توقيع الطلاق حكايات رومانى مكرم 1

بعد 10 أيام بس من توقيع الطلاق، وصلت الحاجة سامية بيت نهى ومعاها شنط سفر كبيرة، وشنطة ماركة، والثقة المستفزة بتاعة الست اللي فاكرة إن المطلقة خلاص مالهاش حق في البيت اللي بنت فيه عمرها بإيديها.

 

كانت نهى واقفة في المطبخ الحلو بتاع الفيلا في الشيخ زايد، حافية، وماسكة مج قهوة، وقدامها ملف أخضر على الرخامة.

 

برا، المطر كان نازل بهدوء كئيب يخلي الشوارع تلمع وتحس إن البيوت الكبيرة أوحش من الوحدة نفسها.

 

لكن العاصفة الحقيقية دخلت بالكعب العالي.

 

قالت سامية وهي بتبص حوالين المكان كأنها جاية تستلم شقة تم استردادها:

 

— كويس إنك موجودة… دلوقتي بعد الطلاق، البيت يرجع لأصحابه بقى.

 

نهى رفعت عينيها ببطء.

 

ورا سامية دخل شريف، جوزها السابق. وشه أصفر، وإيده في جيوبه، وعينيه في الأرض.

 

وفي اللحظة دي… نهى فهمت كل حاجة.

 

هو كان عارف إن أمه جاية.

 

ووراهم دخلت دينا أخت شريف، ماسكة الموبايل كأنها مستنية خناقة تصورها وتبعتها لجروب العيلة.

 

قالت نهى بهدوء مخيف:

 

— معلش… قولتي إيه؟

 

ابتسمت سامية الابتسامة السم اللي نهى استحملتها 18 سنة.

 

— يا بنتي بلاش تعقيد… إنتِ وشريف بقيتوا مطلقين. مالكيش لازمة تفضلي هنا. ابني هو اللي اشترى البيت ده بفلوسه واسمه وتعبه. خدي حاجتك وامشي بذوق.

 

شريف غمض عينه.

 

أما نهى، فحست الضربة المرة دي أقوى من أي مرة قبل كده.

 

مش علشان الكلام جديد…

 

لأ. علشان نفس الجملة اتقالت طول جوازها بأشكال مختلفة.

 

سكتت ثواني… وبعدين حطت المج على الرخامة بهدوء.

 

وقالت:

 

— البيت ده مش بس باسم شريف.

 

سامية ضحكت بسخرية:

 

— أيوه طبعًا… ابتدينا فيلم المظلومية.

 

نهى فتحت الملف الأخضر.

 

— ده مش فيلم. دي أوراق.

 

سحبَت ورقة قديمة.

 

— مقدم الفيلا كان من ورث أمي… 4 مليون و200 ألف جنيه.

 

رفعت عينيها لسامية:

 

— وأنا اللي دفعتهم.

 

الصمت وقع فجأة كأن الفيلا بطلت تتنفس.

 

دينا وقفت مكانها، إيدها ارتعشت وهي ماسكة الموبايل.

 

سامية بصت لابنها:

 

— الكلام ده صح؟

 

شريف ما ردش.

 

وسكوته كان اعتراف كامل.

 

وش سامية اتشد فجأة… وبعدين انفجر:

 

— حتى لو! ده بيت جوزك! مش شغل محاكم!

 

نهى قربت خطوة:

 

— وهو جوزي كان بيخوني وهو بيخبي ورا أمه.

 

شريف رفع عينه بسرعة لأول مرة.

 

وفي عينيه… خوف.

 

مش غضب. مش دفاع.

 

خوف حقيقي.

 

لأنه عارف اللي في الملف.

 

سامية صرخت:

 

— اتكلم يا شريف!

 

قال بصوت مكسور:

 

— يا أمي… بلاش نكمل هنا.

 

الكلمة كانت فضيحة قبل ما تكون طلب.

 

سامية بصتله بذهول:

 

— يعني إيه بلاش نكمل؟ إنت وعدتني إنك هترجع البيت ده لينا!

 

نهى ابتسمت ابتسامة قصيرة:

 

— أيوه… وعدها عليا إني همشي.

 

لفت نظرها لشريف:

 

— قلت لها إني موافقة أمشي؟

 

سكت.

 

وسكوته كان فضيحة جديدة.

 

سامية رجعت خطوة لورا:

#الكاتب_رومانى_مكرم

— يعني إنت كدبت عليا؟

 

شريف همس:

 

— كنت بحاول أحل الموضوع بهدوء…

 

ضحكت نهى بسخرية مرة:

 

— بهدوء؟ وإنت داخل بقى بأمك وأختك يطردوني من بيتي؟

 

التفتت سامية لشريف، ملامحها اتغيرت من الصدمة للغل، وصوتها طلع حاد زي الموس:

— يطردوك من بيتك؟ البيت ده بيت ابني! شريف… انطق! الورق ده إيه؟ إنت بايع لها ولا إيه بالظبط؟

شريف كان واقف مكانه، عرق بارد نازل على جبينه، وعينيه مش قادرة تيجي في عين أمه ولا في عين نهى. تراجع خطوة لورا وقال بصوت مخنوق:

— يا أمي مش وقته.. خلينا نمشي دلوقتي وأنا هفهمك كل حاجة في العربية.

— نمشي فين؟!

