جوزى مسافر حكايات رومانى مكرم 4
## الجزء السابع: شعلة النهاية
تجمدت الدماء في عروقي وأنا أرى حسام واقفاً وسط الصالة، والولاعة في يده تتراقص شعلتها الصغيرة لتعكس جنوناً لم أعهده في عينيه من قبل. رائحة البنزين كانت تخنق الأنفاس، والمكان كله تحول إلى برميل بارود ينتظر شرارة واحدة.
— “حسام.. أنت بتقول إيه؟ أنت رجعت إمتى؟ وإزاي تعمل فينا كدة؟” صرختُ وأنا أحاول التراجع لولا يد كريم التي كانت تمنعني.
ضحك حسام ضحكة جافة، كانت تشبه حشرجة الموت:
— “رجعت من طريق بري.. مكنش ينفع أسيبك لكريم يا سمر. كريم طول عمره عينه منك، كان فاكر إني مش عارف إنه بيراقبك، وإنه استغل سفري عشان يتقرب منك ويطلعني خاين ومجرم.”
التفت حسام إلى أخيه ووجه له فوهة الكلام بغل:
— “الحقيبة اللي تحت دي، أنت اللي زورت الأوراق اللي فيها يا كريم! أنت اللي كنت عاوز توهم سمر إني نصاب عشان تكرهني وترتمي في حضنك.. نهى كانت خطيبتك أنت، وأنت اللي قت*لتها لما عرفت إنها لسه بتحبني!”
### تبادل الاتهامات
اختلت موازيني. نظرتُ إلى كريم، وجدته يبتسم بهدوء مرعب، لم ينكر ولم يغضب.
— “حتى وأنت خاسر يا حسام، لسه بتعرف تألف قصص.. أنا محبستش سمر، أنا كنت بحميها من “الوحش” اللي هي متجوزاه.”
تحرك حسام خطوة نحونا، فانسكب المزيد من البنزين من الجركن الذي بيده.
— “سمر.. تعالي عندي هنا. لو بتحبيني فعلاً تعالي، وإحنا هنخرج من هنا سوا وننسى كل اللي حصل.. كريم هو اللي جاب البنزين ده، هو اللي كان عاوز يحرقنا كلنا ويبان إنه البطل اللي حاول ينقذنا.”
كنتُ واقفة بين نارين.. زوجي الذي أرى في يده أداة موتنا، وسلفي الذي أرى في عينيه نظرات غريبة لم أطمئن لها يوماً.
### لحظة الحقيقة
وفجأة، تحركت “هناء” الموقوتة على الكرسي بقوة، وسقطت أرضاً وهي تحاول إصدار صوت من خلف الكمامة. سقطت عيني على يدها، كانت تشير بإصرار نحو “المنور”.
نظرتُ حيث تشير، ومن خلف زجاج المطبخ المهشم، رأيتُ ظلاً يتحرك. لم يكن خيالاً هذه المرة.
رأيتُ “نهى”.
كانت واقفة بملابس ممزقة، وجهها شاحب كالكفن، وفي يدها هاتف محمول تصوب كاميرته نحو الصالة، وكأنها تبث ما يحدث “بثاً مباشراً”.
— “حسام.. كريم..” ناديتُ بأعلى صوتي وأنا أشير للمنور.
التفت الاثنان بصدمة. تجمد حسام في مكانه، وسقطت الولاعة من يده… لكنها لم تسقط على البنزين بعد، بل استقرت فوق سجادة صغيرة لم يصلها السائل.
قالت نهى بصوت متهدج وصل إلينا عبر صمت المكان:
— “اللعبة خلصت يا ولاد “أبو كريم”.. كل اللي قولتوه متسجل، والشرطة في طريقها لهنا. مفيش حد فيكم بريء، واحد خان وسرق، والتاني قت*ل “روحي” وحاول يلبسني تهمة هربت منها بالعافية.”
### الانهيار
في تلك اللحظة، فقد كريم هدوءه المصطنع، واندفع نحو المطبخ كالمجنون وهو يصرخ: “أنتي لسه عايشة؟ مستحيل!”.
أما حسام، فقد انهار على ركبتيه وسط البنزين، وبدأ يبكي كالأطفال:
— “أنا عملت كل ده عشانك يا سمر.. عشان متمشيش وتسيبيني زيهم.”
استغليتُ لحظة الذهول، وركضتُ نحو هناء وحماتي. بدأتُ أفك قيود هناء وأنا أرتجف، بينما كان صوت سرينة الشرطة يبدأ في الظهور من بعيد، ليشق سكون شوارع شبرا.
لكن قبل أن نتحرك خطوة واحدة نحو الباب، التفت حسام إليّ بنظرة لم أرها في حياتي، ومد يده نحو الولاعة التي كانت تبعد عنه سنتيمترات قليلة.
— “لو مش هتكوني ليا يا سمر.. مش هتكوني لحد غيري.”
أمسك بالولاعة، وقبل أن يضغط عليها، حدث ما لم يتوقعه أحد.. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
**
## الجزء الثامن والأخير: رماد الغدر ونبتة الحق
لمعت عين حسام ببريق الانكسار الأخير، وضغطت أصابعه على القداحة. اشتعلت الشرارة، لكن قبل أن تلمس الأرض المبللة بالبنزين، اندفعت “هناء” التي كانت قد تحررت جزئياً من قيودها، وألقت بجسدها فوق يد أخيه بكل قوتها.
انحرفت الولاعة بعيداً لتستقر في ركن خالٍ من البنزين، وفي تلك الثواني الفاصلة بين الحياة والموت، اقتحم رجال الشرطة الشقة من الباب الذي تركه كريم موارباً، ومعهم “نهى” التي كانت الشاهدة والضحية في آن واحد.
### المواجهة الكبرى
ساد الصمت لثظات، لم يقطعه إلا صوت الأصفاد وهي تُغلق على يد حسام وكريم. كان المشهد سريالياً؛ الأخوان اللذان تآمرات قلوبهما على بعضهما وعلى امرأة بريئة، يقفان الآن وجهاً لوجه أمام عدالة الأرض.
تقدمت “نهى” بخطوات ثقيلة، ونظرت إليهما والقهر يملأ ملامحها:
— “حسام.. أنت سرقت مالي وأحلامي ورميتني للديابة عشان تهرب. وكريم.. أنت كنت عاوز تدفن حقيقتك فيا وتوهم سمر إنك الملاك الحارس وأنت اللي كنت بتخطط لكل ده من البداية عشان تنتقم من أخوك.”
التفتت إليّ نهى وقالت بصوت نادم:
— “أنا آسفة يا سمر.. أنا كنت براقبك مش عشان أأذيكي، أنا كنت مستنية اللحظة اللي يظهروا فيها على حقيقتهم قدامك، عشان متكونيش ضحية جديدة زيي.”
### الحساب
اقتيد حسام وكريم إلى سيارة الترحيلات. حسام بتهمة النصب والتزوير والشروع في القت*ل، وكريم بتهمة التستر والمشاركة في جرائم أخيه ومحاولة الاعتداء. أما الشقة التي كانت يوماً حلمي الجميل، فقد أصبحت شاهدة على أن الجدران لا تحفظ الأسرار للأبد.
بعد رحيلهم، جلستُ على سلم البيت، وحولي حماتي التي كانت تبكي حظها في ولديها، وهناء التي كانت تحاول استيعاب الصدمة.
نظرتُ إلى السماء التي بدأت خيوط فجرها تشق عتمة ليل شبرا الطويل، وشعرتُ لأول مرة منذ شهور بنسيم بارد يلمس وجهي.. نسيم الحرية من كذبة عشتها لسنوات.
### الحكمة من الحكاية
خرجتُ من هذه التجربة القاسية بحقيقة واحدة حفرتها الأيام في قلبي:
> **”إن البيوت لا تُبنى على الرمال، والس*كينة لا تُشترى بالخداع. المظاهر قد تخدع العين حيناً، لكن الروح لا ترتاح إلا للصدق. لا يهم كم كان القريب قريباً، فالحق أحق أن يُتبع، والشر مهما طال ليله، فلا بد من فجر يفضحه.”**
>
لم يعد يهمني ما خسرتُه من مال أو جدران، فقد ربحتُ نفسي. تعلمتُ أن نظرة العين الواحدة الصادقة، خير من ألف كلمة معسولة يخفي صاحبها خلفها خنجراً. رحلتُ عن ذلك البيت، تاركةً خلفي ذكريات مؤلمة، لكنني حملتُ معي درساً لن أنساه أبداً: **”أن الأمان الحقيقي ليس في وجود رجل بجانبك، بل في صدق هذا الرجل ونقاء سريرته.”**
**تمت.**
**بقلم: حكايات رومانى مكرم**
