حماتى حكايات انجى الخطيب 3

… لقيت “حماي” الكبير، بشيبته وهيبته وجلابيته الصعيدي، ووراه عمام أحمد الاتنين.. وبمجرد ما عيني جت في عين حماي، شوفت نظرة خجل وأسف عمري ما كنت أتوقع أشوفها في عيون الراجل الصارم ده.

أبويا استقبلهم بكل ترحاب، بس بجمود يليق بالأصول والوجع اللي شوفته. قعدوا في الصالة، وحماي قبل ما ينطق بكلمة واحدة، بص لأبويا وقال بصوت جهوري وهزّان:

ـ “يا حاج محمود.. أنا جاي وجايب عمام أحمد معايا لحد بيتك عشان أقولك كلمتين.. أنا معرفتش أربي، وولدي صغّرني وصغّر عيلته، والظلم أنا ميرضينيش واصل.”

التفت ليا حماي وكمل وعينيه مليانة أسى:

ـ “حقك فوق راسي يا بنتي.. أحمد حكالي كل حاجة بعد ما ضغطت عليه وعرفت إنه مد إيده عليكي، والفلوس اللي كان بياخدها من وراكي عشان يمنظّم بيها أمه، أنا رجعتها وقطعت مصروفه، وأمه لمت حاجتها ورجعت البلد مكسوفة من عمايلها.. أنا جاي النهاردة مش عشان أدافع عنه، أنا جاي أقولك شروطك إيه عشان ترجعي بيتك معززة مكرمة، والولد ده لو كررها تاني، هعتبره مش ولدي.”

في اللحظة دي، شوفت أحمد واقف وراهم عند باب الشقة، وشه في الأرض، عينه مكسورة، ومفيش في وشه نقطة دم واحدة.. الراجل اللي كان بيفحيح زي الأفعى من يومين، واقف دلوقتي زي التلميذ المذنب قدام كبار عيلته.

أبويا بصلي وقالي: “قولي شروطك يا منال، ومتخافيش من حد، كبار العيلة هما اللي ضامنين.”

أخدت نفس عميق، والبرود والثبات اللي اتعلمتهم في الأيام الأخيرة رجعوا لقلبي تاني، وبصيت لأحمد وقُلت:

ـ “أنا شروطي مش فلوس يا عمي.. أنا شروطي كرامة.”

### شروط منال العادلة:

* **أولاً:** أحمد يمضي على وصل أمانة بقيمة كل مليم أخدته منه أمه من شقايا، ويكون الضامن ليه هو “عمي” بنفسه.

* **ثانياً:** شقة الزوجية تتكتب بالكامل (إيجارها ومصاريفها) باسمي، وميدخلش فيها مخلوق من طرفه يتدخل في حياتي أو يهينني.

* **ثالثاً والأهم:** أحمد يعتذر لي قدام أبويا وعمامه ويبوس على راسي اعتذاراً عن القلم والإهانة، ويتعهد كتابةً بحق الحضانة الكامل للولاد لو فكر يمد إيده عليا تاني.

أحمد أول ما سمع الشروط، وشه جاب ألوان وحاول ينطق: “بس يا بويا..”، لكن نظرة واحدة حادة من أبوه ألجمته وخليته يبلع كلامه. حماي خبط بعصايته في الأرض وقال: “الورق يتكتب عاد دلوقتي، والولد هيعتذر وينفذ كل الشروط ورجله فوق رقبته، وإلا طلاق وفضايح في المحاكم وملوش قعاد في وسطنا.”

أحمد قرب مني بخطوات تقيلة، وعينيه مليانة غل مكتوم بس مكسور بالخوف.. وطى وباس على راسي قدام الكل، وصوته كان بيترعش وهو بيقول: “أنا آسف يا منال.. مش هتتكرر تاني.”

ملمستش في عيونه ندم حقيقي، شوفت بس خوف من أبوه وعيلته.. وافقت أرجع عشان ولادي وعشان أثبت لنفسي إني كسرت مناخيره وجبت حقي تالت ومتلت، بس جوايا كنت عارفة.. إن أحمد مش هيعدي الليلة دي بالساهل، وإن الحرب مخلصتش، دي يدوبك “هدنة محارب”.