صرخت سامية وهي بتخبط الشنطة الماركة اللي في إيدها على الرخامة بعنف:

— مش هتحرك من هنا قبل ما أفهم! الست دي بتقول إيه؟ يعني إيه مقدم الفيلا من فلوسها؟ وإيه الخيانة اللي بتتكلم عنها دي؟

نهى كانت واقفة منتهى الثبات، سانة إيدها على الرخامة الخضراء، ملامحها هادية بس عينينها كانت بتطلع شرار. سحبت ورقة تانية من الملف الأخضر، وحطتها قدام سامية:

— بلاش تسألي شريف يا طنط.. شريف مابيملكش الشجاعة إنه يواجه. بصي هنا.. دي مش بس عقود تحويل الفلوس من حسابي لحساب الشركة العقارية.. ده كمان إقرار تنازل موثق في الشهر العقاري بنصف الفيلا، ومكتوب فيه شرط جزائي لو حصل طلاق بسبب من طرفه، الـ 50% التانية من الفيلا بتبقى تعويض ليا عن كل مليم اتصرف في الجوازة دي.

دينا أخت شريف، اللي كانت واقفة بتصور بالموبايل، نزلت إيدها فجأة، ووشها جاب ألوان. بصت لأخوها وقالت بذهول:

— شريف؟ الكلام ده حقيقي؟ إنت مضيت على ورق زي ده؟ إحنا جايين وفاكرين إننا هنستلم الفيلا النهاردة!

شريف زعق فجأة وهو بيفقد أعصابه:

— خلاص بقى! بس بقى! إنتوا إيه اللي جابكم معايا أصلاً؟ مش أنا قلت لكم سيبوني أخلص الموضوع ده لوحدي؟

نهى ضحكت ضحكة عالية، بس كان فيها وجع وسخرية تملى المكان:

— يخلصه لوحده؟ هو كان جاي النهاردة علشان يرجوني ما أرفعش قضية الخيانة الزوجية اللي معايا مستنداتها في نفس الملف ده. القضية اللي لو اترفت، مش بس هتخسره النص الباقي من الفيلا، دي هتنزل اسمه الأرض في السوق، والشركاء بتوعه هيطردوه من الشركة بسبب بند السمعة وحسن السير والسلوك اللي في عقد الشراكة بتاعهم.

سامية بصت للورق اللي على الرخامة، عينيها كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، الصدمة لجمت لسانها. الست اللي دخلت قبل دقايق بكعب عالي وثقة مستفزة، حست فجأة إن الأرض بتهتز تحت رجليها. بصت لابنها اللي كان سند ضهره على الحيطة ومغطي وشه بإيديه، وقالت بنبرة اتهزت لأول مرة:

— شريف… إنت عملت فينا كده؟ إنت ضيعت شقى عمرك.. وضيعت برستيجنا قدام الناس عشان واحدة؟

نهى قفلت الملف الأخضر بقوة، الصوت عمل صدى في الصالة الواسعة والهدوء رجع تاني للمكان، بس كان هدوء ما قبل الانفجار. قربت من سامية خطوة واحدة، وبقيت عينيها في عينيها مباشرة:

— شقى عمره هو؟ ولا شقى عمري أنا اللي ضاع في خدمة ابنك 18 سنة؟ كنتوا فاكرين إن الطلاق ده كسر لنهى.. فاكرين إن لما شريف يرمي عليا يمين الطلاق في التليفون عشان يرضيكي، إني هقعد أعيط في الزاوية وأستنى العطف منكم؟

التفتت لشريف وقالت بنبرة حاسمة:

— قدامك 24 ساعة يا شريف. الشنط اللي أمك وأختك جايبينها معاهم دي، تتملي بحاجتك أنت.. مش بحاجتي أنا. الـ 24 ساعة دول لو عدوا وإنت ما وقعتش على التنازل النهائي عن النص الباقي من الفيلا قصاد إني أقفل الملف ده وما أطلعش بيه على النيابة.. اعتبر نفسك برا الشركة، وبرا البيت، وفضيحتك هتبقى على كل جروبات العيلة اللي دينا كانت ناوية تنشر عليها وفاتي.

دينا بلعت ريقها ورجعت خطوة لورا، وحطت الموبايل في جيبها بسرعة وهي بتنهج من التوتر.

سامية حاولت تستجمع قوتها الأخيرة، رفعت راسها وقالت بصوت بيترعش من الغل:

— مش هنسيبك تاخدي كل حاجة.. إحنا هنرفع قضايا.. وهنجيب أكبر محامين في البلد.

نهى ابتسمت ابتسامتها الباردة، وشاورت بإيدها على الباب:

— الباب يفوت جمل يا طنط.. وريني المحامين بتوعك هيعملوا إيه قصاد ورق رسمي وتنازلات موثقة وإقرار خيانة مصور صوت وصورة. ودلوقتي.. اتفضلوا برا بيتي، عشان المطر برا بدأ يزيد، وأنا حابة أشرب قهوتي بهدوء.

شريف مشي ناحية الباب بجرجرة رجلين، وشه كان خالي من أي تعبير غير الخزي الكامل. شد أمه من دراعها وقال بصوت واطي ومكسور:

— يلا يا أمي.. يلا نمشي من هنا.

سامية بصت لنهى بـ بـصّة كلها حقد مخلط بعجز، وسحبت الشنطة الكبيرة وهي بتجرها وراها، ووراها دينا اللي كانت بتبص لنهى برعب كأنها بتكتشفها لأول مرة.

خرجوا التلاتة، وقفل شريف الباب وراه بهدوء.

نهى فضلت واقفة مكانها في المطبخ. حطت الملف الأخضر تحت دراعها، ورفعت مج القهوة اللي كان برد. بصت من الشباك الكبير على المطر وهو بيغسل الشوارع، وأخيراً.. خدت نَفَس طويل وعميق، نَفَس بقالها 18 سنة ما خديتهوش.

لكن وهي بتبص للباب المقفول، لمحت حاجة غريبة على التربيزة اللي جنبه.. مفتاح غريب مش بتاع شريف، وجنبه كارت صغير مكتوب عليه اسم مكنتش تتوقع تشوفه في الوقت ده بالذات.

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *