وأنا بظبط هدومي حكايات رومانى مكرم
وأنا بظبط هدومي، حماتي قالتلي اطلع بره شقتنا قبل الصبح، علشان ابنها الكبير ومراته الحامل **”محتاجين مساحة”**.
وهي أصلًا ما كانتش تعرف إن كل جنيه بيدفع للشقة دي كان بيتدفع من حسابي أنا علشان السقف ده يفضل فوق دماغهم.
وتاني يوم، والصناديق متكومة تحت العمارة وكاميرا الباب شغالة، سؤال بسيط من عامل النقل خلّى ثقتها تتحول لصمت.
كان يوم عادي جداً. الأسانسير طالع نازل، والناس رايحة شغلها. وأنا واقفة في المطبخ، وحماتي — **الحاجة سعاد** — دخلت عليّ وقالت بهدوء ثقيل ومتحضّر:
> **”مروان ومراته راجعين قبل الولادة، فلازم تفضي الشقة… بكرة الصبح.”**
الكلام نزل عليّ زي الصاعقة!
**١٣ سنة** بخدم البيت ده، وبشيل القرف وأصلح كل حاجة بتتكسر، وفي الآخر أترمى برّه بكلمتين؟ وزوّدتها كمان بكلمة تقصد تجرحني بيها في أكتر نقطة توجعني في حياتي… حاجة عمري ما اخترتها بإيدي (موضوع الخلفة اللي اتأخرت).
### الضحية اللي قررت تفوق
أنا اسمي **نورا**.
اتجوزت **أحمد** علشان وعدني بالأمان وقت ما حياتي كانت متلخبطة بعد وفاة أهلي. سبنا بيت أهله زمان علشان يبقى لينا مساحة مستقلة، لكني فضلت طول الوقت مجرد واحدة موجودة للخدمة… مفيدة بس مش مهمة. قلّلت الشيفتات بتاعتي في الصيدلية علشان أعرف أدير البيت وأراعي حماتي، واتعلمت مزاج كل واحد فيهم، وكنت دايمًا حاسة إني مجرد ضيفة في بيتي.
لما **مروان** (أخو جوزي الكبير) قال إن مراته حامل، الحاجة سعاد طارت من الفرحة كأنها أخدت الكنز اللي مستنياه طول عمرها، وبدأت تتكلم عن أوضة البيبي والبداية الجديدة، وكأن كل اللي عملته السنين دي كان مجرد مرحلة مؤقتة وهتعدي.
وأحمد؟ وافق أمه على كل كلمة، وسافر شغل في الصعيد وسابني أواجه قرارات أمه المفاجئة لوحدي.
### السر اللي محدش يعرفه
بس كان في سر محدوُش في العيلة دي كلها يعرفه خالص:
**إيجار الشقة الشهري (١٥ ألف جنيه)**، كان بيتخصم كل أول شهر من حسابي البنكي أنا! كنت بساهم بالفلوس دي من ورثي وشغلي علشان أحمد يفضل قدام أهله وناسه “الراجل الشبح اللي شايل بيته ومغرقهم”.
نزلت أتمشى شوية في الشارع علشان أفك وأعرف أتنفس. قعدت في كافيه قريب، وبنت شغالّة هناك ورّتني صورة بالصدفة لأحمد قاعد مع واحدة ثانية بيضحك معاها بنفس الطريقة اللي بقالي سنين ما شفتهاش منه.
ما صرختش… ولا حطيت إيدي على وشي. بس كل حاجة في لحظة بقت واضحة زي الشمس.
رجعت البيت، ولمّيت شنطي والحاجات اللي تخصني أنا بس. عملت مكالمة واحدة للمحامي ولصاحب العمارة، ونمت ليلتها لأول مرة من سنين مرتاحة ومستريحة من غير ما أستنى حد يرضى عني. حكايات رومانى مكرم
### يوم الإخلاء
الصبح بدري، عربية النقل كانت واقفة تحت العمارة، والكراتين ماليّة مدخل الشارع. الحاجة سعاد كانت واقفة في الصالة مصدومة ومبهولة، وهي شايفاني بنفّذ كلامها بحذافيره وبفرّغ الشقة على آخرها، وطلبها البسيط بقى إخلاء حقيقي للمكان!
عامل النقل وهو بياخد آخر شنطة، وقف عند الباب، بصلي وبصلها وسأل بهدوء:
> **”يا مدام… الشقة دي باسم مين؟ عشان العقد اتلغى وصاحب العمارة جاي يستلم المفتاح دالوقت؟”**
#الكاتب_رومانى_مكرم
وساعتها… المكان كله سكت، والحاجة سعاد لسانها اتعقد وما عرفتش تنطق بحرف.
وساعتها… المكان كله سكت، والحاجة سعاد لسانها اتعقد وما عرفتش تنطق بحرف.
### الجزء الثاني
وقفت الحاجة سعاد في مكانها متسمرة، عينها بتتنقل بين عامل النقل وبين كراتين العفش اللي نازلة، واللون يهرب من وشها تدريجياً. الصدمة كانت أكبر من إن عقلك يستوعبها في ثواني. بصتلي بصة فيها خليط من الذهول والعجز، وقالت بصوت مهزوز مش طالع بالعافية:
> **”عقد إيه اللي اتلغى؟ أنتي بتتكلمي عن إيه يا نورا؟ الشقة دي شقة ابني أحمد!”**
>
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد ما بقاش عنده حاجة يخسرها، وقربت منها بثقة عمري ما حسيت بيها قبل كده. طلعت من شنطتي إيصالات السداد بتاعة الـ ١٣ سنة اللي فاتوا، ومعاهم العقد الأصلي وصورة من ورقة تحويلات الحساب البنكي باسمي، وحطيتهم على الترابيزة قدامها.
وقلت ببرود تام:
> **”ابنك أحمد ما يدفعش هنا مليم يا حاجة. الشقة دي كانت بتتدفع من حسابي البنكي أنا… من ورثي وشغلي في الصيدلية كل أول شهر. وأنا النهاردة الصبح بلغت صاحب العمارة إني بفسخ العقد وبوقف الدفع. والشقة هترجع لصاحبها خلال نص ساعة.”**
>
الحاجة سعاد مسكت الترابيزة علشان ما تقعش، عينها كانت بتجري على الورق والأسماء والتواريخ، وحروف اسمها بقت تتلجلج في لسانها:
> **”بس… بس مروان ومراته جايين في السكة! العفش ده رايح فين؟ أنتي هتخربي بيت ابني؟”**
>
رديت وأنا باخد مفاتيحي الشخصية وبحطها في شنطتي:
> **”بيت ابنك بيتهدم من زمان يا حاجة سعاد، بس هو اللي كان فاكر إنه بيبني على أرض غيره. ابنك اللي سايبني هنا أواجه قسوتك وعايش حياته في الصعيد مع غيري… خليه بقى ييجي يشيلكم ويشوفلكم مساحة تكفيكم كلكم.”**
>
في اللحظة دي، جرس الباب رن. فتح العامل وكان واقف صاحب العمارة بنفسه ومعه محاميه، ومعاهم محاميّ الشخصي اللي طلبته إمبارح بالليل. صاحب العمارة بص للحاجة سعاد بكل احترام وقال:
> **”يا مدام سعاد، المدام نورا بلغتني بإنهاء عقد الإيجار وتسليم الشقة، وحقها القانوني تماماً لأن العقد باسمها والإيصالات باسمها. قدامكم ساعتين بالضبط تسلموا المفتاح أو نضطر نرفع أمر إخلاء فوراً.”**
>
هنا الحاجة سعاد انهارت وقعدت على أقرب كرسي وهي بتصرخ بصوت مكتوم وتدور على تليفونها علشان تتصل بأحمد. أيديها كانت بترتعش مش عارفة تضرب الأرقام. لما أحمد رد، سمعت صوته العالي من السماعة وهو يسأل في إيه، لكن أمه كانت بتعيط وبتقول كلمتين بالعافية:
> **”الحقني يا أحمد… مراتك رمت عفشنا في الشارع وبتسلم الشقة لصاحبها! الشقة طلعت باسمها هي يا أحمد!”**
>
الخط سكت لحظات، وصوت أحمد اتغير تماماً للذهول والرعب:
> **”يعني إيه باسمها؟! أنتي بتقولي إيه يا أمي؟!”**
>
سحبت التليفون من إيد الحاجة سعاد بهدوء، وحطيت السماعة على ودني وقلت بصوت واضح ونبرة حاسمة:
> **”أهلاً يا أحمد. الشقة اللي كنت بتتباهى بيها قدام أهلك قفلت حسابها. والصيدلية اللي كنت بقلل شيفتاتي عشان أخدمهم، هرجع فيها دوام كامل. العفش اللي يخصني نزل، والعفش اللي يخصك موجود في الشارع تحت العمارة. قدامك ساعة تجيب مروان ومراته وتشيلوا حاجتكم… وإشعار الطلاق هيوصلك على عنوانك الجديد.”**
>
وقبل ما ينطق بأي كلمة، قفلت السكة في وشه، وبصيت للحاجة سعاد وهي شايفاني بنزل السلم ورى عمال النقل، والناس في الشارع بتبص على الكراتين المتكومة.
نزلت الشارع، وقفت جنب عربية النقل، وبصيت لفوق للمرة الأخيرة. الشباك اللي قضيت قدامه ١٣ سنة بتعصر من التجاهل والإهانة، بقى فاضي تماماً.
ركبت عربيتي، وشغلت المحرك، وفي اللحظة دي بالظبط… شفت عربية مروان أخوه بتفرمل بمهانة في أول الشارع، ومراته الحامل بتبص مصدومة على المنظر تحت العمارة.
### الجزء الثالث (قبل الأخير)
نزلت مرام، مرات مروان، من العربية وهي ماسكة بطنها المتروكة وصدمتها جمدت خطواتها في الشارع. مروان نزل وراها زي المجنون، يفرك في شعره وعينه رايحة جاية بين الكراتين المتكومة على الرصيف، وبين بواب العمارة اللي واقف يتفرج بأسى.
طُلع مروان جراي على السلم، وصوته كان مالي العمارة كلها. لما دخل الشقة ولقى أمه قاعدة على الأرض جنب الباب المفتوح بتعيط ومكسورة، والشقة فاضية تماماً غير من كام قطعة خشب متكسرة، صرخ بصوت هيستيري:
> **”يعني إيه الشقة مش حقتنا؟! يعني إيه الشارع يسعنا كلنا؟! أحمد فين؟!”**
>
الحاجة سعاد رفعـت إيدها وهي بترتعش ومسكت في جلابيته:
> **”أحمد ضحك علينا يا مروان… أحمد كان بياخد القرشين بتوعك وبتوع شغله ويعيش بيهم حياته، ونورا هي اللي كانت شايالة السقف ده كله من ورثها! ضيعنا يا مروان… ضيعنا البنت اللي كانت شايالانا!”**
>
في الوقت ده، كانت عربية نقل العفش الخاصة بيا بتتحرك، وأنا راكبة عربيتي وراها، رايحة على شقة جديدة صغيرة أأجرها بالنظيف وبفلوسي، بعيد عن أي ريحة للبيت ده. تليفوني ما بطلش رن. أحمد كان بيتصل زي المجنون… ١٤ مكالمة فائتة، وبعدها رسائل ورا رسائل:
> *”نورا ارجعي نتكلم.. أنتي فاهمة غلط.. أنا في الطريق للقاهرة.. ما تخربيش بيتنا عشان لحظة غضب!”*
>
رديت عليه بمسج واحدة بس:
> **”البيت اتخرب يوم ما فاكر إن فلوسي وحياتي حق مكتسب، ويوم ما بعتني عشان تنبسط بعيد. الصور وصلتني يا أحمد… نتقابل في المحكمة.”**
>
وصلت شقتي الجديدة، بدأت أفتق الكراتين بفرحة هادية مشاعرها غريبة… خليط من التعب والراحة. وفي وسط ما أنا برتب، المحامي كلمني وقال إن أحمد وصل العمارة، وحصلت خناقة كبيرة بينه وبين أخوه مروان في الشارع قدام الناس كلها؛ مروان اتهمه إنه نصاب واستغله، وأحمد كان بيصرخ إن أمه هي اللي جابت دا كله لنفسها بلسانها وقسوتها.
الحاجة سعاد اضطرت تاخد شنطة هدومها وتروح تقعد في بيت أختها الكبير في الأرياف مكسورة العين، ومروان خد مراته الحامل ورجعوا ينزلوا في لوكاندة شعبية على أد فلوسهم، بعد ما العفش اترس في مخزن للروبابيكيا بفلوس إيجار يومي.
في نفس الليلة، أحمد جالي تحت العمارة الجديدة. عرف المكان من البواب القديم اللي حنّ عليه.
نزلتله الشارع، وقف قدامي وشكله متبهدل، عينه مكسورة والغرور اللي كان عايش بيه ١٣ سنة اتدمر في ساعات.
قرب مني وهو بيحاول يمسك إيدي، وقال بصوت متقطع:
> **”نورا… أنا أسف. والشيخة سعاد غلطت وأنا طلبت منها تعتذرلك. ارجعي وأنا هكتبلك كل حاجة باسمك… بس بلاش نوصل للطلاق والفضايح.”**
>
بصيت في عينه ببرود تام، وسحبت إيدي ببطء، وقلت كلمة واحدة هزت كيانه بالكامل…
### الجزء الرابع والأخير
وقفت قصاده، وبصيت في عينيه بثبات يقطع أي أمل جواها، وقلت بصوت هادي ومسموع:
> **”أنا مش راجعة عشان أنت عرفت قيمتي يا أحمد… أنا راجعة لنفسي اللي ضاعت معاك ١٣ سنة. الفلوس والشقة كانوا أصلًا بتوعي، لكن عقلي وكرامتي هما اللي استرديتهم النهاردة. كلمتي الأخيرة ليك هي كلمتك ليا طول السنين اللي فاتت: محتاجة مساحة… بس المرة دي مساحة من غيرك للأبد.”**
>
سيبته واقف على الرصيف مش قادر يرد ولا يتحرك، ومشيت ودخلت عمارتي وما بصيتش ورايا ولا مرة.
مرت الأيام وسجلت الأيام اللي بعد كده كل واحد وهو بياخد نصيبه من القسوة اللي زرعها. أحمد ما قدرش يستحمل المواجهة ولا الفضايح، المحكمة حكمتلي بالطلاق وبكامل حقوقي القانونية والمالية بعد ما المحامي قدم كل التحويلات البنكية اللي تثبت استيلائه على الفلوس، والصور اللي كشفت خيانته. اضطر يبيع عربيته ويتداين عشان يدفع المؤخر والمستحقات، ورجع يعيش في شقة إيجار جديد بسيطة جدًا بالصعيد بعيد عن أهله وناسه بعد ما خسارة هيبته.
الحاجة سعاد عاشت في بيت أختها في الأرياف، لا هي طايلة بيت ابنها الكبير ولا طايلة عطف أحمد، كل يوم تسمع كلام يوجع من قرايبها على اللي عملته في البنت اللي كانت شايلاها، وندمها بقى ياكل فيها كل ليلة وهي شايفة إن “المساحة” اللي كانت عايزاها لمروان ومراته بقت سبب إن العيلة كلها تتشتت.
أما مروان ومراته، فاضطروا يرجعوا أرياف أهل مراته يقضوا أيام الولادة هناك، بعد ما فلوسهم اتصرفت على اللوكاندات ومخازن العفش، وضاعت أحلام الأوضة الجديدة وشقة القاهرة.
أما أنا… صيدليتي أخدت كل وقتي واهتمامي. رجعت أمارس شغلي بكل شغف، وفتحت فرع صغير خاص بيا من ورثي اللي صانته وحميته في الوقت المناسب. حياتي بقت هادية، البيت نضف من النفاق، والسقف اللي فوق دماغي بقى ملكي فعليًا وقانونياً ونفسياً.
### الحكمة من القصة
> **”لا تُضحّي بكرامتك ولا بشرقيتك ومالك لتشتري رضا من يراك مجرد ‘أداة’ في حياته. العطاء بلا حدود لغير أهله يُعلم الناس الاستهانة بك، والاستغناء الذكي في الوقت المناسب ليس قسوة… بل هو أسمى درجات النجاح وإنقاذ النفس.”**
>