الغسالة الجديدة رجعت الشقة، ورجعت أنا وولادي معززين.. بس المرة دي، بقلب جديد، قلب مبيخافش، وعين وسط راسي مستنية الخطوة الجاية من أحمد.. لإن اللي زيه مبيصفاش بسهولة.

 

أحمد دخل ورايا الشقة وهو شايل الشنط، بس المرة دي كان ساكت سكوت مرعب.. سكوت القنبلة اللي مستنية لحظة الانفجار. رمى الشنط في الصالة، وبص للغسالة الجديدة اللي العمال رجعوا ركبوها تاني في مكانها، وضحك ضحكة صفرا مكتومة وقال بصوت واطي:

ـ “مبروك عليكي النصر يا ست منال.. خليتي أبويا وعمامي يكسروني قدام أبوكي، ومضيتيني على ورق يربطني من رقبتي.. ارتحتي كدة؟”

بصيتله بمنتهى الثبات وقُلتله:

ـ “الورق ده عشان يضمن إنك تفضل بني آدم وتفتكر الأصول، وطالما مش ناوي تغلط، يبقى الورق ملوش لازمة.. صح ولا أنا غلطانة؟”

سابني ودخل الأوضة ورزع الباب، ومن اللحظة دي.. الحياة بيننا اتقلبت لـ “حرب باردة”.

### الأيام الصعبة والتحول الكبير

مرت الأسابيع وأحمد اتحول لنسخة تانية تماماً؛ مبقاش بيتكلم، مبيطلبش حاجة، ومبيتدخلش في أي تفاصيل تخصني أو تخص الولاد. كان بيصرف على البيت بالمليم زي ما أبوه أمره، بس كان بيتعامل معايا كأني “حبر على ورق” أو مجرد خيال مآتة في البيت.

أنا ميهمنيش جفائه، بالعكس.. كنت مركزة في شغلي، وفي تربية ولادي، والغسالة الجديدة كانت بتلف وتغسل هدومنا وأنا قاعدة حاطة رجل على رجل، وكل لفة ليها كانت بتفكرني بالانتصار اللي حققته. بس إحساسي الداخلي كان بيقولي إن الهدوء ده مش طبيعي.. أحمد مش الراجل اللي يتباس على راس مراته ويسكت، ده صعيدي والدم بيغلي في عروقه، والكسرة دي جرحت رجولته في مق/تل.

وفي يوم.. وبعد حوالي شهرين من الواقعة، نزلت الشغل كالعادة، ورجعت العصر ملقتش أحمد في البيت، وده الطبيعي لإن ميعاد مرواحه متأخر. دخلت المطبخ أجهز الأكل، وسمعت صوت تزييق غريب جاي من أوضة النوم..

دخلت الأوضة.. ولقيت الدولاب مفتوح، وفي ورق كتير مرمي في الأرض. قلبي انقبض، جريت على المكان السرّي اللي كنت شلت فيه “إقرار الدين” والورق اللي مضى عليه قدام أبوه وعمامي..

**الدرج كان مكسور.. والورق اختفى!**

### المفاجأة الصادمة

في نفس اللحظة، سمعت صوت قفل الباب الخارجي بيتفتح.. خرجت للصالة وأنا دمي هرب من عروقي، لقيت أحمد داخل، وسيجارته في بوقه، وفي إيده “ولاعة”.. وبصلي بابتسامة نصر مرعبة، ورفع إيده التانية اللي كان ماسك فيها الورق بتاعي!

ـ “بتدوري على دول يا منال؟”

صرخت فيه: “أحمد! إنت اتجننت؟ رجع الورق ده مكان الخراب اللي عملته!”

ضحك بصوت عالي، الصوت اللي بقالي شهرين مسمعتوش، وولع الولاعة وقربها من الورق قدام عيني وهو بيقول بشماتة:

ـ “أبويا وعمامي جم حققوا الأصول ومشيوا البلد، ومحدش هينزل من البلد هنا تاني عشان ورقة.. ومحدش هيصدقك لو روحتي قولتلهم أحمد سرق الورق، هقولهم ضاع ولا إنتي بتتبلي عليا.. الملعوبة خلصت يا منال، ورجعتي لحجمك الطبيعي!”

