حماتى حكايات انجى الخطيب 2
ـ يا إما إيه؟ إنتي بتهدديني في بيتي ولا إيه؟ وعايزاني أمضي على إيه يا روح أمك؟ إقرار دين؟ إنتي شكلك اتجننتي رسمي والغل عمى عينيكي!
قُلتله وبرود الدنيا كله سكن في صوتي:
ـ يا إما الورق ده كله، مع الحسبة اللي أنا حاسباها بالمليم للمصاريف اللي بساعدك بيها، هتروح لـ “حمايا” كبير عيلتكم، ولعمامك اللي كلمتهم مابتنزلش الأرض. هخليهم يشوفوا ابنهم السبع اللي بيصرف على بيته، وهو بيمد إيده على شقى مراته وتعبها في عز ما هي بتغسل هدوم أمه على إيدها لحد ما اتهرت، عشان يروح يمنظّم أمه بفلوس مش فلوسه!
في اللحظة دي، حماتي خرجت من الأوضة وهي بتصوت وبتلطم على صدرها:
ـ شفت يا أحمد؟ شفت المرجلة؟ بتوجّهك وبتصغرّك قدام أهلك وعمامك! عايزة تفضحنا وتعملنا حكاية في البلد عشان قرشين! يا فديحتنا يا ناس، بقى حتة حتة عيلة ملوش لازمة تعمل فينا كدة؟
أحمد وشه جاب ألوان، الغضب عماه بس الخوف من الفضيحة قدام عيلته وأبوه كان ألجم.. هو عارف إن أبوه راجل صعيدي دغري ومبيحبش الظلم، ولو عرف إن ابنه مد إيده على فلوس مراته وشقاها عشان يديهم لأمه ينقطوا بيهم قرايبهم، هيبهدله ويصغّره قدام العيلة كلها.
قرب مني وعينيه بتطلع شرار، وقال بصوت واطي ومكتوم:
ـ إنتي بتلوي دراعي يا “منال”؟ بتهدديني بأبويا وعمامي؟
رديت عليه وأنا ببص في عينيه ومفيش في قلبي نقطة خوف واحدة:
ـ أنا مابلويش دراع حد، أنا باخد حقي. إنت هان عليك تعبي، وهان عليك منظري وأنا بغسل على إيدي بقالي شهور لحد ما ضهري اتقطم، وهان عليك تمد إيدك عليا وتغلط فيا في بيتي.. فلوسي ترجعلي، وحقي اللي ضاع امبارح يتدفع تمنه، وإلا ورب العرش ليكون الورق ده كله عند أبوك قبل ما الساعة تيجي تمانية.
حماتي لقت المركب بتغرق وأحمد واقف عاجز، راحت مأفورة في العياط وقالت:
ـ خلاص يا أحمد يا ابني، هاتي الفلوس اهي، ملعون أبو الفلوس اللي تعمل فينا كدة وتخليني اتهان في بيت ابني! أنا مش عايزة حاجة، خدي فلوسك يا اختي واشبعي بيها، بس وربنا ما أنا قاعدة لك في البيت ده ساعة واحدة تاني!
حدفت الظرف في الأرض تحت رجليا وهي بتدعي وتتحسبن.. وطبعاً كانت مستنية أحمد يمسك فيها ويحايلها، بس الصدمة إن أحمد كان باصصلي ومبرق، ومردش على أمه ولا قالها تقعد.
وطيت بكل برود، شيلت الظرف من الأرض، ونفضته، وحطيته في جيب جلابيتي.. وقُلتلها:
ـ طريق السلامة يا حماتي، والباب يفوت جمل.. هدومك اللي كنتي بتغيريها كل ساعة بحجة النضافة، اهي مغسولة ومتطبقة جوة، خديها معاكي وأنتي ماشية عشان ميبقاش ليكي حجة ترجعي تاني.
حماتي بوقها اتفتح وبصت لأحمد مستنية ياخد موقف، بس أحمد كان مكسور ومرعوب من حكاية أبوه وعمامه. لمت حاجتها وهي بتبرطم وتدعي، وخرجت رقعت الباب وراها.
أول ما الباب اتقفل، أحمد لف ليا وهو شادد سنانه وقالي بصوت زي الفحيح:
ـ أهو أمي مشيت وسابت البيت غضبانة بسبك، والفلوس وأخدتيها.. ارتحتي كدة؟ حسابك معايا تقل أوي يا منال، وفاكرة إن الموضوع خلص؟ وديني وما أعبد لأدفعك تمن اللواية دي غالي أوي، والورقة دي مش هامد إيدي عليها.
بصيت للورقة الفاضية وقُلتله:
ـ مش مهم تمضي، الفلوس ورجعت، بس حساب القلم اللي انضربت بيه امبارح، وحساب الإهانة وطردتي من بيتي.. لسة مدفعش يا أحمد.
أحمد سابني ودخل الأوضة ورزع الباب وراه، وأنا وقفت في الصالة وبصيت لإيديا المهرية من الغسيل، وابتسمت بوجع.. قُلت لنفسي: “أول خطوة تمت.. بس اللي جاي محتاج قلب ميموتش”.
تاني يوم الصبح، نزلت من البيت من غير ما أقوله رايحة فين، ورحت على محل الأجهزة الكهربائية.. اشتريت أغلى وأحدث غسالة في المحل، ودفعت فلوسها كاش، واديتهم العنوان..
ساعتين بالظبط، وكان عمال الشركة بيخبطوا على الباب وبيدخلوا الكرتونة الكبيرة وسط ذهول أحمد اللي كان قاعد في الصالة.. العمال بدأوا يركبوا الغسالة، وأنا واقفة بتابعهم، وأحمد عينيه بتطلع نار وهو شايفني بتصرف من دماغي وكأنه مش موجود في البيت..
العمال خلصوا ومشوا، وأحمد قام وقف قصادي وقال بنبرة كلها غل:
ـ مبروك عليكي الغسالة الجديدة يا هانم.. بس اعملي حسابك، من اللحظة دي، مفيش مليم واحد هيدخل البيت ده من معادي، مصاريف البيت والولاد عليكي بالكامل، وريني بقى هتكفي منين بمرتبك اللي فرحانة بيه، يا إما تقعدي شحاتة وتطلبي الرضا!
بصيتله وقُلتله ببرود صدمه:
ـ …
ـ ومين قالك إني هصرف مليم واحد على البيت ده بعد النهاردة؟ ومين قالك أصلاً إني هفضل قاعدة فيه؟
تنح وبصلي بعدم استيعاب، وكأنه مش مصدق الجرأة اللي بقيت بتكلم بيها، كملت كلامي ببرود أشد:
ـ أنا بقالي سنين بشيل معاك وبدفع دم قلبي في الإيجار والمصاريف عشان كنت فاكرة إننا واحد، وإن تعبي بيتحسب في بيتي ولولادي.. لكن لما تمد إيدك عليا وتهون عليك كرامتي عشان ترضي ظلم أمك، ولما تمن عليّا وتقولي “بفلوسي اللي بديهالك” وأنا طالع عيني في الشغل.. يبقى من اللحظة دي كل واحد يشيل شيلته يا أحمد. مرتبك اللي كنت بتقول عليه يدوب بيكفي بالعافية؟ اهوه كله ليك، وريني بقى هتكفي بيه نفسك وإيجار شقتك ومصاريف ولادك إزاي لوحدك!
أحمد ضحك بسخرية وهو بيحاول يداري كسرته وقالي:
ـ إنتي مفكرة نفسك إيه؟ هتسيبالي البيت وتمشي؟ اطلعي برا وريني هتروحي فين! بس ولادي مش هيعتبوا معاكي باب الشقة، والبيت ده مش هتشميه تاني.
قربت منه خطوتين وقُلتله بمنتهى الثبات:
ـ ولادك هيجوا معايا غصب عن عين أي حد، لإن القانون في صفي، وأنا حاضنة، ومؤخر صداقي ونفقتي ونفقة ولادي هتدفعهم وإنت رجل فوق رقبتك.. أما الشقة دي، فـ أنا مش عايزاها ولا طايقة أقعد فيها ساعة واحدة كمان بعد اللي عملته.. أنا هسيبهالك واسعة وشبعان بيها إنت وأمك، بس وأنا واخدة كل حقوقي بالمليم.
أحمد وشه اتخطف وبدأ يستوعب إن “منال” بتاعة زمان اللي كانت بتسكت وتطنش عشان المركب تسير ماتت.. قالي بصوت مرعوب وهو بيحاول يثبت:
ـ إنتي بتخربي بيتك بإيدك يا منال عشان غسالة وعشان موقف عابر؟ بتبيعي جوزك وعشرة سنين؟
رديت عليه بابتسامة وجع:
ـ إنت اللي بعتني يا أحمد لما نزلت بإيدك على وشي.. إنت اللي بعت العشرة لما سبت أمك تتهمني بالسرقة وتطردني من بيتي ووقفت تتفرج وتدعمها.. الغسالة دي كانت مجرد القشة اللي قطمت ضهر البعير، وعرفتني إني عايشة مع راجل مبيصونش.
دخلت الأوضة، وطلعت شنط الهدوم الكبيرة، وبدأت ألم هدومي وهدوم ولادي بحسم.. أحمد كان واقف ورايا في الأوضة رايح جاي زي المجنون، مش عارف يعمل إيه، الخوف من الفضيحة قدام أبوه وعيلته من ناحية، والصدمة من قوتي المفاجئة من ناحية تانية شلو تفكيره.
لميت كل حاجتنا، وفي الآخر رحت عند الغسالة الجديدة اللي لسة كرتونتها متفتحتش.. اتصلت بالشركة تاني وقُلتلهم: “لو سمحتوا أنا عايزة أعمل طلب نقل للجهاز اللي لسة مستلماه من ساعة، هغير عنوان التوصيل لبيت أبويا”.
أحمد صرخ فيا:
ـ إنتي مجنونة! هتمشي وتفضحينا قدام الناس وتسيبي الشقة؟
بصيتله وأنا جارة الشنط في إيدي وولادي ماسكين فيا، وقُلتله:
ـ الفضيحة إنت اللي عملتها بإيدك.. فكر كويس في كلامي يا أحمد، لإن المرة الجاية اللي هتشوفني فيها هكون في المحكمة.. يا إما هتيجي لحد عندي تطلب السماح وتبوس على راسي قدام العيلة كلها، وتنفذ كل شروطي، وإما…
سيبته واقف وسط الشقة زي الصنم، وفتحت الباب وخرجت وأنا شايلة كرامتي اللي رجعتها بتعبي، وواخدة ولادي في حضني.. ركبنا التاكسي ورحت لبيت أبويا وأنا حاسة إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح، بس جوايا كنت عارفة إن أحمد وأمه مش هيسكتوا، وإن الحرب الحقيقية لسة هتبدأ لما أحمد يروح لأبوه ويحكيله، أو لما المحامي بتاعي يرفع القضايا..
وصلت بيت أبويا، دخلت وحطيت الشنط، وأبويا وأمي استقبلوني بلهفة وخوف.. حكيتلهم كل حاجة من طقاطق للسلام عليكم، وأبويا وشه اسود من الغضب وقال: “والله ما هسيب حَقِك يا بنتي، والكلب ده هيعرف قيمتك”.
فات يومين، والتليفون مابطلش رن من أرقام عيلة أحمد.. وفي اليوم الثالث العصر، لقيت الباب بيخبط.. فتحت، ولقيت…
