اتعرفت امبارح حكايات رومانى مكرم 3
الظابط مسك الورقة ببطء، وبدأ يقرأ الكلام المكتوب فيها وعينه بتتحرك بين السطور.. وملامح وشه بتتغير من الدهشة للغضب.
حماتي كانت قاعدة على الكرسي وجسمها كله بيتنفض، عينيها كانت بتترجاني عشان مسكتش، ووشها بقا لونه أصفر زي الليمونة. وحسام كان واقف مذهول، مش فاهم إيه الورقة دي ولا أنا جبتها منين.
الظابط رفع عينه وبص لحماتي وقال بصوت أجش: “الكلام ده صحيح يا حاجّة؟ أنتِ متفقة مع المتهم أدهم ومضيتيله على عقد بيع الشقة دي مقابل إنه يراقب مرّات ابنك ويخوفها لحد ما تطلق؟”
حسام برّق عينه وبص لأمه بصدمة تالتة وصرخ: “شقة إيه؟ ورق إيه يا فندم؟! أمي تعمل كده؟!”
الظابط حدف الورقة على الترابيزة قدام حسام وقال له: “اقرأ بنفسك يا باشمهندس.. أمك العزيزة بايعة ورثك لأدهم عشان تخرب بيتك.”
حسام سحب الورقة وعينه بتجري على الخط.. أول ما شاف إمضاء أمه وبصماتها، والشرط المكتوب ورا بإن الشقة متتسلمش إلا بعد طلاقي، انهار تمامًا.. قعد على أقرب كرسي وخبا وشه بين إيديه وبدأ يبكي بصوت مسموع.. بكاء راجل اتكسر من أكتر حد كان بيحبه وبيثق فيه.
حماتي زحفت على الأرض لحد ما وصلت لرجلي، مسكت جلاليبي وهي بتعيط وتصرخ بذل: “سامحيني يا سارة! أبوس إيدك سامحيني.. الشيطان عمى عيني، كنت فاكراه هيخوفك بس عشان تمشي، مكنتش أعرف إنه مجنون وهيحبسنا ويموتنا كلنا! أبوس رجلِك بلاش الفضيحة.. ابني هيكرهني ويموت فيها!”
بصيت لها من فوق لتحت ببرود تام، ونفضت رجلي من إيدها وقولت للظابط: “أنا عاوزه إثبات حالة بالورقة دي يا فندم، وعاوزه أقدم بلاغ رسمي ضدها بتهمة التحريض والاشتراك في ترويعي ومحاولة تدمير حياتي.”
الظابط هز رأسه وقال للعساكر: “هاتوا الست دي معانا على القسم.. وهاتوا المتهم من الشقة التانية على المستشفى تحت الحراسة.”
العساكر جم يمسكوا حماتي، وهي بتصوت وتستنجد بحسام: “الحقني يا حسام! هيرموا أمك في السجن يا ابني! أهون عليك؟!”
لكن حسام مرفعش عينه حتى يبص لها.. كان كأنه بقى جثة صاحية، صدمته في أمه كانت أكبر من إنه يستوعبها أو يدافع عنها.
خدونا كلنا على القسم عشان نعمل المحضر الرسمي.
أدهم اعترف في المستشفى بكل حاجة أول ما فاق، وقال إن حماتي هي اللي بدأت واستعانت بيه، لكن هو استغل الفرصة عشان ينتقم من العيلة كلها وياخد الشقة والفلوس.
بعد ساعات طويلة في القسم، رجعنا أنا وحسام الشقة.. كانت الساعة بقت أربعة العصر.
الشقة كانت مبهدلة، الإزاز مكسور، والدم على الأرض.. ريحة المكان كانت تخنق.
حسام دخل الأوضة وقفل على نفسه من غير ما ينطق كلمة واحدة.
وأنا قعدت في الصالة، ماسكة تليفوني وببص لشاشته.. كل حاجة انتهت، حماتي اتقبض عليها، وأدهم اتمسك، وحسام اتكسر.. بس أنا مكنتش حاسة بالانتصار.. كنت حاسة بفراغ مرعب.
وفجأة.. والموبايل في إيدي.. سمعت صوت إشعار رسالة!
قلبي دق برعب.. فتحت الموبايل بسرعة.. مكنش أكونت “آدم”، ده كان رقم غريب مش مسجل عندي، باعتلي رسالة مكتوبة:
“فاكرة إن الحكاية خلصت بالقبض على أدهم وأم حسام؟ أنتِ لسه معرفتيش مين اللي صوّرِك أول مرة.. ومين اللي دخل أدهم الشقة المقفولة أصلاً.. استنيني.”
جسمي كله اتجمد.. والرعب رجع يسري في عروقي تاني..
أدهم مكنش شغال لوحده! وفيه حد تاني لسه مستخبي.. وحد قريب مننا جدًا!
