حكايات امانى السيد 4
المعازيم بدأت تتهامس، وصوت الأغاني اللي كان مالي القاعة حسيت إنه بدأ يوطى تدريجيًا في وداني. الموقف رجّعني فجأة لكل لحظة كسرة عشتها زمان، ونبض قلبي بدأ يعلو. سألت نفسي والرعب بيتملكني: “هو أنا مكتوب عليا مأفرحش؟ هل الماضي لسه بيجري ورايا عشان يهد كل حاجة بنيتها؟”
حاولت أثبت وأحافظ على ابتسامتي قدام نظرات الفضول والشماتة اللي بدأت تلمع في عيون بعض الحاضرين. وقفت في وسط الكوشة لوحدي، فستاني الأبيض اللي كان حسسني إني ملكة من شوية، بقى حاساه تقيل وخانقني.
فاتت عشر دقائق كأنهم عشر سنين، لحد ما لمحت جوزي داخل من باب القاعة تاني. ملامحه كانت مشدودة، وفي عينه نظرة غضب وعتاب غريبة أول مرة أشوفها منه. قرب مني ومسك إيدي، بس مسكته المرة دي مكنتش فيها الحنية بتاعة كل مرة، كانت قوية وفيها حزم.
وطى على ودني وقال بصوت واطي ومكتوم: “تعالي معايا على غسيل الهدوم (أوضة العروسة) حالاً.. مش ينفع نتكلم قدام الناس”.
مشيت وراه ورجلي مش شيلاني، والمعازيم عيونهم متبعة كل خطوة بنخطيبها. أول ما دخلنا الأوضة وقفل الباب وراه، التفت ليا وطلع تليفونه، وبصلي وقال بنبرة مليانة مرار: “إيه ده يا …؟ فهميني إيه اللي بيحصل بره ده؟”
بصيت لشاشة التليفون، وكان فيه فيديو مبعوتله على الواتساب.. الفيديو كان لطليقي، واقف بره باب القاعة في الشارع، متبهدل وراكع على الأرض وعمال يصرخ بأعلى صوته ويقول: “يا فاعل الخير.. يا عريس الهنا.. الست اللي أنت بتتجوزها دي جاية تبني سعادتها على خرابي! سرقت فلوسي وشقا عمري بالورق والمحامين ورمتني في الشارع بعكازي! اسألوها عن قضية الحجر والتبديد اللي رفعاها عليا إمبارح! دي مفيهاش ريحة الأنوثة ولا الأصول، دي خربت بيتي وعايزة تسجني!”
الفيديو كان بدأ ينتشر بين بعض معازيم الفرح اللي واقفين بره، والوشوشات بدأت تكبر. طليقي، في لحظة يأس أخيرة بعد ما عرف إن المحامي بتاعي بدأ إجراءات الحبس واسترداد الأموال، قرر إنه يحرق كارتي الأخير ويفضحني في ليلة عمري.
دموعي نزلت غصب عني، وبصيت لجوزي وقولتله بصوت بيترعش: “والله العظيم كداب! أنت عارف كل حاجة.. عارف هو عمل فيا إيه.. الورق اللي جابه المستشار رفعت صبري بيثبت إنه هو اللي سرقني زمان وسرق شريكه، وأنا مخدتش غير حقي القانوني!”
جوزي أخد نفس طويل، ومسح على وشه بضيق، وقرب مني ومسك كتافي الاثنين وقال: “أنا عارف يا حبيبتي.. عارف ونفس المحامي كلمني إمبارح وقولتله يكمل الإجراءات. أنا مش زعلان عشان كلامه، أنا واثق فيكِ وعارف إنك ست بمليون راجل.. أنا زعلان إن البني آدم الرخيص ده قدر يوصل لهنا ويكسر فرحتك في يوم زي ده”.
كلامه نزل على قلبي زي المايه الساقعة، حسيت إن ربنا فعلاً عوضني براجل بجد، مش شخص بيسمع للناس ويهتز.
جوزي كمل وهو بيمسح دموعي بحنان: “طليقك بره دلوقتي، والأمن مسكوه وطلبنا له البوليس عشان المحضر اللي معمول له بعدم التعرض.. بس الفكرة إن الفرح اتهز، والناس بره بتتكلم. تحبي ننهي الفرح ونمشي، ولا عندك رأي تاني؟”
بصيت لنفسي في المراية.. شوفت الوش اللي اتقال عليه “شقيان وعجز”، وشوفت الفستان الأبيض، واجتمعت جوايا كل قوة الدنيا. مسحت دموعي بإيدي، وبصيت لجوزي وقولتله بكل كبرياء: “نمشي؟ نمشي ونخليه يحس إنه انتصر وكسر فرحتنا؟ لأ يا حبيبي.. إحنا هنخرج بره، والفرح هيكمل، وهنرقص ونتبسط، والبوليس ياخده من بره قدام الكل عشان يعرف إن طبع الندالة آخره دايماً الحبس”.
جوزي ابتسم ابتسامة فخر عريضة، وباس راسي وقال: “كنت واثق إنك هتقولي كده.. يلا بينا يا ملكة”.
خرجنا من الأوضة، ماسكين إيد بعض، وراسنا في السما. أول ما دخلنا القاعة، جوزي شاور للدي جي يعلي الصوت على الآخر، وبدأنا نرقص ونضحك وسط ذهول الناس اللي كانت مستنية تشوفني عياط ومكسورة. الرقاصة والزفة اشتعلت تاني، وحولنا الموقف كله لانتصار جديد.
من ورا زجاج القاعة الشفاف اللي باصص على الشارع، لمحت عربية البوليس وهي واقفه، والعساكر بيشيلوا طليقي وهو ساند على عكازه وبيركبوه البوكس وسط نظرات الاحتقار من كل اللي واقفين في الشارع.
بصيت للمشهد ده وأنا برقص في حضن جوزي، وقولت في سري: “أهو أنت بقى بقيت كرت محروق بجد.. والصفحة دي اتقفلت بالضبة والمفتاح، والسجن مستنيك”.
عدت الليلة، وخلص الفرح، ورحنا بيتنا الجديد.. حياة جديدة، مليانة حب واحترام وعوض حقيقي.
مرت شهور، وحياتي استقرت تماماً، وبقيت حامل في الشهر الثالث. وفي يوم، وأنا قاعدة في الجنينة بتاعة بيتنا بنشرب شاي أنا وجوزي، جالي إيميل على تليفوني من المحامي بتاعي.. فتحته وأنا متوقعة إنه ورق يخص القضية اللي خلاص قربت تخلص بحبسه..
لكن الإيميل كان فيه تقرير طبي غريب وصادم، ومكتوب في آخره جملة خلت كوباية الشاي تقع من إيدي وتتدشدد مية حتة على الأرض…
كوباية الشاي اتدشدت مية حتة على الأرض، وصوت الكسر عمل صدى جوه وداني. جوزي قام مخضوض من مكان مسك إيدي ولهفت قال: “فيه إيه يا حبيبتي؟ إيه اللي حصل؟ مالك وشك اتخطف كده ليه؟”
مكنتش قادرة أنطق، عيني كانت مثبتة على شاشة الموبايل، وعلى السطور الأخيرة من التقرير الطبي اللي بعته المحامي. التقرير مكنش يخص طليقي ولا عقوبته في السجن، التقرير كان يخص البنت اللي كانت معاه في الكافتيريا.. البنت اللي عايرتني بجمالي وشقايا.
التقرير كان صادر من مصلحة السجون، ومكتوب فيه إن البنت دي اتوفت جوه مستشفى السجن بعد صراع سريع ومفاجئ مع مرض خبيث في الدم.. وقبل ما تموت بأيام، طلبت تقابل وكيل النيابة وبصمت على اعتراف تفصيلي ومسجل، المحامي بعتلي نص كلامها في الإيميل.
فتحت نص الاعتراف وإيدي بتترعش، وقريت الكلمات اللي كاتبها وكيل النيابة على لسانها:
> “أنا عارفة إني بموت، ومش عايزة أقابل ربنا بذنوب الست دي.. أنا مكنتش مجرد واحدة طليقها عرفها عليا، أنا وطليقها كنا متفقين عليها من سنين. هو اللي جابني وجرجرني للسكك دي، وهو اللي كان بياخد فلوسها وشقاها ويحطه في حساب باسمي عشان يهرب من حقها. ويوم الكافتيريا، هو اللي غصب عليا أقول الكلام ده وأعايرها بملامحها ولبسها، وقالي ‘اكسري عينها عشان متفكرش تطالب بحقها وتصدق إنها عجزت ومبقتش ست’.. أنا كنت أداة في إيد شيطان، وهو اللي دمرني ودمرها، وبطلب منها تسامحني..”
>
نزلت الموبايل على التربيزة وأنا حاسة بجسمي كله بيلين. جوزي سحب الموبايل وقرا الكلام، وعينيه وسعت من الصدمة. بصلي وقال بنبرة مليانة ذهول: “يا ساتر يارب.. الراجل ده مكنش بني آدم، ده كان شيطان لابس وش إنسان! كل الغل ده كان شايله جواه عشان يسرقك ويكسر نفسك؟”
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع ارتياح ورهبة من تدبير ربنا. البنت اللي شافت نفسها تفاح أمريكاني، ماتت في السجن لوحدها ومصانة بمرضها وذنبها، وطليقي اللي كان فاكر نفسه ملك، كشفته الأيام وظهرت حقيقته المرعبة قدام الدنيا كلها.
جوزي قرب مني، أخدني في حضنه ومسح على شعري وقال: “الحمد لله إن ربنا نجاكي منه يا …، الحمد لله إنك خرجتي من الجحيم ده على رجليكي. دلوقتي بس تقدري تقولي إن حقك رجع بالكامل، والعدالة الإلهية كتبت كلمتها الأخيرة”.
سندت راسي على كتفه، وبصيت لبظنّي اللي بدأت تكبر، وحسيت بنبض ابني الصغير جوايا. قولت لنفسي: “الماضي مات واندفن يا …، والوش الشقيان ربنا كافئه بأيام هادية ونضيفة”.
مرت الأيام والشهور، وقضية طليقي خلصت بحكم رادع بالسجن المشدد بتهمة النصب والتبديد والتزوير، ودخل المكان اللي يستاهله عشان يقضي بقية عمره ورا القضبان، وحيد، منبوذ، ومكسور العين بجد.
وفي يوم ولادتي..
كنت قاعدة في أوضة المستشفى الشيك، شايلة ابني “يوسف” بين إيديا، وجوزي قاعد جمبي بيبوس راسي وعينيه مليانة دموع الفرحة. أهلي وأصحابي كانوا حواليا، والمكان كله ورد وضغوطات مبهجة.
بصيت لملامحي في مراية الأوضة، مكنش فيه أي أثر للوش الشقيان القديم.. الوش بقى منور، مرتاح، ومليان بضحكة حقيقية طالعة من قلب عاش وعافير لحد ما وصل لبر الأمان.
الباب خبط، ودخلت الممرضة وهي شايلة باقة ورد ضخمة جداً وشكلها غالي أوي، وحطتها على الترابيزة وقالت: “دي جاتلك حالا يا فندم بره باسمك.. بس اللي جابها سابها ومشي بسرعة من غير ما يسيب كارت”.
استغربت وقولت لجوزي: “مين هيكون جاب الورد ده ومكتبش اسمه؟”
جوزي قرب من باقة الورد، وبدأ يدور وسط الفروع لحد ما لقى ظرف صغير أسود ومخفي جوه الورد.. فتحه وقرا الورقة اللي جوه، وفجأة ملامحه اتغيرت تماماً، وبصلي بنظرة رعب هزت كيان الأوضة كلها وقال بصوت مخنوق: “…”
انخطف لوني وكنت هقفل إيدي على ابني “يوسف” من الخضة، وبصيت لجوزي وقولتله بصوت بيترعش: “في إيه يا أحمد؟ الورقة دي فيها إيه؟ انطق وقعت قلبي!”
أحمد أخد نفس طويل، وملامح الرعب اللي كانت على وشه بدأت تتبخر وحل مكانها ابتسامة هادية ورايقة، وقرب مني وقعد على طرف السرير، ومسك إيدي وقال بنبرة مليانة فخر: “مفيش يا حبيبتي، أنا بس اتصدمت من اللي كاتب الكلام.. الورقة دي مش من حد من الماضي، الماضي خلاص اتقبر ورا الحيطان واندفن تحت التراب.. الورقة دي من المستشار رفعت صبري، محامي ورثة شريك طليقك القديم”.
سحبت الورقة من إيده وأنا بنهج، وفتحتها وقريت السطور المكتوبة بخط إيد وقور ومنظم:
> “ابنتي العزيزة …، مبروك المولود الجديد، وجعله الله قرة عين لكِ ولزوجك المحترم. أردت أن تكون باقة الورد هذه هي أول ما يستقبلك في حياتك الجديدة النظيفة. أحببت أن أزف إليكِ بشرى سارة في هذا اليوم المبارك.. اليوم صباحاً، تم تنفيذ الحكم النهائي والبات، واسترددنا بحكم المحكمة كل الأموال المنهوبة والأملاك التي سُرقت منكِ ومن موكليّ. الشقة التي طُردتِ منها يوماً بعكاز القهر، أصبحت اليوم ملككِ قانوناً بالكامل، بالإضافة إلى التعويض المالي الكبير الذي حُكم به لصالحك. الحق لم يرجع فقط في الآخرة، بل عاد تامتًا تالداً في الدنيا وبقوة القانون. دعي الماضي للمقابر، والتفتي لمستقبلكِ الزاهر.. المستشار رفعت صبري”.
>
نزلت الورقة من إيدي، والدموع نزلت من عيني.. بس المرة دي مكنتش دموع خوف ولا وجع، كانت دموع شكر لربنا اللي مبيسبش حد مظلوم، بيجيب الحق تالت ومتلت ومن حيت لا نحتسب.
بصيت لأحمد جوزي، اللي وطى وباس راسي وعيني، وقال بصوت حنين: “شوفتِ بقى؟ ربنا مش بس عوضك بيا وبالبيبي.. ربنا رجعلك كل شقاكي وتعبيكِ لحد عندك وأنتِ في وسط فرحتك.. مبروك يا أم يوسف، مبروك يا ست الستات”.
بصيت للمراية اللي في الأوضة للمرة الأخيرة.. الوش الشقيان الدبلان اللي عايروني بيه في الكافتيريا زمان، اتمحى تماماً من الوجود. الوش اللي في المراية دلوقتي كان وش ست قوية، ناجحة، أم، وزوجة لراجل بجد بيصونها ويحميها.
“التفاح الأمريكاني” طلع مغشوش ومرشوش بالسم ومات في عتمة السجون، وطليقي اللي كان فاكر نفسه ملك زمان، بقى مجرد رقم مسجون ورا القضبان، عايش في ذل الندم والفقر والمرض. أما أنا، “الجميز” الأصيل، فطرحت وخيرت ونورت في الأرض النضيفة اللي تستاهلني.
حضنت ابني يوسف لصدري، وأخدت نفس طويل مليان بريحة العوض والأمان، وغمضت عيني وأنا بقول من كل قلبي: “شكراً يارب.. القصة خلصت، وحياتي الحقيقية لسه هتبدأ حالا”.