أوضة المستشفى حكايات رومانى مكرم 1

لما جدي دخل عليا أوضة المستشفى، كان جسمى بيرتعش من تعب الولادة، وضامة ابني الى صدري. 🥲

جدى اول ما شاف المولود قال.. يا ضنايا.. هو الـ 100 ألف جنيه اللي كنت ببعتهملك كل شهر مكنوش مكفيين ولا إيه؟”

قلبي وقف! 100الف ايه

جوزي “حمادة” كان لسه خارج هو وأمه “الحاجة نوال”، قالوا إيه “نازلين نجيب حاجة من العربية”. وأنا ولا جه في بالي، كنت مشغولة بس في ملامح حتة اللحمة الحمراء اللي بين إيديا.

جدي “الحاج إبراهيم” دخل ساند على عكازه، بس عينيه كانت لسه حادة وبتبرق زي الصقر. باس راسي، وبعدين بص حواليه في الأوضة الحكومية الضيقة، والستاير الباهتة، والكرسي اللي بيزيق مع كل حركة. عقد حواجبه باستغراب شديد.

وبصوت هادي بس مسموع في الأوضة، قال: “يا ضنايا.. هو الـ 100 ألف جنيه اللي كنت ببعتهملك كل شهر مكنوش مكفيين ولا إيه؟”

قلبي وقف! للحظة افتكرت إن البنج مأثر على وداني وبسمع تهيؤات.

همست والشكة في قلبي: “جدي.. فلوس إيه؟”

لون وشه اتخطف وبقى زي الورقة البيضاء: “الفلوس اللي ببعتها من يوم فرحك.. كنت بحولها على الحساب اللي حمادة فتحه باسمك. كنت عايزك أنتِ وابنك متتحوجوش لحد وتجيبوا كل اللي نفسكم فيه.” وبص بكسرة عين لقميص المستشفى الرخيص اللي أنا لابساه، وشنطة البامبرز الشعبي اللي محطوطة تحت السرير.. وكمل: “أوعي تقولي إنك مشفتيش مليم منها؟”

هزيت راسي ببطء والدنيا بدأت تلف بيا. طول السنة اللي فاتت وحمادة يقنعني إن “الحال واقف”، وإن استقالتي من المدرسة عشان الحمل كانت “تضحية عشان نربي العيال”. كان بيحسسني إننا بنشحت، وإننا مش قادرين نجيب سرير نضيف للبيبي ولا حتى شقة أوسع. اعتذرت له مية مرة إني “حمولة تقيلة” عليه، وكنت بمنع نفسي عن الفاكهة عشان أوفر تمن المكرونة!

في اللحظة دي بالظبط، الباب اتفتح.. ودخل حمادة ومعاه أمه نوال، وهما ميتين من الضحك، وشايلين في إيديهم شنط ماركات عالمية بتلمع. ساعات دهب، وجزم جلد غالية، وشنطة إيد تمنها يفتح بيت سنة كاملة.

حكايات رومانى مكرم

أول ما شافوا جدي ووشه اللي زي الرعد، الضحكة اتجمدت على شفايفهم.. والجو في الأوضة بقى يشعلل نار.

جدي إبراهيم نطق بكلمتين، كل كلمة فيهم زي الطلقة: “قولي يا حمادة.. فَهّم حفيدتي الفلوس بتاعتها كانت بتروح فين؟”

 

الجزء الثاني من القصة:

تجمدت الدماء في عروق حمادة، والشنط اللي في إيده وإيد أمه كأنها بقت جمر نار مش قادرين يشيلوها. الحاجة نوال لفت ورقبتها سدت الممر، وبدأت تفرك في إيديها وهي بتبص لحمادة عشان ينطق، بس حمادة كان لسانه مربوط، وعينيه رايحة جاية بين عكاز جدي إبراهيم والشنط الغالية اللي فضحته.

جدي خطى خطوة واحدة لقدام، رنة عكازه على بلاط المستشفى الحكومي كان ليها صوت يرعب. بص لحمادة من فوق لتحت وقال بنبرة تزلزل: “مابتنطقش ليه يا جوز الحرة؟ الفلوس اللي كنت ببعتها لمرأتك عشان تعيش معززة مكرمة، كانت بتتحول فين؟ والشنط السنييه والساعات الدهب دي جاية من قُوت البنت اللي كانت بتموت في غرف العمليات؟”

حمادة بلع ريقه بصعوبة، وحاول يجمع شتات نفسه، ورسم على وشه ابتسامة صفرا مرعوبة: “يا حاج إبراهيم.. وحد الله بس، الموضوع مش زي ما أنت فاهم.. الفلوس.. الفلوس أنا كنت بشيلها، أصل.. أصل الزمن غدار، وكنت بعملهم قرشين للمستقبل، يعني تأمين للولد اللي شرف!”

في اللحظة دي، نزلت ضحكة ساخرة وموجوعة من قلبي.. بصيت له وأنا دموعي نازلة بتكوي خدي، وبصيت لحماتي نوال اللي كانت لابسة في إيدها غوايش دهب جديدة مكنتش معاها الصبح.

زعقت بصوت مبحوح من التعب: “تأمين للمستقبل يا حمادة؟! وأنت مخليني مش قادرة أشتري علبة لبن صناعي نضيفة للواد؟ تأمين للمستقبل وأنت مفهمني إننا بنشحت، ومخليني أعتذر لك كل يوم إني قعدت من الشغل؟ الشنط والساعات دي تأمين للمستقبل برضه؟!”

الحاجة نوال حست إن الكفة بتميل، فدخلت في الكلام بصوتها العالي اللي بتحاول تداري بيه خيبتها: “جرى إيه يا بت يا منال؟ جرى إيه يا حاج إبراهيم؟ هو إحنا غُرب؟ ما الفلوس في البيت، والراجل شالها في حتة مضمونة، وبعدين إحنا جايبين الحاجات دي من فلوسنا الخاصة، شقا ابني وتعبه!”

جدي إبراهيم رفع عكازه في الهوا وشاور بيه في وشها، وعينيه بتطلع شرار: “شقا ابنك مين يا نوال؟ ابنك شغال موظف بملاليم، الـ 100 ألف جنيه اللي كانت بتنزل في حسابه كل أول شهر دي فلوس حفيدتي، ورثها من أبوها الله يرحمه اللي أنا شايلهولها، ومحببتش أقولها عشان متصرفهمش في أي كلام وتعمل بيهم أرض ولا شقة باسمها.. تيجوا أنتوا تسرقوا البنت وهي حامل وتجوعوها؟!”

حمادة وشه جاب ألوان، وبدأ يعرق بغزارة. وبصلي بنظرة رجاء خبيثة: “يا منال.. عشان خاطر ابننا اللي لسه مولود، متخليش جدك يبهدلني في المستشفى، أنا جوزك برضه وسترِك!”

كلمة “سترك” دي كانت القشة اللي قطمت ضهر البعير. بصيت لابني اللي نايم في حضني بيتحرك ببراءة، واقشعر جسمي من كمية الغدر والندالة اللي عشت فيها سنة كاملة مع بني آدم كان بياكل لقمتي بفلوسي، ويمن عليا بالفتات.

شيلت عيني من عليه وبصيت لجدي، وقولت بقلب ميت من الوجع: “يا جدي.. أنا مش عايزة البني آدم ده، ولا عايزة أمه.. أنا عايزة حقي.. حقي وحق ابني قرش ينطح قرش.”

جدي إبراهيم ابتسم ابتسامة نصر حادة، وطلع تليفونه من جيب جلبابه، وضغط على زرار الاتصال وحطه على ودنه وهو بيبص لحمادة اللي ركبه بقت بتخبط في بعضها..

جدي قال في التليفون: “إيوه يا متر.. ارفع القضية اللي جهزناها، وبلغ قسم الشرطة يتحركوا على مستشفى…”

الحاجة نوال أول ما سمعت سيرة الشرطة، الشنط الماركات وقعت من إيدها على الأرض، وصوتها اتغير تماماً وبدأت تصوت.. وحمادة رمى نفسه عند رجلي جدي..

الجزء الثالث:

ارتعشت الأوضة كلها مع صدمة حمادة وأمه. حمادة، اللي كان عايش دور الراجل المتحكم اللي بيصرف من جيبه بـ”منّية”، ركع حرفياً قدام سرير المستشفى، وبدأ يمسك في طرف جلباب جدي إبراهيم وهو بيعيط بدموع تماسيح: “بوس إيدك يا حاج إبراهيم.. بلاش فضايح، وبلاش شرطة! إحنا لسه في مستشفى والناس بتتفرج علينا.. كل شيء يتصلح، والله كل شيء يتصلح!”

جدي زق رجل حمادة بعكازه بقوة خلت حمادة يرجع لورا ويقع على الشنط الماركات اللي رمياها أمه في الأرض، وقال بصوت حاد وزي السكينة: “تصلح إيه يا ابن نوال؟ تصلح سنين الغش؟ ولا تصلح شكل حفيدتي اللي مخلينها زي الشحاتة وهي تحت إيدها ملايين؟ ابعد عني لوسختلي الجلباب!”

