حكايات زهره الربيع 3
سحبت الورقة من وسط رزم الفلوس وإيدي بترتعش، وعيني مش مسبقة الخط.. ده خط أحمد أخويا الصغير! أحمد اللي مبيعرفش يكتب جملتين على بعض من غير ما يغلط، كاتبلي رسالة كلامها حامي وزي النار.
فتحت الورقة وقريت المكتوب بصوت واطي وناهد مبرقة وعينها عليا:
“يا محمود.. يا أخويا الكبير وسندي اللي كسرت بقلبه. أنا عارف إنك مش هتقرأ الورقة دي إلا وأنت بعيد، أنا اللي حطيتها في شنطة الفلوس وأنت بتودع أمي والبيت زحمة. أنا كتبتلك عشان أقولك إن الشقة دي مكنتش معمولة عشان أتجوز فيها.. أمي كانت بتكدب عليك وعليكِ يا ناهد!
الحقيقة يا محمود إن أنا اضحك عليا برة في البلد هنا من ناس نصابين، ومضيت على نفسي شيكات ووصولات أمانة بمليون جنيه تمن بضاعة وتجارة وهمية دخلت فيها من وراكم، وكان محكوم عليا بالسجن العسكري والمدني والبوليس كان بيدور عليا! أمي لما عرفت، حبت تعمل اللعبة دي عشان تاخد الشقة وتبيعها هي لأصحاب الشيكات عشان تنقذني من السجن والمصيبة اللي أنا فيها.. أم العروسة وحكاية الجواز دي كانت فيلم همّ مألفينه عشان ناهد توافق وأنت ترضى تسبلي الشقة من غير ما تعرف إن أخوك الصغير ضاع وممكن يتسجن!
أنا مكنتش هقولك، بس لما شوفتك بتبيع الشقة بإيدك وبتسيب بلدك عشان كرامة مِراتك، حسيت إني نذل وخسيس.. الفلوس اللي معاك في الشنطة دي يا محمود، أصحاب الشيكات عرفوا إنك بعت الشقة ومعاك كاش، وهما بيدوروا عليك دلوقتي في البلد الجديدة عشان ياخدوا الفلوس دي منك تمن الوصلات اللي عليا.. اهرب يا محمود بالفلوس، اهرب ومتخليش حد يعرف مكانك، وسيبني أنا أدخل السجن وأشيل شيلتي!”
أنا وبقرا السطور الأخيرة، حسيت إن ركبي مش شايلاني. الورقة وقعت من إيدي على الأرض، وناهد وطت جابتها بسرعة وقريتها، ووشها اتقلب وبقى أبيض زي المناديل. بصتلي برعب وقالت: “يا مصيبتنا يا محمود! يعني إحنا متهجرناش برضا المرة دي؟ إحنا هربانين؟ الفلوس دي لو راحت، شقا عمري وعمرك تمنه هيضيع في الهوا عشان طيش أخوك وكدب أمك؟!”
الراجل صاحب الشقة الجديدة كان قاعد مستني ومستغرب من منظري أنا ومراتي والشنطة المفتوحة قدامنا. قولتله بصوت متقطع: “يا حاج.. معلش، إحنا محتاجين نص ساعة بس، هننزل مشوار وجايين نمضي العقد.” أخدت الشنطة في إيدي وقفلتها، وسحبت ناهد وعيالي ونزلنا على السلم بجري، كأننا بنجري من عزرائيل.
طلعنا على الشارع الرئيسي، وأنا دماغي عمالة تودي وتجيب.. أعمل إيه؟ أرجع لأخويا وأمي وأنقذ أخويا من السجن بفلوس شقايا وشقا مراتي اللي طفحت المر؟ ولا أختفي بالفلوس وأبني حياة لعيالي وأسيب أخويا يتسجن وأمي يجرالها حاجة من قهرتها عليه؟
وفي وسط زحمة الشارع والمحطة، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب.. رقم من المحافظة بتاعتنا.
فتحت الخط وأنا بنهج، لقيت صوت راجل غليظ وجاف بيقولي: “يا محمود يا مكرم.. حمد لله على السلامة في بلدك الجديدة. متفتكرش إنك لما تركب القطر وتغير المحافظة مش هنعرف طريقك.. إحنا عارفين أنت نازل في أنهي داهية ومعاك شنطة الفلوس كاش.. قدامك ساعتين بالظبط، يا تجيب الفلوس دي وتقابلنا في العنوان اللي هبعتهولك، يا إما وصولات الأمانة بتاعة أخوك الصغير هتقدم للنيابة الليلة، وأحمد هيبات في التخشيبة.. فكر كويس، شقا عمرك قصاد حرية أخوك ولحمك ودمك!”
الخط اتقفل، وأنا وقفت في نص الشارع زي الصنم، الناس بتخبط فيا وأنا مش حاسس بالدنيا.. بصيت لناهد لقيتها بتبكي وبتترعش وبتحضن العيال وبتقولي: “لأ يا محمود.. لأ ببوس إيدك.. الفلوس دي لأ.. دي صحتي وشبابي اللي ضاع في الأسواق!”
وبصيت للرسالة اللي في إيدي.. أخويا اللي غلط بس في الآخر استرجل وقالي اهرب، وأمي اللي كدبت عليا بدافع غريزة الأمومة عشان تنقذ ابنها من السجن.
أنا دلوقتي في أصعب اختبار في حياتي.. ساعتين والقرار لازم يتاخد، يا أشتري أخويا وأبيع عمري، يا أشتري عمري وأبيع أخويا.. وخطوتنا اللي جاية هي اللي هتحدد إحنا رايحين على فين…
الساعتين كانوا بيمروا على رقبتي زي السكي..نة التلمة. كنت واقف في وسط المحطة، شنطة الفلوس في إيدي زي الجمرة القايدة، مش عارف أرميها فين ولا أداريها إزاي.
ناهد كانت باصة لعيني، وفي عينيها ألف رجاء وتوسل، قالتلي بصوت مخنوق بالدموع: “محمود.. لو الفلوس دي راحت، أنا مش هبقى معاك تاني.. مش كره فيك، بس عشان مش هقدر أبص في وشك وأنا شايفة شقايا وصحتي اتنتروا في الهوا عشان كدب وطيش. سيب أخوك يشيل شيلته، هو اللي مضى وهو اللي غلط!”
كلام ناهد كان حقيقي ويقسّم الظهر، بس في نفس الوقت، صورة أمي وهي بتلطم، وصورة أخويا وهو مكسور وكاتبلي “اهرب وخليني أشيل شيلتي” كانت بتطاردني. لو سيبته يتسجن، هعيش طول عمري حاسس إني بنيت سعادتي على خراب عيلتي.
وفجأة، وسط الدوامة دي، ربنا نوّر بصيرتي بفكرة.. فكرة تخليني مابعش مراتي وفي نفس الوقت منقذش أخويا “على الجاهز” ويطلع منها ببلاش.
بصيت لناهد وقولتلها بلهجة قاطعة: “ناهد، اسمعيني كويس ومتقاطعينش.. إحنا مش هنلعب دور الضحية تاني، والفلوس دي مش هتضيع.”
مسكت التليفون وطلبت الرقم الغريب اللي كلمني. الراجل رد عليا بنبرة كلها ثقة وفوز: “ها يا محمود؟ لمتش شملك وعرفت مصلحة أخوك فين؟”
قولتله بثبات هز ثقته: “اسمعني كويس يا ابن الناس.. الفلوس كاش معايا، بس أنا مش مغفل عشان أجيبلك شنطة فلوس وأسلمهالك في الشارع فتقولي لسه فيه شيكات تانية وتلوي دراعي بيها طول العمر.. أنا هجيلك، بس المقابلة مش هتبقى في مكان مقطوع.. المقابلة هتبقى في مكتب المحامي المحترم اللي ماسك القض..ية، وبحضور أحمد أخويا، والوصولات كلها تتجمع قدام عيني وتتحرق، ويتعمل مخالصة وتنازل رسمي في النيابة.. غير كده، قسماً بالله العلي العظيم هقعد في بلد تانية خالص والفلوس دي هجمدها في البنك، وأخوك يوريني هتاخدوا منه إيه وهو في السجن ومحيلتوش مليم!”
الراجل سكت ثواني، ولهجته اتغيرت وعرف إني مش صيد سهل، وقال: “ماشي يا محمود، نص ساعة وهبعتلك عنوان مكتب المحامي في المركز عندنا.. بس لو لعبت بديلك، أخوك هيتجر من قفاه الليلة.”
لفيت لناهد وقولتلها: “أنتِ والعيال هتقعدوا هنا في كافيتيريا المحطة، الشنطة دي مش هتمشي معايا.. أنا هاخد منها بالظبط تمن الشيكات بعد ما نفاصل معاهم، وباقي الفلوس هيفضل معاكِ.. ده حقك وحق عيالي، وأنا مش هغامر بيه كله.”
ركبت القطر ورجعت لبلدنا، وكل خطوة كانت بتخليني أحس بتقل الهم. وصلت لمكتب المحامي في الميعاد، ودخلت لقيت أحمد أخويا قاعد وشه أزرق وعينيه منفوخة من العياط، وجنبه أمي اللي أول ما شافتني جريت عليا وحضنتني وهي بتبكي: “سامحني يا ابني.. كدبت عليك عشان كنت بموت وأنا شايفة أخوك الصغير هيروح ورا الشمس!”
طبطبت عليها وقولت بخاطر مكسور: “الحساب بعدين يا أمي.”
قعدت قدام أصحاب الشيكات والمحامي، وقولتلهم بنبرة ناشفة: “أحمد مضى على شيكات بمليون جنيه بضاعة وهمية.. يعني نصباية منكم عليه عشان تستغلوا طيشه وتعرفوا تلووا دراعي لما أنزل من السفر.. أنا مش هيدفع مليون جنيه في ورق متسواش بصلة.. أنا قدامي 600 ألف جنيه كاش حالا، تاخدوهم وتقفلوا المحضر وتدوني الشيكات، يا إما تبلوا الشيكات دي وتشربوا ميتها، وأحمد أهو قدامكم والمحكمة هتحكم عليه باللي تحكم بيه، وفلوسي هبني بيها برج لعيالي.”
الناس بصوا لبعض، وبدأوا يتوشوشوا.. الكاش ليه رنة، والنصاب دايماً بيبقى عاوز يخرج بأي مصلحة بدل ما يدخل في قضايا ومحاكم ومياخدش حاجة في الآخر. المحامي بتاعهم بصلي وقال: “700 ألف.. ونقفل الحكاية دي الليلة.”
بصيت لأحمد وقولتله: “الـ 700 ألف دول يا أحمد، تمن شقايا وغربتي، هيدفعوا من فلوس الشقة اللي ناهد طفحت التراب عشان تعملها.. الفلوس دي دين في رقبتك، وهتكتبلي بيهم وصولات أمانة باسم ناهد مراتي! وتشتغل هنا في البلد أير جير، والقرش اللي هتحوشه هيروح لحسابها لحد ما تسدد شقاها.. وافقوا على كده؟”
أحمد بكى وباس إيدي وقال: “موافق يا محمود، والله العظيم موافق، وهبوس جزمة ناهد كمان.. بس أنقذني.”
وفعلاً، تمت الصفقة.. الفلوس اتعدت، والوصولات الأصلية اتحرقت قدام عيني، وأحمد مضى على وصولات جديدة لصالح ناهد، وعملنا التنازل في النيابة وأخويا خرج حر بروح جديدة.. بس أنا خرجت وجيبي فيه الباقي من الفلوس، مبلغ ميكفيش ربع شقة من اللي حلمنا بيها.
رجعت المحطة في المحافظة التانية ودموعي على خدي، دخلت الكافيتيريا لقيت ناهد قاعدة وضامة العيال ومستنياني.. بصيت في عينيها وقولتلها: “أنا أنقذت أخويا يا ناهد.. بس مبعتش حقك، وكتبتله وصولات باسمك بالـ 700 ألف اللي دفعتهم.. بس الشقة طارت يا ناهد.. شقتنا راحت.”
ناهد وقفت، وبصت في عيني لثواني طويلة كنت حاسس إنها هتمشي وتسيبني.. لكنها فاجأتني لما مدت إيدها ومسحت دموعي، وقالت بصوت مليان أصل وصبر: “الشقة حيطان يا محمود.. وأنت رجعتلي راجل وسند ومبعتنيش.. الفلوس اللي باقية معانا تفتح مشروع صغير، والـ 700 ألف هناخدهم من أخوك قرش ينطح قرش، وهنبني شقة أحسن منها.. المهم إننا سوا.”
حسيت إن الروح ردت فيا من تاني، وأخدتها هي والعيال وخرجنا من المحطة عشان نشوف مكان جديد نأجره ونبدأ من الصفر..
لكن وإحنا خارجين من باب المحطة، لقيت عربية سودا كبيرة وقفت فجأة قدامنا، ونزل منها شخصين ملامحهم غريبة، وواحد منهم قرب مني وبص في وشي وقالي: “أنت محمود مكرم؟”
قولتله وأنا مخضوض: “أيوة أنا.. في إيه؟”
الراجل طلع من جيبه كارنيه وبصلي وقال جملة خلّت الدم يتجمد في عروقي للمرة الألف، وعرفت إن الحكاية لسه منتهتش، وإن اللي فات ده كله كان كوم، واللي جاي كوم تاني خالص…