وفي ثواني.. رمى الورق وهو بيولع في طبق إستانلس على الترابيزة، والنار كلت شروطي وكرامتي اللي كنت فاكرة إني ثبتها بالورق.. رماد الورق كان بيطير في الصالة وأحمد بيبصلي ويتشفا في دموعي اللي نزلت غصب عني.

قرب مني وقال بالفحيح بتاعه:

ـ “من بكرة.. أمي هتيجي تقعد هنا، والبيت ده هيمشي بكلمتي أنا، والقرش اللي معاكي هتدفعي بيه مصاريف الشقة غصب عنك، وإلا ورب العرش لأوريكي أيام سودا.. ومفيش ورق هيحميكي مني تاني!”

سيبته واقف يضحك ودخلت جري على أوضتي وقفت الباب بالمفتاح.. كنت بترعش من الصدمة، بس وسط دموعي وكسرتي، افتكرت جملة قُلتها لنفسي من شهرين: *”اللي جاي محتاج قلب ميموتش”*.

مسحت دموعي فجأة، وابتسمت ابتسامة غامضة وأنا ببص للموبايل في إيدي.. وأحمد برة فاكر إنه حرق حريتي. هو لسة ميعرفش أنا رتبت لإيه، وميعرفش إن الرماد اللي حرقُه ده.. هو أول مسمار في نعشه!

**الجزء القادم هو الفصل الأخير.. نهاية حكاية منال وأحمد.**

 

قعدت على السرير وجسمي كله بيترعش، بس مش من الخوف.. من كتر الغباء اللي هو فيه. أحمد برة في الصالة صوته واصلني وهو بيغني ويصفر، فرحان بنصره الوهمي وفاكر إنه حرق حريتي وضمن سكوتي.

مسكت الموبايل، وفتحت الواتساب.. وبعتّ رسالة واحدة للمحامي بتاعي: **”أحمد حرق الورق اللي اتفقنا عليه يا متر.. نفذ الخطة (ب) فوراً”**.

أحمد كان فاكرني “منال” الساذجة اللي بتلعب على المكشوف، بس أنا من يوم ما رجعت البيت ده وأنا دارسة كل خطوة. لما حماي أجبره يمضي على الورق، أنا كنت عارفة إن غله مش هيموته، وإن عينه هتفضل على الورق ده عشان يحرقه ويزلني بيه.. عشان كدة، قبل ما أدخل الشقة أصلاً، عدّيت على المكتبة، وعملت “نسخ طبق الأصل” ملونة ومختومة من المحامي للورق كله، وشيلت الأصل في مكان برة البيت تماماً محدش يعلمه إلا ربنا والمحامي.. والورق اللي هو حرقه وفرح بيه؟ ده كان مجرد صور وفوتوشوب مطبوعين على ورق نضيف عشان يشرب المقالب!

### زلزال في الصباح الباكر

تاني يوم الصبح، صحيت وعملت نفسي مكسورة ومستسلمة تماماً، مكنتش بتكلم ولا ببص في وشه.. وهو كان نازل الشغل ورافع راسه لفوق وكأنه ملك زمانه، وقالي وهو قفل الباب: “أمي جاية على العصر.. جهزي البيت ونضفيه عشان تستقبليها زي زمان ورجلك فوق رقبتك”.

نزلت شغلي وأنا متبسمة.. والساعة جت اتنين الظهر.

تليفون أحمد رن وهو في وسط زمايله في الشغل.. المتصل كان محضر من المحكمة!

مش قض*ية نفقة ولا طلاق.. دي كانت **دعوى “تبديد منقولات زوجية” بأصل قائمة المنقولات**، ومعاها **جنحة “سرقة واستيلاء على أموال” بأصل إقرار الدين** اللي مضى عليه قدام أبوه وعمامه! والمحضر سلمه إعلان رسمي بوجوب الحضور، ويا إما الدفع كاش.. يا إما الحبس الفوري!

أحمد اتجنن، ساب الشغل وجري على البيت زي المجنون.. فتح الباب ورزعه وهو بيصرخ: “منال! إنتي عملتي إيه؟ ورق إيه اللي المحضر جاي بيه؟ أنا حرقته بإيدي!”

خرجتله من المطبخ وأنا ماسكة كوباية شاي، وبقمتى البرود قُلتله:

> “إنت حرقت ورق بـ 2 جنيه من المكتبة يا أحمد.. الأصل في حيز أمان عند المحامي بتاعي من شهرين. إنت فاكرني هأمن لواحد غدر بيا ومد إيده عليا؟”

>

### المواجهة الكبرى وسقوط الأقنعة

أحمد وشه بقى أزرق، والغل اتقلب لرعب حقيقي.. وفي نفس اللحظة، الباب خبط.. فتحت، ولقيت حماي داخل، ووشه زي القطيفة السودا من شدة الغضب، ووراه حماتي شايلة شنطتها وجاية على أساس إنها راجعة تذلني.. بس الصدمة شلتهم لما شافوا المنظر.

حماي بص لأحمد وقال بصوت زلزل الحيطة:

ـ “المحامي كلمني في البلد وقالي إنك سرقت ورق حقي اللي أنا ضامنه، وحرقته يا واد محمود؟ بتصغّرني تاني وتكسر كلمتي قدام الناس؟”

أحمد وقع على ركبه وبدأ يعيط بنحيب: “يا بويا والله هي اللي لعبت عليا.. هي اللي خططت لكل ده عشان تحبسني!”

حماي تف في الأرض وبصلي وقال: “حقك عليا يا بنتي.. الولد ده ملوش رِبا، والظاهر إن الشقا اللي شقيتيه معاه ميتطمرش في قليل الأصل.. أنا مش هقreference ليه تاني، واعملي اللي تعمليه.. القانون ياخد مجراه”.

حماتي بدأت تصوت وتلطم: “يا مراري! ابني هيتحبس؟ بقى حتة عيلة تودي ابني السجن يا حاج؟”

حماي زعق فيها: “اخرسي خالص! إنتي السبب في خراب بيته بجهلك وطمعك.. غوري على البلد ومش عايز أشوف وشك هنا تاني!”

### الستارة الأخيرة ونهاية الحكاية

أحمد ملقاش قدامه حل غير إنه ينفذ شروطي كاملة ومن غير ولا كلمة.. وتحت تهديد الحبس وضياع مستقبله، المحامي بتاعي قعد معاهم في الصالة، وبشروطي أنا:

* **أولاً:** تم الطلاق “على الإبراء” مع الاحتفاظ بكامل حقوق الولاد ونفقتهم الشهرية اللي بتتخصم من مرتبه رسمي من الشغل.

* **ثانياً:** الشقة دي اتكتبت باسمي كـ “تمكين شقة زوجية” بصفتي حاضنة، وأحمد خرج منها بشنطة هدومه بس.

* **ثالثاً:** الفلوس اللي كانت في إقرار الدين ادفعتلي كاش بالمليم قدام أبوه، واشتريت بيها شهادات تأمين لمستقبل ولادي.

يوم ما أحمد كان بيلم حاجته وماشي من الشقة وهو مكسور وذليل، بص للغسالة الجديدة اللي كانت شغالة وبتعصر الهدوم بصوت هادي.. وبصلي بعيون مليانة ندم وكسرة وقالي: “خربتي البيت يا منال.. وارتحتي؟”

بصيتله وأنا واقفة في وسط شقتي، ملكة زماني، وولادي في حضني، وقُلتله:

> “البيت بيتخرب لما الراجل ينسى رجولته ويمد إيده على اللي صانته.. الغسالة دي جيت عشان تغسل وسخ الأيام اللي عيشتها معاك، وتنضف حياتي وحياة ولادي من أي ظلم.. طريق السلامة يا أحمد، والباب يفوت جمل”.

>

قفل الباب وراه.. وأنا أخدت نفس عميق لأول مرة من سنين.. جبل وانزاح من على صدري، وبصيت لإيديا اللي بدأت تخف وتتحسن، وابتسمت ابتسامة صافية.. أنا منال، الست اللي مكسرتهاش الأيام، بل صنعت منها سبيكة دهب مابتصديش.

**تمت بحمد الله.**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *