حكايات منال على 1
صـاحية من النـوم تـاني يـوم فرحـي، علـي دنيا جديدة، لقيت جـوزي قاعد في الصـالون وجايـب مـعاه موثـق من الشـهر العـقاري، حاطـه قـدام فنـجان القهـوة بتاعـي عـشان يخليـني أمضـي وأتنـازل عن شـركة قيـمتها 75 مـليون جنـيه.
أبوه وأمه كانوا قاعدين حواليا، مبتسمين زي غربان لابسة حرير، ومش عارفين إن جدتي الله يرحمها هي اللي علمتني إزاي أخبي السكينة قبل ما أقعد وسط الذئاب.
“زين” قرب مني، باس دماغي وزق الفايل ناحيتي وهو بيقول بنبرة هادية: بقلم منــال عــلي
— امضي هنا يا “نور”.
أنا كنت لسه بالروب الأبيض بتاع شهر العسل. لسه لابسة الحلق الألماظ بتاع جدتي “إحسان”. والبلبلة أو الدبلة لسه في صباعي، في اللحظة دي بالذات فهمت إني متجوزتش راجل… أنا اتجوزت مصيدة.
أمه، “شهيرة”، قعدت على يميني بابتسامة كلها سم عسل. وأبوه، “شاكر”، بيصب لنفسه قهوة بكل برود كأنه في اجتماع مجلس إدارة. والموثق، راجل رفيع ببدلة رمادي، فتح قلمه قدامي وهو مش قادر يبص في عيني. بقلم منــال عــلي
البيت بتاع عيلة “سلطان” في المعادي كان مليان بريحة ورد غالي، وريحة فطار فاخر، وريحة طمع تفوق كل ده. امبارح بس، وفي نفس الفيلا دي، “زين” قال قدام المعازيم كلهم:
— “نور” هي طمأنينتي، هي بيتي، ومكتوبي.
يا سبحان الله، إزاي الوعود والعهود بتتغير في ثانية لما الفلوس تظهر!
بصيت على الورقة الأولى: “تنازل عن ملكية”. الورقة التانية: “تنازل عن حصص”. الورقة التالتة: “تفويض بالإدارة الكاملة لشركة إحسان للصناعات”.
ريقي نشف. شركة “إحسان للصناعات”… دي شقى عمر جدتي. 75 مليون جنيه عقود، وبراءات اختراع، وأراضي، ومكن. الشركة اللي “إحسان” بنتها من الصفر بعد ما عافرت في الدنيا بماكينة خياطة قديمة، وقرشين شايلاهم للزمن في بطانة جزمتها، وإرادة أنشف من الحديد. الشركة اللي أنا عمري ما جبت سيرتها قدام “زين”.
رفعت عيني بالراحة وبصيت له:بقلم منــال عــلي
— إنت عرفت الموضوع ده منين؟
“زين” ابتسم، بس طرف بقه اتهز وهو بيقول:
— الجواز أساسه الصراحة والشفافية يا حبيبتي.
أبوه “شاكر” ضحك ضحكة مكتومة وقال:
— بلاش دراما يا بنتي، “زين” وراه التزامات وديون، وإحنا عندنا خطط للتوسع، وإنتي خلاص بقيتي فرد من العيلة دي.
فرد من العيلة… دي الكلمة اللي الأغنياء بيسموا بيها الفريسة لما تقع في القفص.
“شهيرة” حطت صوابعها الساقعة على إيدي وقالت بنبرة حنينة ومزيفة: بقلم منــال عــلي
— وبعدين يا حبيبتي، يعني بصراحة كده، إنتي مش شكل واحدة تقدر تدير كيان بالحجم ده.. سيبي المأمورية دي للرجالة هما أدرى.
أهو كده… الستارة ارفعت. من غير زواق، من غير رقة، من غير زفة. دي الحقيقة المجردة.
ما كانش حب، ولا سكن، ولا حماية. كان تملك واستحواذ.
افتكرت “زين” وهو بيطلب إيدي تحت المطر، قدام كورنيش النيل، وهو بيحلف إنه بيعشق بساطتي وقلبي الطيب. وافتكرت “شهيرة” وهي بتقدم لصحابها وبتقول “بسيطة ومؤدبة”. وافتكرت “شاكر” وهو بيهزر في خطوبتنا ويقول: “الحمد لله إن (نور) ملهاش في لوع البيزنس والشغل”.
أنا وقتها ابتسمت، وسقيتهم شاي، ووطيت عيني. لبست فساتين رقيقة واتكلمت بصوت واطي وهم بيتكلموا عن الفلوس قدامي كأني مجرد فازة زينة في الصالون.
سبتهم يصدقوا اللي عايزين يصدقوه، لإن آخر درس من جدتي “إحسان” كان واضح: “إياكي توري الذئاب مكان سلاحك فين”.
الموثق كح وطلع صوت: بقلم منــال عــلي
— مدام “نور”، لو سمحتي وقعي بالأحرف الأولى على كل صفحة…
قلت بصوت واطي بس مسموع:
— أنا اسمي “نور إحسان”.
وش “زين” اتخشب ونبرته اتغيرت:
— مبقاش اسمك كده خلاص.
الكلمة نزلت على التربيزة زي القلم. “شهيرة” زودت ابتسامتها وقالت:
— يا حبيبتي بلاش عصلجة من أول الصبح، امبارح إنتي اخترتي تكوني زوجة.
رديت عليها:
— اخترت أكون زوجة، مش جارية.
“شاكر” هبد الفنجان على التربيزة بعصبية: بقلم منــال عــلي
— اسمعي يا بنت الناس، في البيت ده الأمور بتمشي بالنظام. “زين” محتاج غطاء مالي، وإنتي عندك أصول مركونة، وده الشيء الطبيعي والمنطقي.
— مركونة؟!
ضحكت ضحكة صغيرة.. ضحكة باردة لدرجة إن “شهيرة” سحبت إيدها من على إيدي.
— جدتي مبنتش مصنع من الهوا عشان يجي راجل مديون ويقول عليه مركون!
“زين” مال عليا وصوته اتغير تماماً، مفيش أثر للزوج الحنين، القناع وقع وظهر الوش الحقيقي: بقلم منــال عــلي
— بلاش تصعبي الأمور على نفسك، مش في مصلحتك.
بصيت له.. لجوز ليلة واحدة. الراجل اللي لسه ريحة برفيوم الفرح في هدومه. الراجل اللي امبارح كان بيشيل الطرحة من على وشي بإيد تترعش من اللهفة، والنهارده الصبح عايز يشيل اسمي بالتبديد والشهر العقاري.
— ولو ممضيتش؟ يحصل إيه؟
“شاكر” ابتسم بشر:
— يحصل كتير.. عيشتك هتبقى صعبة، ومفيش راجل بيستحمل مراته لما تعاند.
“شهيرة” اتنهدت بتمثيل:
— وبعدين يا حبيبتي، “زين” كان صبور معاكي جداً، وجدتك رمت عليكي حمل أكبر منك، كلنا عارفين كده.
— كلنا؟
“زين” جز على سنانه: بقلم منــال عــلي
— أنا كلفت حد يدور ورا أملاكك، ملوش لزمة تحسي إن خصوصيتك اتهكت، ده كان شيء ضروري.
ضروري… الكلمة اللي الخونة بيبرروا بيها غدرهم بعد ما يقبضوا الثمن.
قلبت صفحة كمان، شفت اسمي، وشفت اسم “زين”، وشفت بند إدارة مطلقة ومفيهاش رجوع. وفي الآخر، سطر مكتوب بالحبر الأزرق: “توقيع المتنازلة”.
المتنازلة… مش الزوجة، ولا الشريكة. المتنازلة.. الست اللي بتسلم، الست اللي بتخسر وتختفي.
مسكت القلم. “زين” أخد نفس طويل كأنه انتصر وخلاص ضمن الملعوبة. “شهيرة” عدلت عقد اللولي بتاعها، و”شاكر” ساند ضهره لورا ومنتشي. الموثق باصص في الأرض. كلهم مستنيين إمضتي.
بس أنا حطيت سن القلم على الورقة وسألتهم براحة:
— هو مين اللي قالكم إني أملك حق التنازل عن الشركة دي أصلاً؟
الهدوء اللي في الصالة اتقلب. “زين” بربش بعينه:
— إنتي الوريثة الوحيدة.
— مظبوط.
— يبقى تمضي.
— تؤ… مش بالبساطة دي.
“شهيرة” ابتسامتها اختفت تماماً، و”شاكر” حواجبة عقدت. الموثق رفع عينه وبصلي لأول مرة، وفي اللحظة دي شفت الخوف… الخوف مش في عين “زين” ولا “شهيرة”، الخوف كان في عين الموثق نفسه. هو الوحيد اللي كان عارف حاجة هما مقروهاش.
سبت القلم من إيدي بالراحة خالص: بقلم منــال عــلي
جدتي مكنتش بتثق في الرجالة اللي بيجوا بالورد ويخرجوا بالعقود والتنازلات.
“زين” خبط على الفايل بكف إيده: بقلم منــال عــلي
— خلصينا بقا!
— عشان كده سابت شرط واقف في الوصية.
“شهيرة” وقفت على حيلها:
— شرط إيه ده؟!
مردتش عليها، لإن في نفس اللحظة تليفوني اتهز في جيب الروب. رسالة وصلت. من المكتب القانوني لمجموعة “إحسان”.
“نور، متوقعيش على أي حاجة. المحامي أكد إن زين اخترق حسابات وملفات الست إحسان القديمة بطريقة غير قانونية. احنا فعلنا الإجراءات القانونية فوراً لو حاولوا يضغطوا عليكي”.
حسيت بقلبي دق دقة واحدة.. قوية، ونضيفة.
“زين” لمح التليفون:
— مين اللي بيبعتلك؟
قلبت الشاشة على التربيزة: بقلم منــال عــلي
— حد مش في مصلحتك تعرفه.
“شاكر” وقف هو كمان وبصوت جهوري:
— هاتي التليفون ده هنا!
متحركتش من مكاني. “شهيرة” مدت إيدها تخطف الفايل، بس الموثق مسك إيدها بسرعة وقال بنبرة مرعوبة:
— مدام شهيرة… بلاش تلمسي الورق ده.
صوته كان بيرتعش. “زين” بص له بغل:
— إنت هنا عشان توثق الإمضاء وبس!
الموثق بلع ريقه وبص في الأرض: بقلم منــال عــلي
— أنا هنا عشان الحاج “شاكر” طلبني… بس قبل ما تموت، الست “إحسان” سابت تعليمات واضحة وصريحة لـ صباحية زي دي بالظبط.
وش “زين” اتمسح منه الدم. “شهيرة” تجمدت مكانهما، و”شاكر” كأنه نسى يتنفس.
أما أنا… بروبي الأبيض، وحلقي الألماظ، واسم عيلتي الغالي اللي محدش هلمسه، مديت إيدي وفتحت الدرج السري للتربيزة اللي كنا قاعدين عليها… المكان اللي جدتي “إحسان” شالت فيه الورقة الوحيدة اللي هتهد المعبد ده كله فوق دماغهم.
سحبت الورقة من الدرج السري بكل هدوء، والكل كان باصص لإيدي وكأنها ماسكة قنبلة موقوتة. الورقة كانت مغلفة بغلاف جلدي أسود، عليه ختم الشمع الأحمر الخاص بـ”مؤسسة إحسان للنظم القانونية”.
حطيتها على التربيزة فوق الفايل بتاعهم، بالظبط فوق كلمة “توقيع المتنازلة”.
بصيت لـ”زين” اللي كانت عروق جبهته هتنطق من الغل وقلت:
— جدتي “إحسان” الله يرحمها، قبل ما تموت بشهر واحد، عملت “وقف واستئمان” على كل أصول الشركة. يعني ببساطة يا زوزو، الشركة دي مش ملكي لوحدي عشان أتنازل عنها، الشركة دي محمية بموجب قانون الوقف القانوني لصالح مجلس إدارة ومؤسسات خيرية، وأنا مجرد “منتفعة بالأرباح” بشرط عدم نقل الملكية أو الرهن أو التنازل طوال حياتي، وإلا تؤول الملكية بالكامل وبشكل فوري لوزارة التضامن الاجتماعي وصندوق تحيا مصر.
“شاكر” وشه جاب ألوان، ومسك نظارته وهو مش مصدق، خطف الورقة من على التربيزة وبدأ يقرا السطور المكتوبة بوضوح، وصوته بدأ يتهز:
— الكلام ده مش مظبوط.. إنتي بتخرفي! إزاي ده يحصل والملفات اللي معانا بتقول إنك المالك المباشر؟
الموثق اتكلم وصوته طالع بالعافية:
— يا حاج شاكر.. أنا حاولت ألمحلك في العربية وإحنا جايين. الست إحسان الله يرحمها سجلت المشهر ده في الشهر العقاري الرئيسي برقم سري ومغلق، وميتفتحش إلا بحضور خطي من “نور” أو بعد مرور سنة على وفاتها. الملفات اللي “زين” بيه اخترقها دي كانت الملفات القديمة قبل التعديل. الست دي كانت قارياكم ومأمنة حفيدتها صح.
“شهيرة” لفت وشها لـ”زين” وصرخت بنبرة حادة وشريرة:
— يعني إيه؟ يعني كل اللي خططنا له بقالنا سنة راح في الهوا؟ يعني الشيكات اللي عليك والديون اللي هتودينا في داهية ملهاش غطا؟ إنت مش قلت لي إن البنت دي ساذجة وملهاش في اللوع؟
“زين” قرب مني وعينه كلها شر، مسكني من دراعي جامد وهو بيجز على سنانه:
— إنتي كنتي عارفة.. كنتي عارفة وسايباني أصرف وأعمل فرح بمليون جنيه وأنا مديون عشان توصلي لللحظة دي؟
شيلت إيده من على دراعي بمنتهى القوة والبرود، ووقفت على حيلي، وربطت حزام الروب الأبيض بتاعي بكل ثقة:
— إيدك متلمسنيش تاني يا “زين”. فرح بمليون جنيه؟ ههه.. ده تمن تذكرتك لدخول السجن. إنت مش بس غبي، إنت كمان مجرم. فاكر إن المحامين بتوعي نايمين؟ إنت اخترقت الحسابات والملفات الرسمية لشركة “إحسان” عن طريق “هاكر” من لاب توب شخصي بتاعك، والشرطة الإلكترونية حددت الـ IP بتاعك من نص ساعة بس بناءً على البلاغ اللي اتقدم امبارح بالليل وأنا في الكوشة جنبك وأنا ببتسم لك.
في اللحظة دي، سمعنا صوت كلاكسات عربيات ورا بعضها قدام باب الفيلا في المعادي، وصوت جرس الباب رن بقوة وعنف مفيش فيه أي ذوق.
“شاكر” بص من الشباك ووشه اتقلب لونه للرمادي:
— الشرطة.. الشرطة واقفت بره ومعاهم بوكس!
“زين” رجع لورا وهو مخضوض، وبص لأمه اللي قعدت على الكنبة وهي بتلطم على وشها وعقد اللولي بتاعها اتقطع واتفرط على الأرض زي طموحاتهم بالظبط.
بصيت لـ”زين” ولأبوه وقلت بنبرة حاسمة:
— المعبد اتهد خلاص.. والذئاب وقعت في المصيدة اللي حفرتها بإيدها. المحامي بتاعي بره ومعاه أمر ضبط وإحضار ليك بتهمة الجرائم الإلكترونية ومحاولة النصب والابتزاز، ومعاه كمان قضية “خلع” هترفع في المحكمة قبل الظهر.
الموثق أخد شنطته وجري على الباب وهو بيقول:
— أنا ماليش دعوة يا جماعة.. أنا جيت بناءً على طلبهم وممضيتش حاجة.
التفت لـ”زين” اللي كان واقف زي المشلول مش عارف يهرب فين، وقلت له جملتي الأخيرة وأنا ببتسم بانتصار:
— امبارح كنت بتقول قدام المعازيم إن “نور” هي بيتك ومكتوبك.. النهارده “نور” هي اللي هتكتب نهايتك ونهاية عيلة سلطان كلها.