان بيخبيها في كل حتة، والشركات اللي كان مسجلها بأسماء وهمية. ولادك كانوا مجرد أداة استخدمتهم عشان أخلص من محمود ومدحت في وقت واحد، وأخليكي أنتِ اللي توصليني لكل حاجة ناقصة.. كنت محتاج إمضاءك، وبصمتك، وذكاءك في الوصول للمكان اللي خبا فيه آخر أوراقه.”
سحبت الطبنجة اللي كانت لسه معايا، بس نبيل كان أسرع، زقني في الحيطة ووقعت الطبنجة من إيدي بعيد.
ـ “ماتتعبيش نفسك.. خلاص اللعبة خلصت. كل اللي عملتيه كان بيصب في مصلحتي.”
وفجأة، الباب الحديدي للقبو اتفتح، ودخلت قوة بوليس مسلحة. الضابط اللي شفته في المعادي كان في المقدمة، ومحاوطين نبيل من كل ناحية.
نبيل اتسمر في مكانه، ووشه اتبدل من الغرور للرعب.
الضابط بصلي وقال: “يا حاجّة روايح، إحنا كنا بنراقب نبيل من ساعة ما سلمتي الظرف، ومحمود.. أو الشخص اللي كان باعتلك الرسايل.. كان بيساعدنا في كل خطوة.”
من ورا ظابط البوليس، ظهر راجل لابس كاب ومغطي جزء من وشه.. شال الكاب، وكان محمود! بملامح حقيقية، لا حروق ولا إصابات، كان لابس بدلة عادية بابتسامة خفيفة.
ـ “لعبة حلوة يا نبيل، بس كنت محتاج حد يلم كل خيوطك عشان أحطك في القفص.”
وقعت في حضنه وأنا مش مصدقة.. كل اللي فات كان خطة، محمود كان مراقب كل حركة، كان عارف إن نبيل هو اللي بيحرك الخيوط من ورا الستار، وكان بيسيبه لحد ما يقع في شر أعماله.
محمود بصلي وقال:
ـ “كل اللي حصل كان عشان نبقى أحرار بجد.. لا مدحت، لا ولاد جشعين، ولا شريك خاين. هنبدأ حياة جديدة يا روايح، بعيد عن كل ده.. في مكان محدش يعرفه.”
بصيت ورايا، القبو كان بيتمسح فيه آثار الخيانة، ولادي كانوا في السجن بيواجهوا عقابهم، ونبيل متكلبش.. وأنا، لأول مرة من سنين، حسيت إني مش خايفة.
محمود مسك إيدي وخرجنا من القبو، ولقيت عربية مستنيانا على الطريق. ركبنا، ومع كل ميل بنبعده عن بورسعيد، كنت بحس إن الحمل اللي على قلبي بيخف.. الحقيقة كانت مرة، بس كانت النهاية اللي خلتنا نقدر نتنفس تاني.
مشيت في رحلة طويلة، وفي الآخر، وصلت لبر الأمان.. مع الشخص اللي ما عرفتش أصدق حتى في موته.. إنه ما زال عايش.. جوه قلبي، وجنبي، في حياة جديدة بدأت بدموع وانتهت بسلام.
