حكايات زهره الربيع 2

أبويا وأخويا جريوا عليا وأنا حاطة إيدي على مقبض الباب، أخويا سالم كان بيعيط بحرقة، انحنى على إيدي يبوسها وهو بيقول بنبرة مكسورة: “سامحيني يا ندى.. أنا كنت مغمى عيني، كنت فاكرها بتحبني وبتحافظ على بيتي، طلعت بتسرقني وبتبيع أختي! متمشيش وتكسري ضهري، البيت بيتك وإحنا اللي ملناش وش نقعد فيه.”

أبويا كمان قرب وعينيه مليانة دموع وندم، ملامحه كانت عجوزة وتعبانة كأنه كبر عشرين سنة في اللحظة دي، قال بصوت مرتعش: “يا بنتي.. أنا ضيعت أمانة أمك، سكتت لمرات أبوكي لحد ما افتكرت نفسها صاحبة ملك، ووافقت أكسر بخاطرك عشان كنت فاكر حامد هيسترك ويهنيني عليكي في أيامي الأخيرة.. طلعت رمية كلاب.. أنا اللي عانس وعاجز مش أنتي يا ندى، لو مشيتي هموت بكسرتي.”

بصيت لهم ونظراتي كانت باردة، الوجع اللي عيشوني فيه لسنين مكش هيتمحي بكلمتين ولا بدموع ندم، قولت بصوت هادي وقوي: “أنا مش هقعد هنا لأن المكان ده مبقاش يشبهني، بس مش هسيب حقي.. البيت ده تلتينه ليا ولأخويا ورث أمي الله يرحمها، الست دي تخرج ومترجعش، والسرقة اللي اتسرقت من أخويا تترد.. أنا هقعد في شقة أمي القديمة اللي مقفولة، ومن بكرة المحامي بتاعي هيتحرك.”

خرجت ورزعت الباب ورايا، نزلت السلم وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري لأول مرة من سنين. الناس في الشارع كانوا واقفين مجموعات بيتوشوشوا، الفضيحة كانت خلاص سمعت في المنطقة كلها، ومرات أبويا ومرات أخويا كانوا خارجين بشنطهم والكل بيبص عليهم بقرف وتشفي. الست اللي كانت بتزغرد وتلقح كلام، كانت ماشية ومغطية وشها بعبايتها من الخزي.

قعدت في شقة أمي، نظفتها ورتبتها، وكل ركن فيها كان بيفكرني بضحكتها وحنانها، حسيت بروحها حواليا بتطبطب عليا وبتقولي: “نصرتي نفسك يا ندى.”

مر شهر كامل.. في الشهر ده، أخويا سالم مبطلش يجي تحت البيت، يبعتلي رسايل اعتذار، ويحاول يرضيني بكل الطرق. طلق مراته رسمياً، ورفع عليها قض//ية خيانة أمانة وسرقة بالصور والأوراق اللي أنا اديتهالها، ومرات أبويا هربت عند أهلها بعد ما أبويا رفع عليها قضي//ة طلاق وطردها من الشقة ومنع عنها أي مليم.

وفي يوم، وأنا قاعدة براجع حسابات الشغل الجديد اللي بدأته على الإنترنت كـ “مصممة ديكور مستقلة” (وهي دي الشهادة والموهبة اللي كانوا بيقولوا عليها ملهاش فايدة)، الباب خبط. فتحت لقيت سالم أخويا واقف، ومعاه راجل تلاتيني وقور، ملامحه هادية ومريحة، ولابس بدلة شيك.

سالم بصلي برجاء وقال: “ندى.. أنا عارف إنك مش عايزة تشوفي وشنا، بس الأستاذ طارق يبقى المحامي اللي ماسك قضايا السرقة بتاعتي، وهو اللي خلصلي ورثك من البيت وسجله باسمك رسمي.. وجاي بنفسه يسلمك العقود، وفي موضوع تاني عايز يكلمك فيه.”

وسعت لهم ودخلوا. الأستاذ طارق قعد، وبدأ يشرحلي بكل أدب واحترافية إزاي جابلي حقي، وحط العقود قدامي على الترابيزة. بعد ما خلص كلام الشغل، سكت شوية، وبص لسالم، وبعدين بصلي وقال بنبرة مليانة احترام:

“آنسة ندى.. أنا قبل ما أكون محامي سالم، أنا شوفت وتابعت كل اللي حصل، وشوفت الذكاء والقوة والعزة اللي واجهتي بيهم الظلم. أنا راجل عشت حياتي للشغل، وعندي 38 سنة، ومكنتش بفكر في الجواز لحد ما شوفتك وعرفت حكايتك.. أنا مش جاي أطلب إيدك بالطريقة التقليدية، أنا جاي أقولك إنك الست اللي أي راجل يتمنى تشيل اسمه وتكون شريكة حياته.. وأنا يشرفني أطلب إيدك من سالم ومن والدك، ومش طالب منك رد دلوقتي، فكري براحتك، وأنا تحت أمرك في أي وقت.”

أنا اتفاجئت، بصيت لعقود حقي اللي في إيدي، وبصيت لطارق اللي بيتكلم بكل رقي، وبعدين بصيت لسالم اللي كان قاعد وعينيه بتترجاني وافتكرت الكلمة اللي كسرتني: “العانس دي فايدتها إيه؟”

ابتسمت وقولت لطارق: “تفتكر يا أستاذ طارق.. واحدة أثبتت للكل إن فايدتها وقيمتها بتصنعها بنفسها مش بوجود راجل في حياتها، هتقبل تتجوز لمجرد الجواز؟”

طارق ابتسم بثقة وقال: “بالظبط.. وعشان كده أنا مش جاي أسترك زي ما هما كانوا بيقولوا.. أنا جاي أطلب من القوية إنها تشاركني حياتي، لأن أنا اللي محتاج لوجودك معايا.”

سالم وقف وقال: “أنا هسيبكم تتكلموا.. والقرار قرارك يا ندى، إحنا ملناش كلمة عليكي، أنتي ست عيلتنا وكبيرتنا من النهاردة.”

طارق قام وقف وبصلي بنظرة كلها إعجاب واحترام، وساب كارت المكتب بتاعه وقال: “مستني تليفونك.. حتى لو كان الرفض، يكفيني شرف المحاولة مع بنت بألف راجل.”

خرجوا وقفلوا الباب.. وقفت قدام المراية، وبصيت لوشي، مكنتش شايفة بنت عندها تلاتين سنة وعانست.. كنت شايفة ست جميلة، قوية، ملامحها بتنطق نصر وعزة. الحكاية مخلصتش هنا، دي يدوبك كانت البداية.. بداية حياتي الحقيقية اللي هبنيها بشروطي أنا، وبس!

مرت الأيام، ومكالمتي لطارق تأخرت.. مش ثقل ولا حيرة، لكن كنت بستمتع بكل لحظة حرية ونجاح كنت محرومة منهم. الشغل كبر، وبقى عندي مكتب صغير في شقة أمي، والشركات بدأت تطلب تصميماتي. بقيت بنزل، بشتري حاجتي بنفسي، راسي في السماء، ومحدش يقدر يرمي عليا كلمة ولا يكسر عيني بنظرة.

في يوم، تليفوني رن، وكان طارق. رديت بنبرة هادية: “أهلاً أستاذ طارق.”

صوته كان واشوش وفيه ضحكة خفيفة: “آنسة ندى.. أنا قولت الكارت ضاع، أو قررتي ترفضي ومحروجة تبلغيني.”

قولتله بثقة: “أنا مبهربش يا أستاذ طارق، بس كنت مشغولة بأسس شركتي الصغيرة.. وتفكيري في موضوع الجواز عموماً محتاج وقت.”

سكت ثواني وبعدين قال بنبرة جادة ومحترمة: “وده اللي مخليني متمسك بيكي أكتر.. عموماً، أنا مكلمك عشان الشغل الأول؛ طليقة أخوكي سالم ومرات أبوكي محبوسين على ذمة التحقيق في قض//ية النصب وسرقة وصولات الأمانة اللي رفعناها، والمحكمة حددت جلسة الأسبوع الجاي.. ووجودك كشاهدة أساسية بالورق اللي كان معاكي هيقفل الق/ضية دي تماماً.”

يوم الجلسة، دخلت المحكمة وأنا لابس طقم شيك، واثقة من كل خطوة. طارق كان واقف مستنيني قدام الباب، أول ما شافني عينيه لمعت بإعجاب ملموس. دخلنا قاعة المحكمة، ولقيت في قفص الاتهام مرات أبويا ومرات أخويا.. شكلهم كان يصعب على الكافر؛ الهدوم مبهدلة، والوشوش صفرا، والوجاهة والفخر الكداب اللي كانوا بيتباهوا بيه اتمسح تماماً.

أول ما عيونهم جت في عيني، مرات أبويا بدأت تعيط بهستيريا وتصرخ من وراء القضبان: “الحقيني يا ندى! أنا زي أمك يا بنتي، يرضيكي أتبهدل في السجون على آخر أيامي؟ شيلي الق/ضية دي وبوسي إيد أبوكي يسامحني!”

ومرات أخويا قعدت تلطم على وشها وتناديني: “يا ندى أنا أختك، وغلطت وشيطان ودخل بيننا.. سالم طلقني ورماني، رديلي اعتباري ومضيعيش مستقبلي!”

بصيت لهم ببرود تام، ومتحركتش فيا شعرة واحدة. الستات دول لو كنت وقعت تحت إيد حامد، كانوا هيتفرجوا على تعذيبي وموتي بالبطيء وهم بيعدوا الفلوس. لما القاضي نده على اسمي، وقفت بكل ثبات، وحكيت كل حاجة، وقدمت المستندات والتحويلات اللي بتثبت خيانتهم. القاضي أخد الورق، وبعد المداولة، نطق بالحكم: السجن المشدد تلات سنين لكل واحدة فيهم مع رد المبالغ المسروقة.

صراخهم وعياطهم زلزل القاعة وهم بيتاخدوا بالكلابشات، وأنا خارجة، بصيت لطارق وقولتله: “العدل حلو.. واليتم مبيكسرش، اللي بيكسر هو قلة الأصل.”

طارق مشي جنبي لحد ما خرجنا في الهوا، وقف وبصلي وقال: “أظن كده صفحتهم اتقفلت للأبد.. ندى، أنا سيبتلك وقتك، ووقفت جنبك في الشغل عشان تشوفي طارق الإنسان والمحامي.. تفتكري جه الوقت اللي أسمع فيه رأيك فيا؟”

بصيت في عينيه، لقيت فيهم صدق واحترام ملموس، مكانش باصصلي بنظرة شفقة ولا نظرة راجل عايز “يستر” بنت كملت التلاتين.. كان باصصلي كأنه لقى الكنز اللي بيدور عليه طول عمره.

ابتسمت وقولتله: “أنا موافقة يا طارق.. بس بشروطي.”

طارق ضحك من قلبه وقال: “شروطك أوامر يا سيادة المصممة.. قولي وعليا التنفيذ.”

قولتله: “فرحنا مش هيكون تقليدي، ومش هعمله في قاعة مقفولة.. أنا عايزة الفرح يكون في الشارع قدام بيت أبويا.. عايزة كل اللي قالوا عليا ‘عانس وملهاش فايدة’ يشوفوا ندى وهي بتتجوز الراجل اللي اختارها بقلبه وعقله، ويشوفوا إن الصبر والكرامة أخرتهم نصر.”

وفعلاً، بعد أسبوعين، الشارع كله اتقلب.. الأنوار كانت مغطية البيوت، والكوشة معمولة بأرقى تصميم ديكور أنا صممته بنفسي. أبويا كان واقف لابس جلبابه الجديد وعينيه مليانة دموع الفرحة والندم وهو بيسلمني لطارق، وأخويا سالم كان طاير من الفرحة وحاسس إنه بيردلي جزء من اعتباري.

الناس والجيران كانوا واقفين مبهورين، والستات اللي كانوا بيوشوشوا عليا زمان وبيرددوا كلام مرات أبويا، كانوا واقفين يضربوا كف على كف وهم شايفين ندى العروسة اللي زي القمر، ومتجوزة أكبر محامي في المنطقة، وداخلة على حياة هما مكنوش يحلموا بيها لبناتهم.

حامد العريس القديم كان واقف بعيد في أول الشارع، وشه أسود من الغل والكسرة، وهو شايف البنت اللي كان فاكر إنه هيشتريها بفلوسه ويعذبها، بقت ملك لراجل برقبت وبرقبة عيلته كلها.

طارق مسك إيدي وهو بيتلفت للناس وبيقلي بصوت واطي: “شايفة الكل باصص ليكي إزاي؟ أنتي مش مجرد عروسة يا ندى.. أنتي درس للمنطقة دي كلها.”

ضحكت ورفعت راسي وسط الزغاريد اللي بجد المرة دي، مش زغاريد الشماتة.. كنت حاسة إن أمي الله يرحمها شيفاني ومبسوطة. الجواز مكنش النهاية بالنسبة لي، كان مجرد باب جديد بفتحه لرحلة تانية خالص.. رحلة ندى القوية اللي محدش هيقدر يقف في طريقها بعد كده.

لكن وسط الفرحة والناس بتهني، لقيت واحد من صبيان مكتب طارق بيقرب منه وبيهمس في ودنه بكلام، ملامح طارق اتقلبت فجأة وبص ناحية عربية سودا واقفة في آخر الشارع، مسك إيدي جامد وقال بصوت غريب: “ندى.. في حد جه الفرح مش مفروض يكون هنا.. ومظنش إنه جاي يبارك!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *