حكايات اسما السيد 2
لم تكن أمي هي المستيقظة.. بل كانت ياسمين.
كانت تجلس على الأرض الترابية أمام الفرن البلدي، وقد ربطت شعرها بمنديل بسيط وشمرت عن ساعديها، وتحاول جاهةً إشعال بعض قطع الحطب الصغيرة لتجهيز نار الفرن. وجهها كان يحمل بعض آثار الرماد، وعيناها تدمعان من أثر الدخان المتصاعد، لكنها كانت تبتسم بإصرار كلما اشتعلت شرارة صغيرة.
بجوارها، كانت هناك صينية حديدية كبيرة عليها عجين تم إعداده مسبقًا، مغطى بقطعة قماش نظيفة. أدركت فورًا أنها استيقظت في هذا الوقت المتأخر من الليل لتعجن وتخبز وتفاجئ أمي بـ “عيش مرحرح” وفطير بلدي مع شروق الشمس، كدليل على أنها قادرة على تحمل المسؤولية وأنها تريد أن تسعدها بكل الطرق.
وقفتُ أراقبها من خلف الباب الخشبي، وشعرت بغصة في حلقي أطاحت بكل كبريائي. هذه الفتاة التي تعيش في القاهرة، وتعمل في بيئة حديثة، لم تتردد للحظة في أن تجثو على ركبتيها في وسط التراب والدخان من أجل امرأة عجوز قابلتها لأول مرة منذ ساعات، بينما أنا، ابن هذه الدار، كنت أقف متفرجًا ومختبرًا ومشككًا.
مشيت نحوها بخطوات بطيئة، وعندما شعرت بحركتي التفتت إليّ وشهقت بخفوت وهي تضع يدها على صدرها:
— “أدهم! خضيتني.. إيه اللي صحاك في الوقت ده؟”
جلست بجوارها على الأرض، ونظرت إلى يديها الملوثتين بالعجين والرماد، وقلت بصوت مخنوق:
— “ياسمين.. إنتي ليه بتعملي كل ده؟ إنتي مش مضطرة تصحي الفجر وتبهدلي نفسك بالدخان والتراب علشان تثبتي أي حاجة.”
نظرت إليّ بعينين صافيه وبراءة لم أرَ مثلها، وقالت بعفوية:
— “أثبت إيه يا أدهم؟ أنا مش بثبت حاجة.. أنا بعمل ده لأني حاسة إن ماما زينب هي أمي التانية. الست دي شقيت وتعبت وربتك لحد ما بقيت الراجل اللي أنا حَبِيته واشْتريته. البيت ده يمكن يكون قديم وبسيط، بس مليان دفا وبركة أنا محستهاش في شقق التجمع والشيخ زايد. أنا عايزة لما نتجوز، ماما زينب تحس إنها مكسبتش مرات ابن، دي كسبت بنت تخدمها وتشيل عنها التراب.”
كل كلمة كانت تخرج من فمها كأنها طعنة توجه لشكّي وظنوني المريضة. لم أحتمل النظر في عينيها أكثر، فنهضت وساعدتها في إشعال الحطب، وبقينا معًا حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل إلى الفناء، ورائحة الفطير الساخن والخبز البلدي تملأ أركان المكان.
عند الصباح، استيقظت أمي وخرجت من غرفتها وهي تسير ببطء متظاهرة بالتعب بناءً على اتفاقي السري معها. لكن بمجرد أن رأت الصينية الكبيرة المليئة بالفطير المشلتت الساخن، والخبز، وإبريق الشاي الصعيدي المغلي، ونظرت إلى وجه ياسمين المتعب والمليء بالابتسام الصادق، نسيت أمي التمثيلية تمامًا.
توقفت الحاجة زينب في مكانها، واتسعت عيناها بذهول، ثم التفتت إليّ ونظرت إليّ بنظرة حادة حملت كل معاني اللوم والتوبيخ، قبل أن تتوجه نحو ياسمين وتأخذها في حضنها وتبكي بكاءً حارًا وهي تقول:
— “يا بنتي.. يا نخلة عالية وطرحها طيب.. إنتي كتير علينا يا بنتي، إنتي جوهرة غالية قوي.”
وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت أمي تحتضن ياسمين وتبكي، اقتربتُ منهما وأنا أشعر برغبة عارمة في إنهاء هذه اللعبة القذرة والاعتراف بكل شيء، مهما كانت العواقب.. لكن فجأة، وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، رن هاتف ياسمين برقم غريب، وعندما أجابت، تغيرت ملامح وجهها تمامًا، وسقط الهاتف من يدها على الأرض الترابية..
تابعو صفحه رومانى مكرم
التقطتُ الهاتف بسرعة من على الأرض والتقطت ياسمين أنفاسها بصعوبة، كانت ملامحها قد تحولت من الفرحة الطاغية إلى ذهول ورعب حقيقي. نظرتُ إلى شاشة الهاتف لأرى الرقم، لكن الخط كان قد انقطع.
— “في إيه يا ياسمين؟ مين اللي كان بيكلمك؟” سألتها بقلق والوجوم يسيطر على المكان.
نظرت إليّ وعيناها تلمعان بالدموع، وقالت بصوت مرتعش:
— “ده.. ده رقم المستشفى في القاهرة.. بيقولوا إن بابا تعب فجأة ونقلوه العناية المركزة.. أدهم، أنا لازم أرجع فورًا!”
في تلك اللحظة، سقطت كل الأقنعة. نسيتُ الاختبار، ونسيتُ خجلي من البيت، ولم يعد يشغلني سوى إنقاذ الموقف. التفتُّ إلى أمي التي كانت تنظر إلينا بذعر، فقالت لي بصوت حازم وجاد، متخلية تمامًا عن دور المريضة الذي فرضته عليها:
— “سافر يا ابني.. خُد مرأتك وطير على القاهرة، أبوها ملوش غيركم دلوقتي. ومتشيلش همي أنا زينة ومفياش واصل.”
لم نضيع دقيقة واحدة. لم ننتظر أتوبيسًا ولا ميكروباص، بل أجريتُ اتصالًا سريعًا بأحد معارفي في القرية ممن يملكون سيارة حديثة، وطلبت منه أن ينقلنا إلى القاهرة بأقصى سرعة مقابل أي مبلغ يطلبه.
طوال طريق العودة، كانت ياسمين تبكي بصمت وتدعو لوالدها، وأنا جالس بجوارها أتحرق شوقًا لأواسيها، لكنني كنت أشعر بجدار من الخزي يفصلني عنها. كيف كنت أختبر معدنها في المال والفقر، بينما هي تحمل همومًا حقيقية وتملك قلبًا يتسع للعالم كله؟
عندما وصلنا إلى المستشفى الكبير في القاهرة، هرعنا إلى قسم الطوارئ. كان أعمام ياسمين هناك، والتوتر يملأ الأجواء. طمأننا الطبيب قائلًا إنها أزمة قلبية مفاجئة وتم السيطرة عليها، لكن الأب يحتاج إلى جراحة عاجلة لتركيب دعامات في القلب، والتكلفة كانت باهظة جدًا وتتجاوز قدرة عائلتها البسيطة.
وقف أعمامها يتشاورون بقلة حيلة، والدموع تجمدت في عيون ياسمين وهي تشعر بالعجز. هنا، وجدتُ نفسي أتقدم خطوة للأمام. أخرجتُ بطاقتي الائتمانية وذهبتُ مباشرة إلى مكتب الحسابات، ودون تردد، قمت بدفع كامل تكاليف العملية والمستشفى.
عندما عدتُ إليهم، نظرت إليّ ياسمين بنظرة امتنان ممزوجة بالخجل، وقالت بصوت خافت:
— “أدهم.. أنا عارفة إن المبلغ كبير، بس والله هسدده لك من مرتبي.. مش هسيب حقك.”
نزلت كلماتها كالصاعقة على رأسي. “حقك؟” عن أي حق تتحدث وهي التي كانت مستعدة لخدمة أمي وبيتها الطيني طوال العمر؟
اقتربت منها، وأمسكت يدها أمام الجميع، وقلت بصوت مسموع وواضح:
— “ياسمين.. أبوكي هو أبويا، والفلوس دي متجيش حاجة جنب ضفرك. أنا اللي مدين ليكي بحياتي كلها.”
مرت الساعات الثقيلة، وخرج والدها من غرفة العمليات بسلام، وبدأت حالته تستقر. تنفس الجميع الصعداء، وغادر الأقارب ولم يتبقَ في الممر الضيق للمستشفى سواي أنا وهي، والهدوء يلف المكان في ساعة متأخرة من الليل.
جلست ياسمين على المقعد الخشبي، وبدت منهكة تمامًا لكن ملامحها كانت هادئة. نظرت إليّ وقالت برقة:
— “شكراً يا أدهم.. إنت أثبتّ لي النهارده إنك راجل بجد، وسند وماتتخلاش عني في وقت الضيق.. أنا محظوظة بيك.”
هنا، لم أستطع الاحتمال أكثر من ذلك. انقبض قلبي شعورًا بالذنب، وشعرت أنني إن لم أخبرها بالحقيقة الآن، سأعيش طوال عمري مخادعًا في عينيها. تنهدت بعمق، وجلست على ركبتي أمامها تمامًا كما فعلت هي أمام أمي في الفناء الترابي، وقلت لها وعيني في عينها:
— “ياسمين.. أنا لازم أقولك على حاجة.. أنا مستاهلش كلامك ده، لآني الشخص اللي خذلك من قبل ما نتجوز..”
