حكايات اسما السيد 2
## الجزء الثالث
كريم وقف مذهول، الكلمة وقفت في زوره. كان فاكر إن “الطلاق” هو الكارت الرابح اللي هيخليني أركع وأبوس إيده عشان يستر عليا، ماكنش يتخيل إن الرد هيجي بالسرعة دي وبمنتهى البرود.
ضحك بتهكم وقال: “تطلقي؟ وأنتِ حيلتك إيه يا مي؟ أنتِ نسيتي إن الشقة اللي في سيدي عبد الرحمن أنا غيرت كالونها؟ يعني حتى هدومك مش هتعرفي تاخديها. هتطلعي من هنا بشنطة إيدك.. لا أهل، ولا ضهر، ولا حتى سكن.”
قربت منه خطوة واحدة، وعيني في عينه:
“اللي بيعتمد على الحيطان يا كريم بتهد فوق دماغه، واللي بيعتمد على الأصل مابينكسرش. أنت فاكر إنك لما غيرت الكالون بقيت صاحب ملك؟”
طلع موبايله بغرور وقال: “بكره الصبح هروح بالشهر العقاري وبالمسودة اللي المحامي أداها لي، وهثبت وضع يد، وهطلعك منها ‘ملط’ زي ما بيقولوا. قدامك ليلتك دي فكري فيها، يا تمضي على التنازل، يا إما بكره هرميكي في الشارع.”
سيبته ودخلت أوضتي، قفلت الباب بالمفتاح، وطلعت الموبايل وكلمت “عماد”، المحامي الصديق الوفي لأبويا من سنين.
* “يا عماد بيه، أنا شفت الفيديو، وفهمت كل حاجة.”
رد عليا بصوت فيه حزن وفخر في نفس الوقت: “أبوكي الله يرحمه كان سابق الكل بخطوة يا مي. هو وصاني ما أتدخلش إلا لما أنتِ تطلبي. كريم وقع في الفخ؟”
* “وقع وبكل غباء يا عماد بيه.. وعايز يطلق ويطردني.”
* “سيبيه يروح بكره الشهر العقاري يا بنتي.. سيبيه يروح لآخر الطريق عشان الصدمة تكون تليق بمقامه.”
طول الليل كريم كان بيتحرك في الشقة بعصبية، بيحاول يرهبني بصوته العالي في التليفون وهو بيكلم ناس وهميين عن “استثماراته الجديدة” و “شقة الـ ٣٠ مليون”. وأنا كنت قاعدة في هدوء تام، براجع ورق مكتب وسط البلد اللي أبويا سابهولي.. مكتب كان أبويا شايله لليوم ده، فيه أصول لشركات ومحفظة عقارية تانية خالص، بعيدة تماماً عن الورق اللي كريم لمحه.
الصبح جه، كريم لبس أشيك بدلة عنده، وبص لي وهو خارج:
“دي آخر فرصة ليكي.. تمضي ولا أروح؟”
رديت عليه بمنتهى الثبات: “روح يا كريم.. روح وبالتوفيق.”
نزل كريم وهو واثق إنه راجع ومعاه مفاتيح الثروة. وأنا لبست هدومي ورحت على مكتب وسط البلد. قابلت عماد بيه هناك، وفتحنا الخزنة. المفاجأة مكنتش بس في الفلوس أو العقارات.. المفاجأة كانت في “تقرير تحريات” أبويا كان عامله عن كريم من سنتين!
أبويا عرف إن كريم عليه ديون قمار وخسارات في البورصة بمبالغ خيالية، وكان مستني “الورث” عشان يسدد بلاويه.
عماد بيه قالي: “أبوكي ماكنش عايز يطلقك منه غصب عنك، كان عايزك أنتِ اللي تطلبي ده لما تكتشفي حقيقته، عشان جرح القلب يخليكي أقوى في المواجهة.”
فجأة تليفوني رن.. كان كريم. رديت وفتحت السبيكر. صوته كان طالع مخنوق، مرعوب، والغرور اللي كان فيه بالليل اتبخر.
“مي! إيه الورق اللي في الشهر العقاري ده؟ الموظف بيقولي إن الشقة موقوفة بقرار وصية لجهة خيرية، وإن التوكيل اللي معايا ملغي! أنتِ عملتي إيه؟”
رديت عليه بهدوء قاتل:
“أنا ما عملتش حاجة يا كريم.. ده ‘العدل’ بتاع ربنا.. وأبويا الله يرحمه هو اللي عمل. الشقة اللي كنت ناوي تسرقها وأنا واقفه على قبر أبويا، راحت للغلابة اللي أبويا كان بيحبهم. وأنت دلوقتي.. لا معاك شقة، ولا معاك زوجة، ولا معاك حتى ثمن البدلة اللي أنت لابسها.”
كريم صرخ في التليفون: “أنا ههد الدنيا فوق دماغك! أنا لسه جوزك وهحجرك عليكي!”
ضحكت بقهر وقولتله: “أنت نسيت يا كريم؟ أنت قولتلي في الجنازة ‘انتي طالق’.. والكلمة دي أنا سجلتها بموبايلى وأنا واقفة جنبك وأنت فاكرني منهارة مش سامعة.. وشهادة الشهود اللي كانوا واقفين حوالينا كفيلة تثبتها. مبروك يا كريم.. أنت دلوقتي حر، وفقير جداً.”
قفلت السكة في وشه، وبصيت لصور أبويا اللي كانت على مكتبه.. وحسيت لأول مرة إني مش لوحدي، وإن ضهري لسه مسنود، حتى وهو مش موجود.
لكن كريم مكنش لسه استسلم.. كان فيه سر تالت أبويا مخبيه، سر لو كريم عرفه، ممكن يرتكب جريمة.
**تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الرابع (قبل الأخير)
ما فاتتش ساعة واحدة، ولقيت كريم داخل البيت زي المجنون، وشه أحمر وعروقه بارزة، كأنه شيطان ممسوس. دخل عليا المكتب وهو بيزعق:
“بقى بتغفليني يا مي؟ بتخليني أقف في الشهر العقاري زي العيل الصغير والموظفين بيتفرجوا عليا؟ فاكرة إن اللعبة خلصت؟ لا.. ده أنا هحرق قلبك على كل مليم أبوكي سابه!”
قمت وقفت ببرود، وبصيت له بنظرة احتقار:
“اللي بيته من إزاز يا كريم، ما يحدفش الناس بالطوب. أنت انتهيت، والشنطة اللي فيها هدومك أنا جهزتها، وموجودة عند البواب.. اتفضل اخرج من بيتي.”
كريم ضحك ضحكة هستيرية وقرب مني وهو بيهمس بفحيح:
“بيتك؟ أنتِ لسه ما تعرفيش حاجة.. أبوكي الله يرحمه كان بيثق فيا جداً في البداية، لدرجة إنه خلاني أمضي كـ ‘شاهد ملك’ وشريك صوري في عمارة المهندسين.. العمارة دي باسمي قانوناً يا قطة، ومقدرش يغيرها لأنها كانت ‘تسهيلات ائتمانية’.. يعني لو الشقة راحت للجمعية الخيرية، فالعمارة اللي فيها 20 شقة بقت ملكي أنا.. وبكره هبيعها واشتري بيهم شقق في دبي وأسيبك هنا تندبي حظك!”
وقفت مكاني، ملامح وشي اتغيرت، وكأني اتصدمت فعلاً. كريم لما شاف نظرة الصدمة في عيني، ارتاح ورجع له غروره تاني. قعد على الكرسي وحط رجل على رجل:
“ها؟ لسه عايزة تطلقي؟ ولا نرجع نفتح صفحة جديدة، وتكتبي لي توكيل عام، وأنا أسيب لك شقة تعيشي فيها بعمارة المهندسين؟”
طلعت الفلاشة من جيبي تانى، وقولتله بصوت مهزوز – تمثيل طبعاً -:
“بس أبويا قال في الفيديو إن مفيش حاجة باسمك..”
كريم قام وخطف الفلاشة من إيدي ورماها في كوباية القهوة وهو بيضحك:
“أبوكي كان بيخرف! العمارة دي ثغرة هو نسيها، وأنا المحامي بتاعي أكد لي إن وضعي فيها سليم 100%.. يلا يا شاطرة، وريني هتعملي إيه.”
في اللحظة دي، تليفون المكتب رن.. كريم رد بغرور: “أيوة، مين؟”
ملامحه بدأت تتغير.. وشه بقى لونه أصفر زي الليمونة، وبدأ يرتعش.
سأل بصوت متقطع: “أنت بتقول إيه؟ شرطة الأموال العامة؟ بلاغ؟ بلاغ بإيه؟”
قعدت أنا المرة دي وحطيت رجل على رجل، وقولتله بهدوء:
“نسيت أقولك يا كيمو.. أبويا لما خلّاك تمضي كشريك صوري في عمارة المهندسين، كان عارف إنك هتحاول تلعب اللعبة دي. فخلاك تمضي على ورق ‘مديونية’ بقيمة العمارة مرتين لصالح شركة وهمية في الخارج.. الشركة دي صاحبتها أنا! والورق ده متوثق في السفارة وموجود في خزنة عماد بيه من سنة.”
كريم سقط على الأرض، التليفون وقع من إيده. كملت كلامي:
“والبلاغ اللي جالك دلوقتي، مش بس بخصوص المديونية.. ده بخصوص ‘الاختلاس’ اللي عملته من حسابات شركة أبويا من وراه، والتحريات اللي أبويا سابها لي أثبتت إنك كنت بتسرب عقود لشركات منافسة مقابل عمولات.”
كريم بدأ يزحف ناحيتي وهو بيبكي:
“مي.. أنا أسف.. أنا كنت مبهور بالفلوس.. أنا بحبك، والله بحبك.. الشيطان هو اللي وزني.. سامحيني عشان خاطر العيش والملح.”
بصيت له بقرف وزقيت إيده برجليه:
“العيش والملح اللي خنته يوم جنازة أبويا؟ الشخص اللي يميل على مراته وهي مكسورة قدام قبر أبوها عشان يهددها بالطلاق والفقر، ملوش مكان غير السجن.. أو الشارع.”
كريم وقف فجأة، وعيونه فيها نظرة غدر أخيرة.. بص ناحية المكتب ولمح “سكينة” الورق الفضية اللي كان أبويا بيستخدمها.. مد إيده بسرعة وخطفها وهجم عليا وهو بيصرخ:
“مش هتاخدي حاجة! هقتلك وأدخل السجن وأنا مرتاح!”
في اللحظة دي الباب اتفتح بقوة..
*
## الجزء الخامس والأخير
الباب اتفتح بقوة، ودخل “عماد بيه” المحامي ومعاه اتنين من رجال الأمن بتوع المكتب. كريم اتجمد مكانه والسكينة في إيده، وعيونه بتلف في المكان زي الفار المحبوس. عماد بيه بص له بشفقة وقاله:
“نزل السكينة يا كريم.. أنت خسرت كل حاجة، بلاش تخسر حريتك كمان بجريمة قتل، رغم إنك قتلت نفسك فعلياً من يوم ما فكرت تخون اللي ائتمنك.”
كريم وقعت السكينة من إيده، وانهار تماماً على الأرض وهو بيعيط بحرقه، مش ندم، لكنه عياط العجز والكسرة. الأمن خده وطلعه بره المكتب، وخرج من حياتي للأبد، مكسور ومطروط وعليه قضايا تخليه يقضي سنين عمره الجاية بين المحاكم والسجون.
وقفت في نص مكتب أبويا، المكان اللي قضى فيه سنين بيبني فينا وفي ثروته. بصيت لصورته اللي كانت منورة المكتب، وحسيت إني قادرة أتنفس لأول مرة من ساعة يوم الجنازة. عماد بيه قرب مني وطبطب على كتفي وقالي:
“أبوكي كان دايمًا يقول: (الحيطان بتسند اللي بانيها، لكن الأصول بتسند اللي شاريها). هو اشترى كرامتك وحماكي قبل ما يمشي، وأنتِ كنتِ قد الأمانة يا مي.”
طلبت من عماد بيه يبدأ إجراءات الطلاق فوراً وتوثيق الطلقة اللي نطقها في الجنازة، وطلبت منه كمان إن عمارة المهندسين وكل المبالغ اللي هنستردها من كريم، تروح كوقف خيري باسم أبويا.. أنا مش عايزة من ريحته غير سيرته الطيبة والدرس اللي علمهولي.
بعد كام شهر، كنت واقفة قدام البحر في سيدي عبد الرحمن، في نفس الشقة اللي كريم كان فاكر إنه سجنني بمفتاحها. الشقة كانت هادية، وصوت الموج كان بيغسل كل الوجع اللي فات. اكتشفت إن القوة مش في الـ ٣٠ مليون جنيه، ولا في العقارات.. القوة كانت في اللحظة اللي قررت فيها إني ما انكسرش، وإني أرد الضربة بالذكاء مش بالصراخ.
فتحت شباك الشقة، وبصيت للسما وقولت: “شكراً يا بابا.. وصلت الرسالة.”
الحزن على فراق الأب مابينتهيش، بس بيتحول لدرع بنلبسه عشان نواجه بيه الدنيا. كريم كان مجرد اختبار، وأنا نجحت فيه بفضل “سند” ماماتش بموت صاحبه، فضل عايش فيا، وفي كل خطوة بمشيها.
النهاردة أنا “مي”، مش الست المكسورة اللي كانت واقفة في الجنازة.. أنا الست اللي عرفت إن الضهر الحقيقي هو “كرامتك”، وإن السند الحقيقي هو “عقلك”. وقفلت ورايا باب الماضي، وبدأت حياة جديدة، وأنا عارفة إن الكالون اللي اتغير المرة دي، هو كالون قلبي اللي مابقاش يسمح لأي حد طماع يدخله تاني.
## **تمت**
**
