عزمتُ خطيب ابنتي3

تراجعتُ للخلف حتى التصق ظهري بالجدار المتفحم، وأنا أحتضن الصندوق المعدني إلى صدري كأنه درع. مريم كانت تشبثت بذراعي وهي تكتم صرخة رعب، وعيناها معلقتان بـ “كمال”، الرجل الذي كان قبل دقائق فقط هو المنقذ والدرع الحامي.

قال كمال بصوتٍ هادئ وبارد، وهو يتقدم خطوة داخل الغرفة:

“كنتُ أعلم أنكِ ذكية يا فاطمة، لكن ذكاءكِ اليوم وضعكِ في مأزقٍ لم أكن أتمناه. زوجكِ كان صديقي، لكنه كان يملك فضولاً أكبر من حجمه.”

قلتُ بصوتٍ يرتجف:

“أنت مَن ورّطتَه.. أنت مَن أجبرتَه على الاختفاء كل هذه السنوات لتستفرد بسامي وعمر وتأخذ نصيبك من صفقات الميناء!”

ضحك كمال ضحكة قصيرة وجافة، وقال:

“سامي وعمر مجرد أدوات، واجهة غبية لمشاريع أكبر بكثير. زوجكِ صوّر عملية التسليم الكبرى، وظن أنه يستطيع تأميني بتلك الفلاشة. والآن، ضعي الصندوق على الأرض وخذي ابنتكِ واخرجي من وهران تماماً.. ولنعتبر أنكما متُّما فعلاً في الحريق.”

في تلك اللحظة، لمع شيء في ذهن مريم. همست لي وهي تضغط على يدي: “أمي.. الهاتف!”

تذكرتُ فجأة أن الهاتف الذي أعطاني إياه كمال في المركز لأرى فيديو زوجي كان لا يزال في جيبي، ولم أكن قد أغلقته بعد!

تحركتُ ببطء، محاولةً كسب الوقت:

“وإذا أعطيتُك الصندوق.. كيف أضمن أنك لن تقتلنا؟ أنت لم ترحم صديق عمرك، فكيف ترحمنا؟”

بينما كنتُ أتحدث، كانت يدي داخل جيبي تتحسس شاشة الهاتف. ضغطتُ على زر تسجيل الصوت ومشاركة الموقع لآخر رقم اتصل بي.. رقم زوجي! إذا كان كمال صادقاً بأن زوجي حي ويراقب، فربما يصله ما يحدث.

فجأة، انقطع سكون المكان بصوتٍ يأتي من الخارج.. صوت جهاز لاسلكي!

ارتبك كمال، ونظر نحو الباب. استغللتُ اللحظة وصرختُ في الهاتف:

“كمال هو القاتل! كمال هو من أحرق البيت!”

جن جنون كمال، ورفع المسدس نحوي وهو يصرخ: “أعطني الصندوق فوراً!”

لكن قبل أن يضغط على الزناد، دوى صوت انفجار صغير في الصالة. لم تكن قنبلة، بل كانت زجاجة بنزين أخرى ألقاها شخصٌ من النافذة! اشتعلت النار مجدداً في الرواق الفاصل بيننا وبين المخرج، وظهر ظلان خلف الدخان.

لقد هرب سامي وعمر!

يبدو أن سيارة الترحيلات لم تبتعد كثيراً، أو أن لديهما أعواناً أخرجوهما في الطريق. دخلا الشقة وهما يصرخان بحقد:

“كمال! ظننتَ أنك ستتخلص منا وتأخذ كل شيء وحدك؟”

اختلطت الأمور تماماً؛ كمال يوجه مسدسه نحو التوأمين، والتوأمان يحملان أسلحة بيضاء، ونحن محاصرتان في زاوية الغرفة والنيران تحيط بنا من جديد.

صرخ سامي وهو ينظر إليّ:

“أعطني الفلاشة يا فاطمة، وسأقتله وأخرجكِ من هنا.. هو من قتل زوجكِ فعلياً، الفيديو الذي رأيتِه كان ذكاءً اصطناعياً صممه هو ليخدعكِ!”

دارت بي الدنيا. هل زوجي مات حقاً؟ هل كان الفيديو مجرد خدعة ليدفعني كمال للبحث عن الصندوق؟

نظرتُ إلى الصندوق، ثم إلى كمال، ثم إلى التوأمين. الكل يريد هذا السر، والكل مستعد لقتلي.

في وسط هذه الفوضى، سمعنا صوت مروحية تقترب من فوق العمارة، وأصوات مكبرات صوت تطالب الجميع بإلقاء السلاح.

قال كمال وهو يتراجع نحو النافذة:

“لا أحد سيخرج من هنا بالسر.”

وفجأة، سحب كمال فتيل قنبلة غاز كانت بحوزته وألقاها في منتصف الغرفة. الدخان الأبيض الكثيف غطى الرؤية تماماً. شعرتُ بيد قوية تجذبني من معصمي، ويد أخرى تجذب مريم.

ظننتُه كمال، أو سامي.. لكن الشخص الذي جذبنا همس في أذني بكلمة واحدة جعلتني أفقد وعيي من الصدمة:

“اطمئني.. لقد عدتُ أخيراً.”

 

فتحتُ عينيّ لأجد نفسي في مكانٍ غريب، سقفٌ حجري قديم ورائحة رطوبة قوية. كانت مريم تجلس بجانبي، تمسح على رأسي بقطعة قماش مبللة وهي تبكي بصمت، لكنها لم تكن تبكي خوفًا هذه المرة، بل كانت دموع ذهول.

نظرتُ حولي، فوجدتُ الرجل الذي أنقذنا يقف عند نافذةٍ صغيرة تطل على البحر. لم يكن يرتدي بدلةً رسمية ككمال، ولا ثيابًا أنيقة كسامي. كان يرتدي ملابس بسيطة، وشعره غطاه الشيب بالكامل، لكن وقفته كانت مألوفة لروحي.

التفت إلينا، نعم.. إنه هو. “مراد”، زوجي الذي بكيته خمس سنوات.

ارتميتُ في حضنه وأنا أصرخ وأعاتبه: “كيف فعلت هذا بنا؟ كيف تركتنا لهذه الوحوش؟”

قال مراد بنبرةٍ مثقلة بالهموم:

“كان يجب أن أموت في نظرهم يا فاطمة. كمال لم يكن مجرد ضابط فاسد، بل كان الرأس المدبر لشبكة دولية لتهريب الآثار عبر ميناء وهران. سامي وعمر كانا مجرد واجهة لغسل الأموال. عندما كشفتُ أمرهم، حاولوا قتلي في حادث الميناء، لكنني نجوتُ بمساعدة زميلٍ شريف، واتفقنا على إخفاء حقيقة وجودي حتى أجمع الأدلة الكافية.”

ثم نظر إلى الصندوق المعدني الذي كان لا يزال في يدي وقال:

“الفلاشة التي معكِ لا تحتوي على صور فقط، بل تحتوي على تسجيلات صوتية لكمال وهو يتفق مع تجار دوليين، وموقع المخزن السري الذي تُخبأ فيه الآثار قبل تهريبها.”

فجأة، سمعنا صوت محركات سيارات تقترب من المكان.

نظر مراد من النافذة وتغيرت ملامحه:

“لقد وجدونا.. كمال لم يمت في الحريق، ويبدو أنه استعان برجاله الخاصين بعيدًا عن سلك الشرطة الرسمي. سامي وعمر أيضاً معهم.. لقد تحالف الأعداء لمرة واحدة لضمان دفن السر.”

أخرج مراد مسدسًا من حزامه وأعطاني هاتفًا آخر:

“فاطمة، اسمعيني جيداً. هذا القبو له مخرج سري يؤدي مباشرة إلى الشاطئ. خذي مريم والفلاشة واركضي. هناك قارب صغير ينتظركما، صاحبه رجل أثق به، سيوصلكما إلى مكانٍ آمن.”

قلتُ له بذعر: “وأنت؟ لن أتركك مرة أخرى!”

ابتسم مراد بحزن وقبل رأس مريم وقال:

“يجب أن أبقى لأعطلهم. إذا خرجنا جميعًا، سيمسكون بنا. الفلاشة هي أمانك الوحيد، بمجرد وصولك، ستقومين بإرسال الملفات للعنوان المخزن على الهاتف، وسينتهي كابوس كمال إلى الأبد.”

بدأ ضرب الرصاص ينهال على باب القبو. صرخت مريم وهي تتشبث بوالدها، لكنه دفعنا بقوة نحو ممرٍ ضيق تحت الأرض:

“اركضا! ولا تنظرا خلفكما!”

نزلتُ مع مريم في الممر المظلم، وأنا أسمع صوت تحطم الباب وصراخ كمال وهو يأمر رجاله باقتحام المكان. سِرنا في النفق الطويل والأنفاس تتلاحق، حتى وصلنا إلى نهايته وخرجنا على شاطئ صخري مهجور.

كان القارب هناك فعلاً، لكن قبل أن نضع أقدامنا فيه، أضاء كشافٌ ضخم من فوق الصخور.

كان “سامي” يقف هناك، وبيده قناصة، وعلى وجهه ابتسامة النصر الأخيرة.

قال سامي بصوتٍ علا فوق صوت الأمواج:

“ظننتِ أن النفق سري يا خالة فاطمة؟ أنا من صممتُ هذا المخبأ لمراد حين كان يظنني صديقه! ضعي الصندوق على الرمل.. أو ستكون مريم هي الضحية الأولى.”

وفي تلك اللحظة، ظهر خيال رجل من خلف سامي، ورفعت يده سكيناً لامعاً…

تابعو صفحه رومانى مكرم

هوى السكين على كتف سامي قبل أن يضغط على الزناد، فالتفت بذعر ليجد أخاه “عمر” يطعنه مرة أخرى! لم تكن طعنة غدر من أجل الحق، بل كانت طعنة الطمع. صرخ عمر بهستيريا: “المال لي وحده يا سامي! لن أشارك أحداً في ملايين الفلاشة!”.

سقط سامي غارقاً في دمائه، بينما انشغل عمر بمحاولة التقاط البندقية. في تلك اللحظة، دوى صوت رصاصة واحدة من جهة القبو، أصابت كتف عمر وأسقطته أرضاً. كان “مراد” قد تمكن من الخروج، رغم جراحه، ليحمي عائلته في اللحظة الأخيرة.

وصل مراد إلينا وهو يلهث، جسده مثقل بالدماء لكن عينيه كانتا تشعان بالقوة. دفعنا نحو القارب صرخاً: “الآن! تحركا!”.

ركبنا القارب مع الرجل الأمين، وبينما بدأ المحرك يهدير والموج يبتعد بنا عن الشاطئ، رأينا “كمال” يظهر فوق الصخور، يطلق الرصاص بجنون نحونا، لكن رصاصات الشرطة الرسمية التي وصلت أخيراً للمكان بدأت تحاصره. رأينا كمال يسقط من فوق الصخرة إلى أعماق البحر، ليختفي سره وجسده تحت الأمواج المتلاطمة.

### **بعد مرور ثلاثة أشهر**

في مدينة ساحلية بعيدة عن وهران، كانت الشمس تغرب بهدوء. جلستُ أنا ومريم على شرفة منزلنا الجديد، وأمامنا مائدة عشاء بسيطة، لكن هذه المرة.. لم يكن هناك خوف، ولا شوكات تسقط تحت الطاولة.

مريم عادت لضحكتها القديمة، وقد بدأت تدرس الحقوق لتدافع عن المظلومين كما ظُلمت هي ووالدها. أما مراد، فقد نال براءته رسمياً بعد أن وصلت الملفات إلى الجهات العليا في العاصمة، وتم تفكيك الشبكة بالكامل.

دخل مراد الشرفة وهو يحمل صينية القهوة، وجلس بجانبي. نظر إلى البحر وقال بهدوء:

“أتدرين يا فاطمة.. تلك الليلة في وهران، عندما انحنيتِ تحت الطاولة لترَي ما يفعله سامي، لم تنقذي مريم فقط.. بل أنقذتِ عائلة بأكملها من ضياعٍ أبدي.”

ابتسمتُ له وأنا أمسك يده بامتنان. لقد انتهت حكاية “سامي” المزيفة، وبدأت حكايتنا الحقيقية. حكاية الصبر والستر التي دافعنا عنها بدمائنا، في أزقة وهران التي شهدت على وجعنا.. وعلى انتصارنا الأخير.

**تمت.**

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *