قرض حكايات امانى السيد 3
تلفوني منقذش من الرن طول اليوم اللي بعده. أهله، أصحابه، وناس مكنتش بشوف وشوشهم من سنين.. الكل كان بيتصل يتوسط، يترجى، أو حتى يهدد. بس أنا كنت قافلة قلبي بالضبة والمفتاح، حاطة الموبايل على الصامت، وقاعدة في صالتي اللي مابقاش لونها مطفي زي الأول. لأول مرة أحس إن الحيطان مش بتعايرني، كانت ثابتة وسانداني.
أحمد قضى ليلته الأولى في حجز القسم. المحامي كلمني وقالي إنهم وافقوا يخرجوه لدفن والده “بكلابشه” وبحراسة شرطية مشددة. تخيلت منظره وسط الناس في المدافن، الراجل اللي سافر عشان يظهر بمظهر يشرفه، راجع وعامل زي المتهم الهربان.. والكل باصص عليه، مش بس شفقة على موت أبوه، لكن صدمة في فضيحته.
بعد العزا بيومين، جالي اتصال من رقم دولي.. نفس الرقم.. جيهان.
المرة دي مكنش صوتها ناعم ولا فيه نبرة انتصار. كان صوتها مرعوب، مخنوق بالدموع والغل في نفس الوقت:
* “أنتي إيه اللي عملتيه ده؟ أنتي مابتخافيش ربنا؟ تحبسي جوزي يوم دفنة أبوه وتفضحيه قدام أهله والناس؟! أنتي عايزة إيه؟ فلوس؟ هنرميلك فلوسك بس اتنازلي!”
ضحكت بمرارة وقولتلها بصوت قوي هز السماعة:
* “فلوس الفقر يا مدام جيهان؟ مش دي الفلوس اللي قولتِلي عليها من كام شهر إني بشحتها؟ أحمد مش محبوس عشان دفنة أبوه، أحمد محبوس عشان (خاين أمانة).. عشان واطي سرق شقا ست بضمان وظيفتها وراح يفرش بيه بيتك ويشتريلك بيه عربية وساعات ماركات. الفلوس اللي هترموها لي دي مش صدقة.. دي دمي وتعب سنيني اللي هتدفعوها مليم فوق مليم، وكاش.. وإلا خليه ينور في الحجز تلات سنين، وأهو يبل حكم الحبس ويشرب ميته زي ما قالي!”
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة. مكنتش هقبل بتفاوض ودي، أنا هجيب حقي بالقانون وتحت عيون المحكمة.
يوم الجلسة (المعارضة) جه.. دخلت قاعة المحكمة وأنا راسي مرفوعة، لابسة فستان جديد كنت شرياه بالفلوس اللي وفرتها بعد ما سددت المتأخرات.. مكنتش خايفة ولا داريت وشي في الورق زي زمان وسط زمايلي.
قعدت في الصفوف الأولى.. وبعد دقايق، فتحت باب القفص وظهر أحمد.
كان مبهدل، دقنه نبتت، وعينه فيها كسرة وذل عمري ما شوفتهم فيه. أول ما عينه جت عليا، دارى وشه وبص في الأرض. وجنب القفص كانت جيهان واقفة، بتعيط وبتندب حظها وهي شايفة “الباشا” بتاعها في الموقف ده.
المحامي بتاعي وقف قدام القاضي، وقدم حافظة المستندات:
* “يا سيادة القاضي.. المتهم لم يكتفِ بنهب أموال موكلتي بغير حق عن طريق توكيل رسمي، بل تركها تواجه خطر السجن والفصل من وظيفتها وعاش ينعم بأموالها خارج البلاد.. نحن لا نطلب فقط تأييد حكم الحبس، بل نطلب إلزام المتهم برد كامل قيمة القرض مضافاً إليه الفوائد والتعويض المدني عن الأضرار النفسية والمادية التي لحقت بموكلتي”.
محامي أحمد حاول يتكلم ويقول إن الفلوس دي كانت “مساعدة زوجية” وإنه مستعد يجدول المبلغ على أقساط..
بس القاضي بصلنا بنظرة حاسمة، وبص لأحمد وقاله: “المبلغ يدفع كاملاً وبشكل فوري لإيقاف التنفيذ، وإلا سيتم تأييد الحكم الشغل والنفاذ”.
أحمد صرخ من جوه القفص وبص لجيهان: “اتصرفي.. بيعي العربية.. بيعي أي حاجة وطلعينا من هنا!”.
جيهان بصت له بصدمة.. العربية اللي كانت متصورة بمفتاحها وبتغيظني بيها، بقت هي الحبل اللي هينقذ رقبة أحمد من السجن.
