حماتي أصرت إن فرش شقتي2
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الحيطان بتلف حوليا. بصيت لأحمد وهو واقف وحامي أخته بضهر قوي، وبصيت لسمر اللي كانت بتعيط، بس ورا دموعها كان فيه نظرة انتصار وشماتة واضحة جداً.. نظرة بتقول لي: “في الآخر برضه أخدت اللي أنا عايزاه”.
وقفت مكاني مذهولة، مش قادرة أستوعب إن أحمد، جوزي وحبيبي اللي شقيت معاه، بيخيرني بين كرامتي وبين بيتي، وبيعاقبني أنا على ذنب هما اللي عملوه في حقه!
بصيت له وقولت بصوت مرعوش بس بحاول أخليه قوي:
“بتطردني من شقتي يا أحمد؟ الشقة اللي دافعة فيها نص تحويشتي وذهب أمي؟ عشان خاطر مين؟ عشان اللي سرقوا عمرك وفلوسك؟”
أحمد زعق فيّا بقسوة عمري ما شفتها فيه:
“أنا مَبطردكيش! أنا بقول لك ده الوضع اللي هيكون.. أمي بتموت في المستشفى بسبب فضحيتك لينا، وأختي بيتها اتخرب ومطلقة ومعندهاش مكان تروح فيه. الشقة دي هتساعنا كلنا، وأوضة النوم دي سمر هتقعد فيها لحد ما الغمة دي تزول.. لو هتقدري تعيشي وتشيلي أختي في عينك أهلاً بيكِ، لو هتقلبشي البيت نكد وتعملي فيها مظلومة، يبقى تروحي بيت أهلك لحد ما تشوفي رساوتك إيه!”
سمر هنا اتكلمت بصوت باكي ومكسور -أو بتمثل الكسر-:
“خلاص يا أحمد يا خويا.. أنا هروح أقعد في أي بنسيون أو أترمي في الشارع، مش عايزة أخرب بينك وبين مراتها.. كفاية خراب البيوت اللي أنا فيه.”
أحمد شدها عليه وقالها:
“من غير كلام فارغ يا سمر، ده بيت أخوكِ، ومحدش يقدر يمشيكِ منه.”
في اللحظة دي، حسيت إن أي كلمة هقولها هتقلل مني. لو وافقت وقعدت، هكون ببيع كرامتي وبقبل أعيش خدامة للي ظلمتني في بيتي اللي حلمت بيه. ولو مشيت، هكون سيبت لها الجمل بما حمل وحققت لها حلمها تاخد شقتي وعفشي على الجاهز.
دخلت أوضتي بكل هدوء وسط نظراتهم، لميت كل هدومي وحاجتي المهمة في شنطتين، ومضيت على ورقة العفش وقائمة المنقولات اللي كانت معايا في وسط ورقي، وأخدت عقود الشقة اللي بتثبت حقي المالي فيها.
طلعت الصالة، وبصيت لأحمد وقولت له ببرود صدمه:
“أنا ماشية يا أحمد.. بس افتكر كويس إنك أنت اللي اختارت. والفرش اللي سمر داخلة تقعد فيه ده.. مش هتهنى بيه كتير.. لأن من بكرة الصبح، الإجراءات القانونية هتبدأ، ومش هسيب جنيه واحد من حقي في الشقة دي ولا في العفش.”
سمر وشها اتغير والخوف ظهر في عينيها تاني، وأحمد وقف مذهول من قوتي ومفتكرش إني هأخد خطوة زي دي.
خرجت من الشقة وقفلت الباب ورايا، والدموع مغرقة عيني.. نزلت في نص الليل، ركبت تاكسي ورحت لبيت أهلي. وطول الطريق كنت بفكر: هل أنا صح ولا هديت بيتي بإيدي؟
تاني يوم الصبح، صحيت على تليفون من رقم غريب.. فتحت الخط، ولقيت صوت راجل بيقول لي:
“مدام مروة؟ أنا المحامي بتاع الأستاذ عصام.. طليق سمر أخت جوزك. أنا معايا أوراق تخص شقة والد أحمد القديمة، وعرفت إنك معاكِ الدفاتر الأصلية.. وعايز أقول لك إن اللي حصل في يوم النقل مكنش مجرد صدفتين.. وطليق سمر عنده سر هيقلب الترابيزة على حماتك وأحمد تماماً!”
أنفاسي اتخطفت وأنا سامعة كلام المحامي. طليق سمر؟ والسر اللي هيقلب الترابيزة؟ حسيت إن الدوامة اللي أنا فيها بتكبر وبتحرّك خيوط مكنتش شايفاها.
رديت عليه بحذر:
“أوراق إيه يا متر؟ وأنا إيه اللي يخليني أثق في طليق سمر أو فيك؟”
المحامي رد بنبرة هادية وثابتة:
“مدام مروة، الأستاذ عصام اضحك عليه زيكم بالظبط. حماتك والست سمر فهموه إن الفلوس اللي اشتروا بيها الأرض وبنوا بيها البيت هي ورث سمر الشرعي من والدها، ولما حصلت الفضيحة قدام العيلة وعرف إنها فلوس مسروقة من حق أحمد وإخواته، وثق في كلامك وولع في الدنيا وطلقها. بس عصام تحت إيده مستندات تانية حماتك كانت شايلاها عنده في بيته.. مستندات تثبت إن الشقة الجديدة اللي أنتِ وأحمد اشتريتوها، مكنتش كلها من شقاكم!”
الدنيا اسودت في عيني وقولت له بصوت مرعوش:
“يعني إيه؟ الشقة دي أنا دافعة فيها شقا عمري ودهبي!”
المحامي قال:
“عارف.. بس أحمد جوزك كان واخد مبالغ ضخمة من أمه من فلوس الورث المسروقة دي تحت الحساب عشان يكمل تمن الشقة، وهو عارف ومخبّي عليكِ! يعني جوزك مكنش ضحية مغفل زي ما ظهر قدامكم.. أحمد كان شريك معاهم في اللعبة من الأول، ولما أمه طلبت العفش لسمر، كان بيلوي دراعه بالفلوس اللي ادهاله!”
الصدمة المرة دي كانت فوق احتمالي. أحمد؟ أحمد اللي بكى في الصالة ومثل دور الابن المصدوم والضحية المكسورة؟ أحمد اللي اتهمني إني فضحت أمه وخربت بيته، كان غرقان معاهم في السرقة ومغفلني ومخليني أبيع دهبي وشقا عمري عشان يكمل تمن الشقة بفلوس إخواته؟
قفلت السكة مع المحامي وأنا حاسة إن جبل بتهد فوق دماغي. اتفقت معاه نقابل الأستاذ عصام بالليل في مكتبه عشان أشوف المستندات بنفسي.
طول اليوم مكنتش بقوم من على السرير، دموعي مكنتش بتنزل من الصدمة، كان عقلي شغال تفكير في البني آدم اللي عشت معاه سنتين وكنت فاكراه أطيب خلق الله.
على الساعة ٧ بالليل، لقيت تليفوني بيرن.. كان أحمد.
رديت ببرود تام:
“عايز إيه يا أحمد؟”
صوته كان متغير، مكنش فيه القسوة بتاعة امبارح، كان صوته مرعوب وواطي:
“مروة.. أنا طالبك في خدمة.. أرجوكِ اسمعيني. أمي حالتها اتدهورت جداً ودخلت في غيبوبة، والدكاترة بيقولوا مفيش أمل. وسمر من ساعة ما جت الشقة وهي قاعدة تصرخ وبتقول إنها بتسمع أصوات في الأوضة، وحاجات من العفش الجديد بتتحرك من مكانها! أنا مش فاهم في إيه، البيت حاله اتقلب من ساعة ما مشيتي.. أرجوكِ تعالي.”
ضحكت بوجع وسخرية وقولت له:
“البيت اتقلب عشان الظلم يا أحمد.. والبيوت اللي بتتبني على السرقة والكذب بتتهد على دماغ أصحابها. سمر بتتوهم من ذنبها، وأمك ربنا بيحاسبها.”
أحمد زعق بخوف:
“سرقة إيه وكذب إيه؟ أنتِ لسه هتقولي كلامك القديم؟”
قولت له بكل ثقة وقوة:
“الكلام القديم ده خلاص بقى حقيقة وموثقة يا أبو كباتن. أنا كمان كام ساعة هكون في مكتب محامي طليق أختك، وهستلم الأوراق اللي تثبت إنك كنت واخد من فلوس ورث إخواتك ومخبي عليا، ومخليني أبيع دهبي عشان تشتري الشقة بفلوس حرام.. أنا مش هسيبك يا أحمد، وهخرب بيتك القانوني زي ما خربت بيتي ونفسيتي.”
أحمد سكت تماماً، وفجأة سمعت صوت صرخة مكتومة من ناحيته، وصوت حاجة بتتكسر بعنف في الشقة، والخط قطع!
حاولت أتصل بيه تاني، التليفون مجمعش.. قلبي بدأ يدق بسرعة، والخوف رجع يتسلل ليا من جديد. نزلت بسرعة ورحت على مكتب المحامي عشان أعرف أول الخيط، بس لما وصلت هناك.. لقيت المفاجأة الأكبر مستنياني قدام باب المكتب.