#الكاتب_رومانى_مكرم
الرسالة نزلت عليا زي الصاعقة.. الموبايل وقع من إيدي على الأرض، وبقيت بلف حوالين نفسي في الصالة المبهدلة كالمجنونة.
أومال مين؟ مين اللي باقي؟ ومين اللي فتح لأدهم الشقة المقفولة أصلاً؟!
عقلي بدأ يجمع الخيوط بسرعة مرعبة.. شقة عمتي مقفولة بقالها سنتين، والمفتاح مكنش مع حد غير حماتي.. وحماتي في اعترافاتها وقبلها في الشات قالت إنها تفاجأت إن أدهم عايش في الشقة! يعني هي مكانتش تعرف إنه مستقر هناك، هي كانت بتبعتله الفلوس وتتفق معاه بالتليفون.. يبقى فيه حد تاني هو اللي سلم أدهم المفتاح.. حد عايش معانا، وعارف دبت نملة في البيت!
مشيت ببطء ناحية أوضة النوم.. الباب كان موارب..
بصيت من فتحة الباب.. حسام كان قاعد على السرير، حاطط رأسه بين إيديه، وجسمه بيهتز كأنه بيبكي.. لكن مكنش فيه صوت عياط!
دققت في جسمه.. لمحت تليفونه التاني (تليفون الشغل) منور في إيديه.. كان بيكتب بسرعة وجنون.. وفجأة سكت، ورفع رأسه وبص ناحية الباب.. ملامح وشه مكانتش ملامح راجل مكسور بيعيط على أمه.. كانت ملامح غضب وغل وشر عمري في حياتي ما شفته!
في نفس اللحظة.. تليفوني اللي مرمي في الصالة رن بإشعار رسالة جديدة!
سحبت نفسي لورا براحة وبدون صوت، جريت على الصالة وخطفت الموبايل من على الأرض.. فتحت الرسالة من نفس الرقم المجهول:
“بصي من شباك الأوضة المقفولة تاني.. هتلاقي المفاجأة في الدولاب.”
رجل السرير مكانتش شايلاني.. دخلت شقة أدهم المفتوحة والمقلوبة، الشقة اللي شهدت على دموعنا ودمنا من كام ساعة بس.. دخلت الأوضة الضلمة، ورحت عند الدولاب الخشب القديم المتهالك بتاع عمتي..
فتحت الضلفة بإيد بتترعش.. وبدأت أفتش بين الهدوم القديمة المتربة.. لحد ما إيدي خبطت في علبة كرتون صغيرة.
فتحت العلبة.. وكان فيها الصدمة اللي خلتني أحس إن عمري كله كان كذبة كبيرة!
جوة العلبة كان فيه نسختين من مفاتيح شقة عمتي.. ومعاهم كشكول صغير مكتوب فيه يوميات.. بخط يد حسام!
فتحت الكشكول وأنا مش مصدقة.. حسام كاتب من سنة كاملة: *”سارة عاوزه تبعدني عن أمه.. عاوزه تستقل بشقة لوحدها وتنسيني أهلي.. أقسم بالله ما هسيبها تتهنى.. لازم تندم وتعرف إن البعد عن أمي خراب.. أدهم ظهر في الوقت المناسب.. اتفقت معاه يدخل شقة أمي ويراقبها.. وأمي الطماعة افتكرت إنها بتشغله لحسابها.. غبية! متعرّفش إن أنا اللي محرك أدهم من الأول عشان أخلص من سارة وأبين لأمي إنها هي اللي انتصرت!”*
حسام.. جوزي.. حبيبي.. الشخص اللي نزل في نص الليل يكسر الباب ويتبهدل ويضرب.. كان هو المخرج والكاتب بتاع المسرحية دي كلها من البداية!
هو اللي جند أدهم.. وهو اللي سرق تليفون أمه عشان يثبت التهمة عليها.. وهو اللي مثل دور الضحية المكسورة عشان يبعد الشبهة عن نفسه تمامًا ويفضل في نظري البطل اللي أنقذني!
“عجبتك المفاجأة؟”
الصوت جالي من ورايا.. صوت هادي.. بارد.. ومخيف.
لفيت ببطء وأنا سانده على الدولاب.. حسام كان واقف على باب الأوضة، ساند كتفه على الحيطة، وماسك في إيديه “مفك حديدي” طويل وحاد.. والابتسامة اللي على وشه مكانتش ابتسامة حسام اللي اعرفه.. دي كانت ابتسامة “آدم”!
بصلي وعينه بتلمع بشر: “أنا مكنتش عاوز الحكايةتوصل لكده يا سارة.. كنت عاوزك تطلبي الطلاق وتمشي مكسورة من غير ما أعورِك.. بس أنتِ ذكية زيادة عن اللزوم.. وفتشتي ورايا.. والدور ده.. مفيش ظابط هيجي يلحقك فيه!”
قرب مني خطوة.. والمفك لمع في الضلمة..
#الكاتب_رومانى_مكرم
رجعت لورا لحد ما ظهري خبط في قاع الدولاب، والكشكول اتهز في إيدي المبلولة بالعرق. حسام بيقرب، والبرود اللي في عينيه كان بيأكدلي إن الراجل اللي عشت معاه شهرين تحت سقف واحد مات، وصحي مكانه مسخ.
“ليه يا حسام؟” صرخت بصوت مخنوق والدموع بتتحجر في عيني، “أنا عملتلك إيه؟ كل ده عشان طلبت شقة لوحدنا؟! عشان حبيت يعيشلنا خصوصية؟!”
ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة تشبه ضحكة “آدم” اللي سمعتها في أول مكالمة: “الخصوصية دي يعني تكسري كلام أمي؟ يعني تخليني أختار بينك وبين الست اللي كبرتني؟ أمي غلطت لما طمعت، وأدهم غلط لما خان.. بس أنتِ غلطتك الأكبر إنك فكرتي نفسك كسبتي.. أنا المحرك يا سارة، ومحبش حد يكسر كلمتي في بيتي.”
رفع المفك الحديدي وعينه برقت بالشر، وخد خطوة سريعة عشان يهجم عليا..
في اللحظة دي، ملقيتش قدامي غير الكشكول التقيل والعلبة الكرتون.. حدفتهم في وش بكل غلي وعزم، وجريت من تحت دراعه زي السهم! المفك طار وخبط في ضلفة الدولاب الخشب وعمل رزع قوي.
جريت على الصالة وهو ورايا بيصوت زي المجنون: “مش هتمشي من هنا يا سارة! الحكاية دي هتقفل هنا!”
وصلت لباب الشقة المخلوع اللي حسام كسره الصبح، وطلعت منه على السلم وأنا بصرخ بأعلى صوت عندي: “الحقووووني! يا ناس يا اللي في البيت الحقوني!”
صوتي هز جدران العمارة في وقت العصر، وبدأت أبواب الجيران تتفتح بسرعة، وصوت خطوات الناس وهي طالعة تجري على السلم بدأ يظهر. حسام أول ما سمع صوت حركة الجيران وقف على باب الشقة، ملامحه اتخطفت، وعرف إن اللعبة هربت من إيده تماما، وإن قناعه اتقلع قدام المنطقة كلها.
حاول يلف ويرجع يستخبى، بس الجيران كانوا وصلوا.. مسكوه وهو غرقان في دمه من خناقة الصبح وبيهضرب بكلام مش مفهوم.
الشرطة جت للمرة التانية في نفس اليوم.. بس المرة دي عشان تاخد البطل المزيف، المخرج اللي كتب سيناريو دمار بيته بإيده. الكشكول اللي فيه خطه ويومياته كان الدليل القاطع اللي ألحقته بمحضر المحكمة مع عقد حماتي وأوراق أدهم.
بعد مرور ستة أشهر..
قاعدة في بلكونة شقة أهلها، شمس النهار دافية وجميلة، ومفيش أي رعب بيحاوطها. حسام وأدهم بقوا ورا السبان بيقضوا عقوبتهم بتهم الترويع والاشتراك في الجريمة والمحاولة بالقتل، وحماتي خرجت بكفالة على ذمة القضية، بس خرجت مكسورة، وحيدة، بعد ما خسرت ابنها وفلوسها وسمعتها وسط الناس.
سارة قفلت الأكونت القديم، وبصت للسماء وخدت نفس طويل.. لأول مرة من شهور تحس إنها بتتنفس حرية.
### الحكمة من الرواية:
> **”إن البيوت لا تُبنى على المظاهر، ولا تستمر بالخديعة والسيطرة.”**
> * **الأهل والتحكم:** رغبة الأهل في امتلاك الأبناء وتدمير حياتهم الزوجية بحجة “الحب” هي أول مسمار في نعش العائلة، والطمع دائمًا ما ينقلب على صاحبه.
> * **المرض النفسي والتمثيل:** ليس كل من يظهر في ثوب الضحية والبطل يكون بريئًا، فبعض النفوس المريضة مستعدة لتدمير أقرب الناس إليها فقط لإشباع رغبة السيطرة والأنانية.
> * **النهاية الحتمية:** الخبث مهما تعددت أطرافه وحُبكت خيوطه بالذكاء الاصطناعي أو الحيل التكنولوجية، فإن الحقيقة دائمًا تجد طريقها للنور، وظلم الإنسان لبيته وأهله هو أسرع ذنب يعجل الله عقوبته في الدنيا قبل الآخرة.
>
تمت.
#الكاتب_رومانى_مكرم