أجل القاضي الجلسة لمدة 24 ساعة فقط لتقديم ما يفيد السداد الكامل كاش في خزينة المحكمة.
خرجت من القاعة وجيهان جرت ورايا، مسكت في إيدي وقالتلي وهي بتعيط بحرقة:
* “أماني.. عشان خاطر ربنا، وافقي ناخد العربية وتتنازلي.. أنا هبيعها وهخسر فيها بس المهم يخرج.. أرجوكي بلاش تخربي بيتي”.
شيلت إيدها من على إيدي ببرود تام، وبصيت في عينها وقولت:
* “بيتك مبني على خراب بيتي يا جيهان.. دموعك دي نزلت من عيني سنة كاملة وأنا بمر قدام المحلات ونفسي في اللقمة.. روحي بيعي العربية، وبيعي الساعات الشيك، واظهري بمظهر يشرفك في الطابور بتاع الخزنة.. أنا مستنياكم بكرة، والفلوس تجيلي مليم ينطح مليم”.
سيبتها ومشيت وأنا حاسة إن الساقية اللي كانت بتلف عشان تصفي روحي، بقت دلوقتي بتطحن عضم اللي ظلموني.. بس الحكاية لسه ملهاش نهاية.. بكرة يوم السداد الكاش، ويوم ما هشوف فلوسي وهي بترجع لحسابي، ويوم ما الحساب الحقيقي هيبدأ.
مرت الـ 24 ساعة وكأنها دقيقة واحدة، بس المرة دي مكنش خوف من بكرة، كان شوق للحظة الانتصار الكامل. منمتش ليلتها برضه، بس قعدت رتبت مكتبتي، ولميت كل ورق البنك والإنذارات اللي كانت بتخنقني، وحطيتهم في شنطتي.. كنت عايزة الورق ده يشهد على نهاية الكابوس.
تاني يوم الصبح، دخلت قاعة المحكمة.. المكان كان زحمة، بس عيني لقطت جيهان وأهل أحمد واقفين قدام مكتب الخزنة. شكلهم كان يقطع القلب، بس قلبي مكنش فيه مكان للشفقة.. مكانه اتملى بكرامتي اللي رجعت. جيهان كانت ماسكة في إيدها شنطة سودا قماش، باين عليها تقيلة.. شنطة الفلوس. العربية اتباعت بالرخيص في كام ساعة، والدهب اتمسح بيه الأرض عشان الباشا ميتسجنش.
بدأت الجلسة، ووقفنا كلنا قدام منصة القاضي.
أحمد ظهر في القفص، ملامحه كانت ميتة، باصص للأرض، وخسس النص.. كأنه سدد تمن القهرة من صحته في الكام يوم دول.
محامي أحمد قدم للقاضي إيصال السداد الرسمي من خزينة المحكمة.. القاضي بص في الورق، وبصلي وقالي:
* “الأستاذة أماني.. المتهم سدد كامل قيمة القرض والفوائد والتعويض المدني في الخزينة.. هل ليكي أي طلبات تانية قبل إثبات التنازل والصلح؟”
أخدت نفس عميق، ورفعت راسي وبصيت للقاضي بكل ثبات وقولت:
* “يا سيادة القاضي.. أنا مش طالبة غير إن الورق ده يتثبت، والفلوس تتحول لحساب البنك فوراً عشان اسمي يتشال من قوائم المتعثرين.. وأنا متنازلة عن الشق الجنائي عشان يخرج.. هو خد الفلوس، وأنا خدت كرامتي وحريتي”.
خبط القاضي بالشاكوش: “رفعت الجلسة.. انقضاء الدعوى الجنائية بالصلح لتمام السداد”.
في اللحظة دي، حسيت إن فيه قيد حديد كان مربوط في رجلي واتفك.. صوته وهو بيقع على الأرض هز روحي. المحامي بتاعي أخدني من إيدي وروحنا خلصنا إجراءات تحويل المبلغ للبنك عشان القرض يتقفل للأبد.. “تم السداد بالكامل”.
خرجت لساحة المحكمة الخارجية، الشمس كانت حامية بس الهوا كان جميل.. لمحت أحمد وهو خارج من باب المحكمة بعد ما فكوا كلابشه. كان ماشي جنب جيهان.. مكنش شايلها على إيده ولا على كتفه زي الصور.. كانوا ماشيين بعيد عن بعض، مفيش بينهم كلمة، وشوشهم ضلمة، والكسرة والفضيحية مأثرة في كل خطوة. جيهان بصتلي نظرة كلها غل وحسرة على شقا عمرها وعربيتها اللي ضاعت عشان تنقذ واحد طلع في الآخر نصاب وخاين.
وقفت في طريقهم، وبصيت لأحمد وقولتله بابتسامة صافية، من غير غل، بس بثقة تزلزل:
* “مبروك الإفراج يا أحمد.. القرض اتقفل، والديون اتسددت.. بس افتكر حاجة واحدة.. الفلوس اللي دفعتوها دي مش تمن القرض.. دي تمن (الاستغفال) اللي استغفلتهوني.. أنتوا خرجتوا من السجن بالفلوس، بس هتعيشوا طول عمركم مسجونين في نظرة الناس ليكم.. ونظرتكم لنفسكم في المراية”.
أحمد منطقش، أخد جيهان وجريوا على أول تاكسي عشان يهربوا من عيني ومن عيون الناس.
رجعت بيتي.. فتحت الباب.. النور مكنش مقطوع، الصالة مكنتش مطفية.. الشمس كانت داخلة من البلكونة ومبروزة كل ركن في الشقة. دخلت المطبخ، فتحت التلاجة، طلعت علبة الجبنة اللي كنت برجعها، وعملت أحلى فطار وأنا سامعة صوت فيروز في الراديو.
مبقاش فيه “تيك تاك” بيخوفني، ومبقاش فيه يوم “واحد” في الشهر بيحصر قلبي.. أنا بقيت حرة.. ومرتبي بتاعي، ووظيفتي اللي شقيت فيها بقت حيطة سد مش مهددة.
قعدت على الكنبة، مسكت الموبايل وفتحت صفحتي على الفيسبوك.. وبدأت أكتب بوست جديد.. البوست اللي كنت مستنية أكتبه من سنة كاملة.. بس البوست ده مكنش الأخير.. ده كان بداية الفصل الجديد في حياتي.
فتحت حسابي على فيسبوك، ويدي لم تكن ترتجف هذه المرة. بدأت أكتب وأنا أرى ملامح وجهي في شاشة الهاتف؛ ملامح ستٍّ ولدت من جديد من بين قضبان الأقساط والقهر.
كتبت والكل يتابع:
“إلى كل من ظن أن الطيبة غباء، وأن أموال الناس شطارة، وأن وظيفة الست وعرقها مجرد ‘اعتماد مستندي’ لرحلاته ونزواته..
اليوم أُغلقت الساقية، وانكسر القيد، وقُفل حساب القرض بالمليم.. كاش!
سددت ثمن كرامتي بدمائهم، واسترددت شقائي من لحمهم.. خرج الخائن من السجن بجسده، لكنه ترك هناك كبريائه، ورجولته المزيفة، وعربيته الفارهة، وساعاته الشيك.. خرج ليعيش بقية عمره منكس الرأس، مطاردًا بنظرات الشماتة والفضيحة.
أنا لست ‘غارمة حب’.. أنا اليوم ‘حرة’.. حرة برأسي المرفوعة، ووظيفتي المصونة، ومرتبي الذي سيعود كاملاً إلى جيبي ليشتري لي كل ما حُرمت منه.. الوعد كان في المطار، والعدالة لم تخلف ميعادها.”
أغلقت الهاتف بابتسامة لم تفارق وجهي. وفي اليوم التالي، دخلت الشركة.. لم يكن هناك همس، ولم تكن هناك نظرات شفقة. زملائي وقفوا يصفقون لي، والمدير استقبلني في مكتبه بكوب من القهوة وهو يقول: “شرفتينا يا أستاذة أماني.. جواب البنك وصل بإلغاء كل الإجراءات، وملفك الوظيفي أبيض ومرفوع للترقية الجاية”.
خرجت من مكتبه وأنا أشعر أنني أطير، ركبت المصعد ونزلت الشارع.. مررت أمام محلات الملابس التي كنت أنظر إليها بحسرة.. دخلت أول محل، واخترت فستانًا أنيقًا ملونًا يليق بـ “أماني الجديدة”، ودفعت ثمنه من فيزتي التي تطهرت من ديونه.
عدت إلى بيتي.. فتحت الباب، ودخلت غرفتي.. فتحت الدولاب وأخرجت الأكياس السوداء الفارغة التي كانت تحوي بقايا ذكرياته، ألقيتها في سلة المهملات بدم بارد.
جلست في الصالة، الشمس كانت تغمر المكان وتغسل جدرانه من رائحة الخيانة.. لم يعد هناك صوت “تيك تاك” مرعب، ولم يعد يوم “واحد” في الشهر يمثل لي لطمة أو قهرة.. الساعة الآن تشير إلى بداية حياتي أنا.. حياتي التي سأبنيها بنفسي، ولنفسي فقط.
نظرت إلى مكانه الفاضي، وابتسمت من قلبي ولأول مرة قولت بصوت عالي ملأ أركان البيت:
“أنا مش محتاجة حد يجيب لي حتة من السما.. أنا السما كلها، ومحدش هيعرف يطولني تاني.”