الحاجة نوال، لما لقت ابنها متبهدل كده، اتحولت في ثانية، وبدلت نبرة المسكنة لشر وغل، وحطت إيدها في وسطها وزعقت: “جرى إيه يا راجل يا عجوز أنت؟ هتعمل علينا سبع البرمبة؟ أعلى ما في خيلكم اركبوه! الفلوس نازلة في حساب ابني بالورق والقلم، يعني برضاكم.. ومفيش قانون في البلد يمنع راجل يتصرف في حساب مفتوح باسمه أو معاه توكيل فيه! والشنط دي حاجتنا، والدهب ده دهبي.. ورونا بقى هتعملوا إيه بالشرطة بتاعتكم!”

حمادة بص لأمه ببرق ورعب، وكأنه بيقولها “يخرب بيتك سكتيها”، لأن جدي إبراهيم متهزش شعره منه.

بالعكس، جدي ضحك ضحكة عالية هزت حيطان الأوضة، وبص للمحامي اللي كان لسه على الخط وقال له: “سمعت يا متر؟ أهي اعترفت بعضمة لسانها إنهم عارفين بالفلوس وصرفوها.. سجل عندك.”

وبعدين قفل السكة وبص للحاجة نوال بثقة صدمتها: “القانون اللي بتتكلمي عنه يا نوال، سألت فيه أكبر مستشارين قبل ما آجي هنا. الحساب ده أنا اللي فاتحه، والتحويلات كانت بتطلع من حسابي الشخصي ومكتوب في سبب التحويل (نفقة ومصروف لحفيدتي منال).. ومعايا توكيل رسمي منها بإدارة أموالها، يعني حركة السحب اللي ابنك كان بيعملها بالفيزا كارد بتاعتها ومن وراها، وبدون علمها، تكييفها القانوني (خيانه أمانة واستيلاء على أموال الغير).. ده غير قضية تبديد اللي هرفعها عليه وأخليه يلف حوالين نفسه!”

الدنيا اسودت في وش حمادة، وبصلي ودموعه نازلة: “منال.. هونيها يا منال، أنا جوزك وأبو ابنك.. هترضيلي الحبس؟ هترضي ابننا يكبر وأبوه خاين وحرامي في السجون؟”

أنا كنت قاعدة على السرير، ضامة ابني بكل قوتي، كأني بحميه من الوباء اللي واقف قدامي. الدموع اللي في عيني نشفت، وحل محلها جمود عمري ما حسيته قبل كده.

بصيت في عينيه اللي ياما كذبت عليا، وقولت ببرود رعبني أنا شخصياً: “أنت اللي رضيت لابنك وأمه يجوعوا يا حمادة. أنت اللي رضيت تخليني أستخسر اللقمة في بطني وأنا حامل في ابنك عشان توفر قرش تشتري بيه جزمة جلد لأمك! ابننا هيكبر ويعرف إن جده راجل، وأبوه.. أبوه مجرد حرامي.”

في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل اتنين أمنا شرطة ومعاهم ضابط صغير في السن، وبصوا في الأوضة وقالوا: “فين البلاغ اللي هنا؟”

الحاجة نوال لمت الشنط بسرعة في حضنها وهي بتترعش، وحمادة وقف وهو وشه أصفر زي الليمونة، وجدي شاور للضابط وقال: “المتهمين واقفين عندك أهو يا باشا.. ودول الأحراز اللي مشتريينها بفلوس السرقة.”

الضابط بصرامة: “اتفضلوا معانا على القسم لعمل المحضر.”

وهما خارجين والكلابشات بتتحط في إيد حمادة اللي كان بيبصلي بنظرة رعب وانكسار، وأمه بتصوت وتدعي.. جدي إبراهيم قعد على الكرسي اللي بيزيق، وبصلي بحنان كبير، وطبطب على رجلي وقال: “ارتاحي يا بنتي.. حقك وحق الواد رجع.. والطلاق هيجيلك لحد عندك وراسك فوق.”

هزيت راسي وأنا بتنفس لأول مرة من سنة كاملة.. بس فجأة، تليفون حمادة اللي كان ناسيه على التربيزة جنب السرير رن.. وبصيت على الشاشة، لقيت الاسم المكتوب صدمة تانية مكنتش على البال، وخلت حبل الحكاية يتلف من جديد!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *